; في حوار فكري مع الدكتور أنس كاريتش: مستقبل الإسلام في البوسنة والهرسك | مجلة المجتمع

العنوان في حوار فكري مع الدكتور أنس كاريتش: مستقبل الإسلام في البوسنة والهرسك

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001

مشاهدات 55

نشر في العدد 1461

نشر في الصفحة 42

السبت 28-يوليو-2001

  • الحفاظ على الإسلام في البوسنة كالحفاظ على جمرة من النار.. إذا تمسكنا بها تحرق أيدينا وإذا تركناها انطفأت
  • وجود الدولة البوسنية والتربية يكفلان بقاء الدين.. فالدولة هي التي تتحدث باسم الشعب والتربية تمكن المرء من القوة والكرامة
  • التركيز على أن البوشناق هم السلاف الذين اعتنقوا الإسلام معناه أن لنا حقوقًا دينية فقط وليست لنا حقوق وطنية

الشعب البوسني هو أكثر الشعوب المسلمة من أصل أوروبي عددًا، والحقيقة أنهم جسر حي بين الشرق والغرب، ويمكن أن يؤدي دورًا في حوار الحضارات، ذلك لما في وجوده من التمازج من حيث سلالاته السلافية، ووطنه الأوروبي، أما من حيث دينه وعقيدته وشعوره الثقافي فهو مسلم، وهذا يعلو على كل الاعتبارات الأخرى، ويرى أن ذلك هو قدره.

المفكر البوسنوي الدكتور أنس كاريتش تطرق في حوارنا معه إلى محاور عدة خطيرة عن ماضي الإسلام والمسلمين في البوسنة والهرسك، وعن حاضرهما ومستقبلهما، وهذا نص الحوار:

كيف ينظر الأوروبيون للمسلمين البوسنيين في أوروبا؟ وماذا يعني الإسلام للمسلمين في هذه البقعة من الأرض؟

يعتبرهم الأوروبيون المتطرفون والمتعصبون جسمًا غريبًا بأوروبا، وذلك بسبب إسلامهم، وهؤلاء المتعصبون الأوروبيون نسوا حقيقة أن المسيحية والإسلام كلاهما دخل أوروبا من الشرق، وباعتناق دياناتهم الحالية صاروا فرعًا روحيًّا لآسيا، وعليه فإن للبوسنيين المسلمين الحق في الانتماء إلى هذه البقعة من الأرض أسوة بجيرانهم من الأرثوذكس الصرب، والكاثوليك الكروات، وكذلك لهم حقوق متساوية في كل ما يترتب نتيجة لذلك، وهذا ليس لأنهم فقط بشر، بل بشر تحكمهم مبادئ لا تنكرها، بل تؤكدها مواثيق حقوق الإنسان والأمم المتحدة، ويا له من خطر محدق بالبوسنيين وأوروبا إذا أنكرت أوروبا عليهم ذلك! تلك المواثيق التي يتناساها الأوروبيون عند التعاطي مع قضايا المسلمين.. فالبوسنويون هم الشعب الأوروبي الوحيد الذي يتهدده الفناء والدمار، وهذه حقيقة مؤلمة ندركها بعد عشر حروب من التطهير العرقي نكلت بنا نحن البوسنيين من قبل الصرب الذين شحنوا بالتعصب والتطرف الأرثوذكسي، حيث إن تاريخ البوسنيين الحديث عبارة عن فترات هدنة بين عمليات التشريد والطرد والإبادة العرقية.

هذا كله يظهر جليًا من خلال أدبنا وذاكرتنا التاريخية، تاريخ البوسنيين تاريخ كفاح مرير من أجل البقاء، إنه كفاح لا مثيل له، حيث لم يستسلموا في أشد لحظات الحصار والهجوم المكثف المنهمر من أعالي الجبال ومن كل الجهات، ونتيجة لذلك فإن البوسنيين أصحاب أكثر التواريخ مأساوية في قارة أوروبا؛ إذ ينظر إليهم دائمًا على أنهم المنشقون روحيًّا في أوروبا.

