; مستقبل كابل: كتاب جديد تنفرد المجتمع بنشره قبل الطبع | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل كابل: كتاب جديد تنفرد المجتمع بنشره قبل الطبع

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990

مشاهدات 49

نشر في العدد 974

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 17-يوليو-1990

كافة حقوق الطبع والنقل والاقتباس والترجمة محفوظة لدار الوفاء للطباعة والنشر - مصر.

إن مستقبل كابل هو مستقبل أفغانستان، وإن الذي يحكم قبضته على كابل هو الذي سيتحكم في مستقبل أفغانستان السياسي.

الحلقة الرابعة

الفصل الثاني

أوضاع نظام كابل «3»

الأوضاع العسكرية الجزء الثاني


2 - الصراع بين أجنحة الجيش

ليس الصراع بين جناحي الحزب الشيوعي الحاكم في كابل «خلق وبرچم» وليد هذه الأيام، بل هو صراع قديم أساسه الاختلاف العرقي بين جناحي الحزب، فمؤسس جناح خلق نور محمد تراقي كان أغلب الشيوعيين الملتفين حوله ممن يتكلمون لغة البشتو، أما بابراك كارميل مؤسس جناح برچم فكان أغلب الشيوعيين الملتفين حوله يتكلمون اللغة الفارسية، وذلك علاوة على بعض العوامل الأخرى التي من أهمها اختلاف وجهة نظر جناحي الحزب حول التدخل السوفيتي في أفغانستان. (1) ومع مرور الوقت زادت حدة الصراع بين جناحي الحزب حتى وصلت إلى قيام الجناح الذي تكون بيده السلطة باعتقال أعضاء الجناح الآخر البارزين وإيداعهم السجون، بل وتصفيتهم تصفية جسدية أحيانًا، وقد شهدت السنوات الاثنتا عشرة الماضية صورًا كثيرة من هذه الأحداث، ورغم سعي د. نجيب رئيس النظام الحالي إلى القيام بمحاولة صلح بين جناحي الحزب الحاكم الذي يترأس هو فيه جناح «برچم» فقام بتعيين بعض أعضاء جناح «خلق» في بعض الوظائف بعد الإفراج عنهم من السجون، مثل محمود بريالي شقيق بابراك كارميل، إلا أن تصاعد حدة الصراع بين جناحي الحزب قد فرق هذه المحاولات، خاصة بعد اتهام وزير الدفاع الأفغاني شاه نواز تاناي زعيم جناح «خلق» بأنه قد دبر عدة محاولات انقلابية ضد نظام نجيب، كان آخرها تلك المحاولة التي تمت في أوائل ديسمبر 1989 (2)، وقيل إن الحزب الإسلامي كان على علاقة بالقائمين عليها، وكثيرًا ما تصل حدة الصراع بين الأجنحة المختلفة داخل كابل إلى اشتباكات دموية. وقد أشارت تقارير صحفية عديدة في الفترة الأخيرة إلى تصاعد حدة الصراع بين جناحي الحزب الحاكم داخل العاصمة كابل، ففي أوائل سبتمبر 1989 أشارت بعض التقارير إلى زيادة حدة الصراع بين جناحي الحزب الحاكم داخل كابل خاصة بعدما تعرض شاه نواز تاناي وزير الدفاع ورئيس جناح «خلق» لمحاولة اغتيال على يد أحد حراسه، واتهم جناح «برچم» بتدبير هذه المحاولة. وقد أشارت المصادر الصحفية أيضًا في هذا الوقت إلى زيادة حدة الصراع بين وزير الدفاع ورئيس جناح «خلق» وبين وزير الأمن الوطني فاروق يعقوبي وهو «برچمي»، وأن اهتزاز موقف وزير الأمن الوطني بعد انضمام أحد رجاله وهو الجنرال «ظريف» مسؤول أمن القصر الجمهوري للمجاهدين قد زاد من حدة الضغوط عليه. وقد ذكرت مصادر أخرى وأكده لي المجاهدون المقيمون حول كابل من أنهم يلاحظون أحيانًا قيام راجمات الصواريخ التابعة لبعض الأجنحة العسكرية داخل كابل، والمكلفة بقصف مواقع المجاهدين، والتي يسهل رصدها بسهولة من التلال المحيطة بالعاصمة كابل، يلاحظ قيام هذه الراجمات بقصف بعض المواقع لأجنحة أخرى تتصارع معها، وذلك تحت غطاء قصف المجاهدين للعاصمة، كما