وعن الشق الثاني من سؤالك أقول: الحقيقة أن الإسلام ليس فقط أهم نقطة تحول في تاريخ البوسنيين، بل هو أيضًا نقطة تحول محوري في تاريخ منطقة البلقان، وفي القلب منها بلاد البوسنة والهرسك المسلمون في البوسنة سنيون، حيث انتشر هذا الدين في كل بقاع الأرض كغيره من الأديان الأخرى والبوسنة الآن بعد الحرب الدامية من (1992– 1995م) في كثير من أجزائها يعيش فيها البوشناق جنبًا إلى جنب مع الصرب والكروات في حياة اجتماعية متعددة العقائد والثقافات، إنها ليست ذات وضع ديني أعد خصيصًا لعرضه على السياح الغربيين.

الإسلام وهب البوسنة أعلى مستويات التسامح الديني، لهذا في كثير من الحقب الزمنية أدى هذا التسامح إلى كسب ثقة الكاثوليك ولا سيما الرهبان البوسنيين منهم ثم البروتستانت واليهود أيضًا.

وللأسف فإنه مع آخر تطهير عرقي تعرض له البوشناق في كثير من أنحاء البوسنة والهرسك تلاشى الشعور التقليدي بالتعددية العرقية والثقافية والتسامح؛ لذلك على أوروبا والمجتمع العالمي ليس فقط صرف المزيد من الأموال لرأب الصدع بل محاولة إعادة الكثير من الحب والوئام من أجل بناء البوسنة وإحياء تراثها العريق.

• هناك من الباحثين الغربيين من يرجع أسباب النكبات التي حلت بالمسلمين إلى تسامحهم، كيف ترون مستقبل التسامح الإسلامي في البوسنة والهرسك، وما الذي أضافه الإسلام للبوسنة والهرسك؟

لقد سبق أن ذكرنا أن الإسلام بالبوسنة سني التوجه، هذه الحقيقة في المضمون الحضاري للبوشناق نتج عنها تكوين الهوية القومية البوسنية، الإسلام التقليدي الذي يمارسه البوشناق أدخلهم إلى التاريخ العالمي، ثم إن دخولهم في الإسلام أساسًا قد ضمن بقاء دولة البوسنة والهرسك، وهذا ما نراه اليوم، لقد كان خطوة موفقة ومهمة جدًّا على مستوى الإيمان اليقيني وعلاقته بالآخرة وعلى مستوى الوضع الطبيعي لدولة البوسنة والهرسك ومدنيتها، لقد نشأت بمجيء الإسلام للبوسنة المدن وبنيت فيها المساجد، وسمح للنصارى ببناء الكنائس والمعابد، حيث تعرف البوسنة التقليدية المدن التي تتجاور فيها الجدران والفضل يرجع للإسلام الذي سمح للعقائد الأخرى وكل شعب أن يمارس عبادته، ونستطيع القول إن البوسنة هي الدولة الوحيدة بأوروبا التي تعاملت مع كل العقائد بالتسامح.

ويلفت النظر أن عماراتها ذات النوافذ الصحية، وأروقتها الظليلة ذات الطابع الشرقي وطريقة الترشيد في استخدام الماء كلها أمور لا تخلو من الإرشاد الديني، كذلك فإن بناء الحدائق الغناء، والعمارة التي تذكر الإنسان بأعالي الجنان والعالم الآخر وفي تصميم جوامعها وتوافق أسقفها مع الألوان التي تظهر من أعماق لون السماء الزرقاء الصافية في توافق عجيب غير محسوس تسري في ثنايا الطبيعة شاقة طريقها إلى الحضارة في امتزاج ثنائي، ومن هذا المنظور الحضاري الطبيعي يمارس البوشناق تعاليم إسلامهم الحنيف، وقد جبلت تعاليم الإسلام الكثير من التسامح للبوسنة مع العقائد الأخرى من مسيحية ويهودية وغيرها، حيث استقبل المسلمون اليهود الفارين من محاكم التفتيش الكنسية في إسبانيا.

إن الدعوة الإسلامية التي دخلت للبوسنة قبل سبعة قرون من الشرق ألهمت المؤلفين البوشناق حيث يشهد بذلك العديد من المخطوطات واللوحات المعلقة على جدران المساجد والمباني الإسلامية، وهي تشمل بعض اللوحات المخطوطة بالأحرف العربية واللغة التركية أو البوسنية وتسمى «تاريخ»، إذ يكتب فيها تاريخ بناء البناية ومن شيدها، بعض تلك المباني الدينية شيد في أماكن ذات جمال طبيعي خلاب لا مثيل له عند منابع الأنهار وأوديتها الخضر ذوات الأشجار الشاهقة والسهول المنبسطة، هذا الجو الشاعري الجذاب ألهم الكثير من الشعراء والأدباء كتابة الأدب الإسلامي موضحًا علاقة الإنسان بالإنسان والإنسان بالطبيعة.

إن البوسنيين القدامى من أتباع المذهب المسيحي الذي يوحد الخالق «بوقوميلي» لم تكن لهم كنائس بالمعنى المفهوم، ولكنها أماكن للعبادة في مناطق ذات طبيعة خلابة ومناظر جذابة مارسوا فيها طقوسهم الدينية، وعند دخولهم الإسلام احتفظ البوسنيون بمعابدهم هذه وحولوها إلى دور عبادة (إقامة صلوات الأعياد والاستغاثة والدعاء) ومناشط أدبية يتبارى فيها الشعراء والأدباء من قديم الزمان إلى يومنا هذا في وصف الطبيعة الخلابة والتغني بما فيها من ينابيع وأنهار وحدائق وزهور ومروج غناء.. وحول البوشناق مواطن العبادة ما قبل الإسلام إلى أفنية المنازل، ونظم الشعراء البوسنيون شعرهم من قديم الزمان عن منابع المياه والورود والجبال والحدائق، لقد امتدت تلك الروح إلى يومنا هذا -حتى في أثناء الحرب- حيث ظهر ذلك جليًا في الشعر الحديث للشعراء الشباب من البوسنيين.

بعد كل تلك المذابح التي تعرضتم لها هل ما زلتم على تسامحكم؟ وهل أثرت الأدبيات الإسلامية المختلفة في العالم الإسلامي في بنية نظرتكم للدين والعالم؟

تتساءل وسائل الإعلام الغربية عن إمكان ظهور الإسلام المتطرف في البلقان نتيجة للمذابح بحق البوسنيين، ولكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن التطرف، إذا ظهر -لا سمح الله- فسينمو في اتجاهين الأول يخص العلاقات الداخلية بين البوسنيين حول موضوع الإسلام الصحيح، والثاني يخص العلاقات المتبادلة بين أصحاب الأعراق والديانات المختلفة في هذه البلاد.. طبعًا الشرط الأساسي في ذلك (الذي هو شرط لا بقاء للبوشناق بدونه، ويحدد أدنى سمة مشتركة) هو الاحترام والتوفير المتبادلان وهو بقاء البوسنة والشعب البوسني.

• مستقبل الإسلام والمسلمين في البوسنة والهرسك مرهون بالالتزام بتعاليم دينهم، كيف ترون شكل هذا الالتزام وما الأدوات المساعدة على تعميقه؟

اتفق البوسنيون منذ أكثر من قرن بالإجماع حول طريق تطبيق تعاليم الإسلام داخل المجتمع المدني؛ فالدولة التي يؤيدونها ليست منحازة لطائفة دون الطوائف الأخرى، حيث لا تعرف قوانينها ما يسمى بالديانات المعترف وغير المعترف بها، بل إن الحقوق وحرية الدين غير محددتين، بل هي أمر معزز بالعبادة واحترام حقوق الناس والحرية المدنية، والذي يفكر فيه كثير من البوسنيين سواء أدباؤهم أو فلاسفتهم، ساستهم أو علماء الدين هو الإسلام الذي يمكننا أن نكون علماء وأقوياء ومحترمين في هذه البقعة من أوروبا، ومع ذلك نبقى على قيد الحياة لقد قام علماؤنا بسرد عشر محاولات بشعة لإبادة المسلمين البوشناق الجماعية في غضون قرون عدة مضت.