ذكرت «ميديا» في تقرير لها نشر يوم 10 ديسمبر 1989 «بأن اشتباكات عنيفة وقعت داخل العاصمة كابل يوم الأربعاء 6 ديسمبر 1989 بين الميليشيات التابعة للعميل رشيد دوستم، ومدراء ورجال أمن الضواحي الأولى والثانية والثالثة التي تتبع بلدية العاصمة كابل. وقد استخدم الجانبان في هذه الاشتباكات المصفحات والرشاشات الثقيلة، مما أدى إلى مصرع مديري الضاحيتين الأولى والثالثة، وقتل وجرح عشرات من المارة على أرصفة شوارع هذه الضواحي، فضلًا عن اندلاع النيران، وإغلاق الطرق بين ضواحي «سراي شهزاده» و«سراي بنجاره» و«كوتشه مندهي»، كما حدثت كثير من عمليات النهب والسرقة، ولا سيما للمحلات التجارية الواقعة حول تذكار الجندي المجهول في قلب العاصمة كابل». ويضيف التقرير بأن السلطات الحزبية قد وقفت إلى جانب ميليشيات العميل رشيد دوستم الذي يلعب بورقة خطرة ضد المجاهدين في كل من «سالانج» و«قندهار» و«جلال آباد». واستمرارًا لمسلسل الصراع الدموي بين جناحي الحزب الشيوعي الحاكم في كابل، فقد ذكر «عبد الحق» أحد قادة المجاهدين الانتقالية في مقابلة صحفية له نشرت يوم 12 يناير 1990 في جريدة الشرق الأوسط بأن وفدًا سوفيتيًا مكونًا من 11 شخصية وصل إلى كابل مؤخرًا، وجمع رئيس النظام د. نجيب مع وزير الدفاع شاه نواز تاناي وذلك في مقر السفارة السوفيتية في كابل للإصلاح فيما بينهما، لكن وزير الدفاع فوجئ بانتشار حرس «نجيب» حول السفارة مما أثار الشكوك في نفسه بأن هناك محاولة لاغتياله، وقد فشل الوفد في الوصول إلى اتفاق نهائي فيما بينهما. والجدير بالذكر أن وزير الدفاع قد وضع شروطًا للاتفاق مع نجيب معظمها تتعلق بالنواحي المتعلقة بأحقية وزير الدفاع في ترقية الضباط وإقالتهم، وأن وزير الدفاع مستاء للغاية من إقدام نجيب على إقالة بعض الضباط المقربين منه والذين ينتمون إلى جناح «خلق» بضباط آخرين ينتمون إلى جناح «برچم». وقد أكد قلب الدين حكمتيار أمير الحزب الإسلامي في كلمته التي ألقاها في جمع غفير من المهاجرين والمجاهدين في أحد ضواحي بيشاور بمناسبة الذكرى العاشرة للتدخل السوفيتي في أفغانستان، وكان ذلك يوم 27 ديسمبر 1989 على وجود خلافات شديدة بين كل من د. نجيب رئيس جناح «برچم» و«شاه نواز تاناي» وزير الدفاع ورئيس جناح «خلق»؛ بسبب خوف نجيب المتزايد من قيام انقلاب عسكري ضده من قبل الجيش. وقد أدى هذا إلى قيام نجيب باعتقال ثلاثة جنرالات وكولونيل، واتهامهم بالسعي لعمل انقلاب عسكري ضده في أوائل ديسمبر 1989، وأضاف حكمتيار بأن قيام نجيب من آن لآخر باعتقال وإبعاد كبار الضباط في الجيش قد أدخله في مشاكل مع وزير دفاعه شاه نواز تاناي الذي اعترض على هذا الأسلوب الذي يشكك دائمًا في رجاله. وقد أدى هذا إلى وصول لجنة مصالحة سوفيتية مؤخرًا إلى كابل في محاولة لإعادة الثقة بين الرجلين. وقد أشارت مصادر أخرى بأن «أسلم وطنجار» وزير الداخلية في حكومة كابل وأحد المقربين من نجيب قد اقترح عليه إبعاد شاه نواز تاناي إلى موسكو أو إلى إحدى الدول الأخرى كما يفعل دائمًا بالمشاغبين من أعضاء جناح «خلق» مثل الفريق سيد محمد جلاب رئيس جناح خلق ووزير الداخلية السابق الذي عينه نجيب سفيرًا في موسكو، إلا أنه يبدو أن موسكو ربما لا توافق على هذه الخطوة، في ظل الشائعات التي تتردد عن سعي موسكو لعمل انقلاب عسكري بقيادة شاه نواز تاناي وزير الدفاع كعملية استبدال لوجه نجيب، والسعي لدى المجاهدين لقبول المصالحة الوطنية.