خلال القرنين الماضيين من تاريخنا سنلاحظ من خلال الكتب والصحف أن العلماء رجال الطبقة المثقفة لم يهتموا بمسألة كيفية البقاء للشعب البوسني المسلم؛ فخلال هذين القرنين كان البوشناق يقطنون ويسكنون المناطق التي تشهد أكبر الزلازل الاجتماعية، وكانوا ضحية ممارسة الإجرام التاريخي ضدهم، كان يجب عليهم على الأقل التنبؤ إذا ما كان بوسعهم تغيير واقعهم المرير، بل كان يجب أن يحسنوا وضعهم على مستوى الكلمة ونشر الوعي والحذر لدى الشعب من العدوان والإبادة الجماعية القادمة والمتتالية من قبل أعدائهم الصرب والكروات وبناء هذا الحذر ضمن برامجهم ومناهجهم التربوية والتعليمية.

وعليه يجب أن نعي أن التربية والتعليم المقاوم للعدوان لهما أهميتهما القصوى بجانب التربية الإسلامية وتعلم العربية والإنجليزية والألمانية والفرنسية، وأن يكون منا أول خبير في علم الفيزياء وهذا جزء لا يتجزأ من إسلام جيل الشباب الذي يخدم الهدف المشترك ألا وهو الحفاظ على شعب البوسنة ويجب أن يكون العالم الإسلامي واعيًا بذلك؛ فالحفاظ على الإسلام في البوسنة مثل الحفاظ على جمرة من النار، إذا تمسكنا بها تحرق أيدينا وإذا تركناها تنطفئ فإذا أطفئت هذه الجمرة -لا سمح الله- ستكون بداية نهاية المسلمين في البوسنة والهرسك.

• هل يملك المسلمون الأوروبيون، تحديدًا الأوروبيون الأصليون منهم، تصورًا لكيفية مشاركتهم في القيم الغربية التي لا جدال فيها مثل ترتيب الحياة اليومية والانضباط في المواعيد والدقة في العمل؟

إذا اعترفنا أن للإنسان حقًّا وواجبًا طبيعيين للتفكير في مستقبله، يجب علينا عندها، كأوروبيين مسلمين ومسلمين أوروبيين أن نقول إن التفكير الأوروبي حول المستقبل الأوروبي هو ما يجذب المرء حقًّا، وهو في الواقع ما يجب أن يشد اهتمام المسلمين أنفسهم في أوروبا الآن، حيث يزيد عددهم اليوم هنا على خمسة عشر مليونًا، وفي إطار ذلك العدد الضخم ينبغي الأخذ في عين الاعتبار بصفة خاصة أن هنالك خمسة أو ستة ملايين من المسلمين الأوروبيين أصلًا «من بوسنيين وألبان وغيرهم..» أي أنهم ليسوا من الأوروبيين المسلمين الذين قدموا من خارج أوروبا طلبًا للعمل أو الدراسة أو الاستثمار أو غير ذلك واستقروا في الغرب.

مرة أخرى أسالكم عن رؤيتكم المستقبل المسلمين في أوروبا.. هل مستقبلهم فقط كلاجئين وما سبب افتتان بعض المسلمين بنجاح أوروبا؟

نجاح أوروبا في تنظيمها وبريقها ليس وحده القضية الرئيسة؛ لأن الوضع المزري للسكان المسلمين من أصل أوروبي يدفع بطبيعته إلى الافتتان التلقائي ببريق أوروبا وازدهارها.

هل هناك مكان للمسلمين في مستقبل ينعمون فيه بالعزة على خريطة المستقبل الأوروبي؟

إن مشاركة المسلمين في الجوانب الحسنة لأوروبا ودفاعهم الفاعل ضد الأشياء الشريرة فيها في القرن الجديد سيعتمدان إلى حد كبير على كيفية تصور الأوروبيين المسلمين لبقائهم الأوروبي الإسلامي.

وخلال العقود الماضية بات منظر القتلى من المسلمين الأوروبيين الأصليين من البلقان صورة مألوفة متكررة على شاشات التلفاز؛ لدرجة لم يعد معها قتلهم بتلك الأعداد من الأخبار البارزة وليس هنالك أدنى شك في أن هؤلاء الأوروبيين المسلمين ترنحوا تحت ضربات رصاص وقنابل عسكر البلقان الأوروبيين في حملات التطهير العرقي التي شنتها الجحافل البلقانية الأوروبية، وما من شك في أن كلمة «بلقان» لا تعفي أوروبا على الإطلاق من الجرائم البشعة التي راح ضحيتها الأوروبيون المسلمون قتلًا وتشريدًا من ديارهم.

• قد نجد من يقول إن الذي قام بالقتل هم الجنود الصرب لا الأوروبيون؟

 الجيوش الصربية إنما هي جيوش أوروبية، لا لكونها تؤكد أنها «تحمي أوروبا من الوجود الإسلامي» فحسب، بل أيضًا لكون تلك الجيوش لم توقف عند حدها في الوقت المناسب، وبسبب أوروبا التي «كانت» متهاونة، وبسبب أوروبا المترددة الآن وبسبب أوروبا المتشككة التي ترتاب في سكانها المسلمين الأصليين، تنظر الأجيال الحاضرة من المسلمين إلى القرن الجديد بعيون دامعة.

• لماذا ينظر إليكم كمنشقين في أوروبا؟

قبل كل شيء بسبب إسلامنا الإسلام كدين والإسلام كثقافة والإسلام كنظرة فلسفية خاصة للعالم، أو الإسلام كعادة، والإسلام كتراث شعبي وموروثات بل وحتى الإسلام كصدى بعيد خافت لا يكاد يلاحظه أحد، لأمر ما آخر مختلف بالنسبة لأوروبا ولأن الإسلام هو مصدر انشقاقنا، فإنهم ينظرون إلى صفتنا الإسلامية من المنظور الأوروبي وكأننا نسبح في عناد عكس التيار.

• هل لهذه الأسباب وضعوكم تحت رقابة حلف شمال الأطلسي باسم حفظ السلام، بينما الأمر أكبر من ذلك؟

من هنا تأتي نظريات تعيين الأوصياء والمرشدين للأوروبيين المسلمين، وتنطلق تلك النظريات من الافتراض بأن الأوروبي المسلم هو مركب من عناصر متباينة من التفكير شيء أشبه «بالماء والجفاف»، والحديد الخشب... إلخ.

• لكن ما المخرج؟ هل هنالك من صيغة لبقاء كريم؟

إننا سنبقى ما دمنا نفكر في البقاء، وبمنظور دنيوي بحت، وينعكس ذلك الفرج المنتظر اليوم في الدولة. فالدولة اليوم في أوروبا هي التي تحمي وهي التي تدافع عن الحق وهي التي تكفل البقاء والدولة هي التي تمول المؤسسات الرئيسة، وهي التي تضمن بقاء الدين نفسه، والدولة تتحدث باسم الناس والشعب! ومن ثم فإن الدولة بالنسبة إلينا في هذه الأزمنة هي الأولوية الأساسية، إنها الأولوية التي ستحمي جميع أولوياتنا الروحية والثقافية الأخرى، ولكن جنبًا إلى جنب مع الدولة تقف التربية؛ لأن المعرفة الحقيقية تمكن المرء من القوة والكرامة، فالدولة والتربية ستحفظان ذاتيتنا الأوروبية المسلمة وستعبران عنها وتبنيانها بوضوح!

• يُقال إن النصوص الموسوعية تقدم -عادة- الإجابات الموضوعية عن كل شيء، فهل هذا صحيح وما رأيكم فيما ذكرت الموسوعة البريطانية مثلاً عن شعب البوشناق؟

نود أن نضع علامة استفاهم كبيرة أمام هذه المناعة والموضوعية التي تكتسبها الأعمال الموسوعية بما في ذلك الموسوعة البريطانية المكونة من مجلدات عدة الصادرة في صيف 1998م، أو بالأحرى على تلك المحتويات من الموسوعة التي تتعلق بالبوسنة وكتبت منذ سنة 1992م، فقد تعثرت الموسوعة البريطانية الشهيرة بصورة مخجلة عند مادة البوسنة والهرسك والكثير من المواد الأخرى ذات الصلة بهذا البلد.