ومع استمرار مسلسل الصراع بين خلق وبرچم فقد ذكرت «ميديا» في تقرير لها نشر يوم 14 يناير 1990 نقلًا عن مراسلها في كابل بأن أنصار جناح «برچم» الذي يتزعمه نجيب رئيس النظام قد قاموا بحملة تمشيط واسعة النطاق ضد أفراد جناح «خلق» الذي يرأسه وزير الدفاع حيث تم خلال النصف الأول من يناير 1990 إعلان حالة الطوارئ بخصوص ضباط الجيش في العاصمة، كما تم اعتقال الجنرال عبد الفتاح قائد القوات الجوية والجنرال يوسف أمين رئيس قسم الكشف بالقوات الجوية وذلك بتهمة الاتصال بالمجاهدين، ومحاولة قلب نظام الحكم، وكلا الجنرالين ينتميان إلى جناح «خلق»، كما أقيل بعض الضباط الآخرين الذين ينتمون لنفس الجناح مثل الجنرال «آصف شور» قائد فرقة قندهار العسكرية، واللواء الركن «قيام الدين» قائد القوات الحدودية رقم (10) التي تضم الشيوعيين التابعين لولاية كنر في جلال آباد. وقد أضاف التقرير بأن بعض هؤلاء قد تعرضوا لتعذيب شديد نقل بعضهم على إثره إلى مستشفى كابل العسكري للعلاج، وقد أدى هذا إلى زيادة حدة التوتر بين جناحي الحزب الذي ربما ينذر بانفجار قريب، وتغيير في أوضاع النظام.


3 - الإمداد والوجود السوفيتي

فنظام كابل العسكري لا يستطيع أن يواصل بقاءه إذا انقطع عنه الدعم السوفيتي أسبوعًا كاملًا، وقد ذكرنا قبل ذلك صورة للكيفية التي يعيش بها الناس في مدينة محاصرة يزيد عدد سكانها عن مليونين، كما ذكرنا أعدادًا تقريبية للوجود العسكري لقوى النظام المختلفة التي تستهلك النسبة العالية من الإمدادات التي تتنوع بين الإمدادات العسكرية والتموينية، والتي أشارت تقارير ومصادر عديدة إلى أنها تتراوح بين ثلاثمائة وأربعمائة مليون دولار في الشهر الواحد، وقد أكد ذلك بعض أعمدة النظام السابقين مثل الجنرال محمد ظريف، والبروفيسور عزيز الله سادات. كما أكدت هذه المصادر بأن هذه الإمدادات يصل أغلبها عن طريق الجو، بعد فشل السوفيت مرارًا في إدخال قوافل برية عن طريق «ممر سالانج» الشهير، حيث تتعرض القوافل للإبادة على طول هذا الطريق الخطير «400 كم» قبل أن تصل إلى كابل كذلك أكدت كثير من المصادر أن عدد الرحلات الجوية للإمداد بين كابل والمطارات السوفيتية الحدودية تصل إلى أربعين رحلة يوميًا، تستخدم فيها طائرات «اليوشن 76»، وطائرات «الانتينوف 26». أما ما تحمله هذه الطائرات فهو كما أشرنا من قبل ينقسم إلى معدات عسكرية وذخيرة ومواد تموينية، أما المعدات العسكرية والذخيرة فمن أهمها صواريخ «سكود» وصواريخ «أورال» شديدة الفاعلية، ويتراوح مدى النوعين بين (80 إلى 480) كيلو مترًا بأنواعهما المختلفة، وأذكر أني حينما كنت أرقب «دار الأمان» حيث يوجد مركز إطلاق صواريخ «سكود»، وقد شاهدت إطلاقها خلال رحلتي أكثر من عشر مرات، أذكر أني لم أرهم يطلقون أقل من صاروخين أو ثلاثة صواريخ في المرة الواحدة. وقد ذكر في المجاهدون الذين تشرف مواقعهم على العاصمة كابل بأن النظام يطلق أحيانًا ما يزيد على ثلاثين صاروخًا في اليوم الواحد على مواقع المجاهدين في مختلف أنحاء أفغانستان، ولنا أن نتصور تكاليف هذه الصواريخ، وذلك إذا علمنا أن قيمة الصاروخ الواحد تصل إلى مليون دولار.