• هل يمكن أن توضح لنا أكثر؟

في آخر طبعة لها نجد أن الموسوعة البريطانية تتحدث عن البوسنة تحت العنوان الجانبي الجغرافيا الطبيعية والبشرية الذي يتحدث عن الصفات المميزة الرئيسة لأرض وسكان البوسنة والهرسك لا يوجد -هكذا ببساطة- شعب البوشناق، أكبر شعوب البوسنة والهرسك عددًا، ومع أن اتفاقية دايتون وقبلها اتفاقيتا واشنطن وفيينا تذكران البوشناق كواحد من شعوب البوسنة والهرسك تكرر الموسوعة البريطانية بصورة دائبة اسمنا اللاتاريخي واللاقومي «المسلمين» كما تفعل هيئة الإذاعة البريطانية، وبالطبع فإن الإصرار الإعلامي الموسوعي لزمن طويل على استعمال تسمية المسلمين يأتي من جراء الإصرار على إظهار المسلمين كمجموعة دينية، ليس لها حق تاريخي أو انتماء وطني لهذه المنطقة من أوروبا.

• ما الفرق بين مجموعة دينية وشعب من الناحية الثقافية وككيان له جميع الحقوق التاريخية والسياسية؟

الفرق كبير؛ لأنه إذا كان البوشناق هم المسلمين -بمعنى أنهم مجموعة دينية، فإن لهم حقوقًا دينية فقط إنهم لا يسمون البوشناق باسمهم القومي؛ لأن هذا الشعب لا وجود له في المخططات الجارية لدى الدوائر التي تصاغ فيها أيديولوجية الموسوعة البريطانية، ولا دولة له، ومن ثم لا وجود له على خريطة أوروبا في المستقبل، لقد طرد نظام بلجراد وأيديولوجية الأكاديميين الصرب البوشناق من مدنهم وقراهم، وها هي الموسوعة البريطانية تطردهم من صفحاتها، والموسوعة البريطانية بالطبع لا تسمينا بالأتراك، فذلك أمر يفوق الحدود بالنسبة لهذا المؤلف، بل تسمينا بالمسلمين الذين يعود أصلهم إلى السلاف الذين اعتنقوا الإسلام (نورد ذلك بالنص: المسلمون ينحدرون من السلاف الذين اعتنقوا الإسلام(..

) (The muslims ar descended from Slavs who Converted to Islam

أما كوننا سلاف، فذلك صحيح، ولكن لماذا لا تقول الموسوعة البريطانية الأشياء الصحيحة الأخرى أيضًا، لماذا لا تقول الجملة التالية مثلًا: الأرثوذكس ينحدرون من السلاف الذين اعتنقوا المسيحية.

The Orthodox Dosended from Slavs who Converted to Christianity

إن الموسوعة البريطانية لا تقول شيئًا من هذا القبيل؛ لأن الأيديولوجية المفروضة عليها تحمل طابع الإبادة تجاه البوشناق، وتملي عليها تحت عنوان البوسنة، أن تعامل مسلمي البوسنة والهرسك وحدهم معاملة دينية، وبتسمية دينية فهذه المعاملة برمتها تتميز بطابع تحريضي لا يصدق، ومع أن أولئك المسلمين هم نوع من السلاف فهم مهما يكن من أمر وتحسبًا للأمور مجموعة دينية اهتدت إلى الإسلام بالتحديد، وبإبراز أولئك السلاف من البوسنة الذين اعتنقوا الإسلام فقط دون ذكر اعتناق الكاثوليكية والأرثوذكسية، إنما يوحون لقراء هذا السفر بصورة ماكرة جدًّا أن المسلمين خونة وجسم غريب في البوسنة والهرسك، وهكذا دواليك.

• معنى ذلك أنكم تتهمون الموسوعة البريطانية بسوء النية، والانحياز للجانب الصربي؟

إن غياب تسمية البوشناق كما يبدو لا يشرف هذه الموسوعة إطلاقًا، والواقع أن البوشناق يعاملون على صفحات الموسوعة البريطانية تمامًا كما تعاملهم وثائق مذكرة أكاديمية العلوم والفنون في صربيا؛ ففي كل سطر تحس بالروح نفسها، والمشروع نفسه والخطورة نفسها، حين يتعلق الأمر بالمادة الخاصة بالبوسنة والهرسك، كثيرًا ما تتردد، فقد جاء في ختام تلك المادة عن البوسنة والهرسك في الموسوعة البريطانية عبارة «الحرب الأهلية» Civil war «إن البوسنة والهرسك اجتاحتها الحرب الأهلية التي قام فيها كل شعب بتطهير المناطق التي استولى عليها من جميع السكان الذين لا ينتمون إليه، فقد استولى الصرب على الجزء الأكبر من الشمال والشرق واستولى الكروات على الغرب، بينما احتفظ المسلمون بالمدن في الوسط والشمال الغربي».

وتتكرر عبارة «الحرب الأهلية» مرات عدة بطريقة غادرة تفوق حد التصور، وهي تذكرها وكأنها قوة رعناء اندفعت من مكان ما إلى البوسنة وهي المسؤولة، ولا أحد غيرها له اسم ولقب عن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في البوسنة والشيء نفسه بالضبط مع التعبير الشهير عن شيء كريه – تعبير (التطهير العرقي)، كأن الكارثة التي تسمى «التطهير العرقي»، قد حدثت من لا شيء. فليس هنالك ذكر لمفكري ومصممي ومنفذي الإبادة ضد البوشناق في البوسنة والهرسك.

• ماذا نقرأ من هذا مباشرة؟

نقرأ قبل كل شيء فرض مخطط المسؤولية المتساوية في هذه الحرب الأهلية المزعومة.

والشيء الثاني الذي نشهده هو هذا السخف المتعجرف القائل إن الجميع في البوسنة والهرسك مارسوا التطهير العرقي! حقًّا لقد تعدت الموسوعة البريطانية بمجلداتها الضخمة الفاخرة كل الحدود كأنما المؤلفون في دائرة المعارف البريطانية لا يعرفون مجلس الأمن الدولي، كأنهم لم يسمعوا مجرد السمع بمؤتمر لندن حول البوسنة، وكأنهم لم يقرؤوا أي وثيقة من الوثائق التي أصدرتها الدول الغربية «حيث ظهرت هذه الموسوعة» حول البوسنة والهرسك إبان العدوان ولم يحدث أن سمي العدوان على البوسنة بالحرب الأهلية في أي وثيقة من وثائق مجلس الأمن الدولي.

• كيف لهذه الموسوعة أن تقدم في المادة المتعلقة بمحكمة لاهاي تفسيرًا لكل ذلك العدد من المجرمين بأسماء وألقاب صربية؟!

الحقيقة أنه تظهر اليوم عن البوسنة نصوص موسوعية لا عقلانية ومناقضة حتى في نظر الطفل، ناهيك عن كونها هجومًا فظًّا على العقل، وذلك في بلد علماء المنطق والفلسفة من أمثال جون لوك، وديفيد هيوم، وبرتراند رسل.

ولا يمكننا أن نصدق ما نرى على صفحات هذه الموسوعة المرموقة من سيناريو كان خير من وصفه جورج أورويل في كتابه بعنوان الأخ الأكبر (العام 1984): أن بوسع الشقيق الكبير أن يفعل كل شيء، وخاصة أن يغير ما حدث أي التاريخ، يمكنه أن يغير حتى التاريخ القريب حتى لو كان الجميع. الجميع بمعنى الكلمة بين أقوى أقوياء هذا العالم من أهل القرار، قد شاهدوا ودونوا كل ما حدث فعلاً في البوسنة.

إننا نرى التأثير الفعلي لأيديولوجية الشقيق الكبير على سياسة تحرير الموسوعة البريطانية من خلال عدد كبير من الأمثلة، فقد جاء في المادة التي تتحدث عن بانيالوكا، المكتوبة سنة 1994: إن هنالك جوامع تركية كثيرة وخاصة جامع فرهاديا الجميل.

• لماذا لا يقال عن الكنائس التي بنتها النمسا إنها كنائس نمساوية، وأن جميع الكنائس في سراييفو بنيت بعد وقوعها تحت الاحتلال النمساوي والصربي، وبعده العهد اليوغسلافي، وكيف تستخف موسوعة تحظى بهالة كبيرة بعقول الناس ضحايا المعلومات المزيفة؟

إنها لسخرية كبرى «لا تصدق»، تمارس أمامنا، فقبل كل شيء -ومما يأسف له كل من يحب الجمال وكل من يؤمن بالأديان وخاصة المسلمين- لم يكن جامع فرهاديا الجميل موجودًا في بانيالوكا سنة ١٩٩٤م. فقد هدم قبل ذلك بوقت طويل، ومكانه الآن ساحة لا يقوم عليها شيء. ثانيًا، الجوامع السابقة في «بانيالوكا» ليست تركية على الإطلاق بل هي دور عبادة للمسلمين، جوامع للمسلمين.

والخطأ الثاني الذي ترتكبه هذه الموسوعة في هذا الموضع هو ادعاؤها تقسيم البوسنة والهرسك، ولا تكترث الموسوعة لكون اتفاقية دايتون حول البوسنة تنص على أن البوسنة دولة، ومن ثم بلد واحد، بل تردد ببرود وعناد عبارة تقسيم البوسنة والهرسك.

• هل تعتقدون أن القائمين على الموسوعة البريطانية، سيغيرون مواقفهم، ويصححون أخطاءهم، أم تنتظرون تحرك القراء والمفكرين والمؤرخين الأحرار؟

ماذا نقول في النهاية، إن جورج أورول يقول: إن الشقيق الكبير كثيرًا ما يعلن شعارات «الحب كراهية» و«الحقيقة كذب» و«الحرب سلام»، وليس من الصعب أن نتصور أي أشياء مظلمة لا تزال في انتظارنا، لو استمرت الموسوعة البريطانية، كوصية للشقيق الكبير في مثل هذا التبديل للتاريخ! إن من يكتب عن البوسنة والهرسك بهذه الطريقة، إنما يسير وفق منطق «المجرمون أبطال» و«الضحايا مذنبون»، و«المدينة التي استولي عليها ضمت».. إلخ.

لقد كان جلال الدين الرومي يقول: إن المفكر الذي لا خلاق له، مخلوق جد خطر. فمعرفته لا يتطرق إليها الشك، لكنها أشبه بالشمعة في يد اللص الذي سيسرق ويزور المزيد في ضوئها!.

• ما المغزى من وجهة نظركم من إطلاق صفة صراع الحضارات على المذبحة في البوسنة والهرسك؟

إنني أرى أن القصد الحقيقي من الحكاية التي تتناقلها وسائل الإعلام حول البوسنة والبلقان كبرميل بارود، أو كساحة لصراع الحضارات ليس ظاهرًا على السطح. الهدف الرئيس لتلك الحكاية هو العفو بطريق غير مباشر عن المسؤولية الشخصية لجرائم الإبادة التي ارتكبت في البوسنة والهرسك ضد المسلمين. ومثيرو وأبطال فكرة القالب الواحد المتكرر للبوسنة والبلقان، إنما يريدون أن يثبتوا أن المذنبين في البلقان ليسوا أشخاصًا مثل ميلوسوفيتش وكاراذيتش وملاديتش وتوجمان، ونصراء هذه المقولة إنما يصفحون بذلك عن ميلوسوفيتش وشركائه في الجرم، بينما يلقون باللائمة على صراع الحضارات المجرد، هكذا ببساطة، ويضيفون إليه الكراهية، التي تسود فيما بين شعوب البلقان منذ قرون عدة.

• كيف تقيمون الدمار الذي حل بالبوسنة والهرسك؟

يعيش مسلمو البلقان بعد تدخل حلف الناتو سنة 1995 في البوسنة وسنة 1999م في كوسوفا على مفترق الطرق بين البلقان وأوروبا، ولا شك أن الدمار امتد إلى الكثير من أجزاء البوسنة التقليدية كما لحق الدمار بالكثير من أجزاء البلقان.

ومهما استبد بنا الحنين إلى البوسنة التي كانت قبل الحرب، فإنها لن تعود، وعلينا أن نتعامل مع الواقع ونتطلع إلى المستقبل.

الرابط المختصر :