أما عن الوجود السوفيتي داخل كابل في هذا الوقت -أي بعد عام من إعلان السوفيت عن خروجهم الكامل من أفغانستان- هذا الوجود لا يمكن حصره أو تحديده بدقة؛ وذلك بسبب الرحلات اليومية المكثفة بين كابل والاتحاد السوفيتي، والتي يصعب من خلالها تحديد نسبة معينة أو عدد معين لوجود السوفيت في كابل، حيث يمكن زيادة الأعداد أو تقليلها خلال رحلات جوية محدودة، إلا أن البروفيسور سياف رئيس حكومة المجاهدين قد أشار في مؤتمر صحفي عقده في بيشاور يوم 3 ديسمبر 1989 بأن عدد المستشارين السوفيت داخل كابل حوالي (300) مستشار معظمهم من العسكريين. وقد أشار الجنرال ظريف مسؤول أمن القصر الجمهوري السابق والذي أشرنا إلى جزء من كلامه من قبل إلى أن أمن القصر الجمهوري في كابل يعمل به بعض المستشارين السوفيت إلا أنه لا يعرف عددهم الكلي في كابل، وهناك تقارير أخرى عديدة قد ذكرت بأن عدد هؤلاء المستشارين حوالي (300) مستشار، وأنهم يسعون لتدريب ما لا يقل عن (500) ضابط أفغاني للقيام ببعض المهام الصعبة الموكلة لهؤلاء.

أما أماكن تواجد هؤلاء المستشارين فهو في الأماكن العسكرية الهامة داخل العاصمة التي أشرنا إليها من قبل، مثل: المطار، ودار الأمان، والقصر الجمهوري، والسفارة السوفيتية. وقد ذكرت هذه التقارير بأن السوفيت يسعون الآن بجد لتقليل عدد هؤلاء المستشارين نتيجة الإصابات المستمرة التي يتعرضون لها من خلال قصف المجاهدين لمواقعهم، كما أن بعض هؤلاء قد تعرضوا لمحاولات اغتيال من قبل بعض عناصر الجيش التي تشعر بعقدة الذنب حيال دخول هؤلاء إلى بلادهم.


4 - ارتباط الضباط بالمجاهدين

إن ظروف حرب التحرير والجهاد في أفغانستان قد أوجدت علاقات بين ضباط وجنود الجيش العميل والمجاهدين، تؤكد عليها قرائن ودلالات لا مجال لذكرها هنا، ويكفي أن أذكر أن القائد «بلال نيرام» أحد قادة المجاهدين حول كابل قد أخبرني حينما التقيت به بأن أحد الجنرالات قد جاءه متخفيًا عن طريق أحد الوسطاء، وأمده بمعلومات وافية عن التجمعات العسكرية للنظام داخل كابل، ثم طلب منه مساعدته في عملية فراره بأسرته إلى باكستان، وكان ذلك قبل لقائي به بأيام قليلة. ولعل قرب المسافة بين مواقع المجاهدين ومواقع قوات النظام حول كابل تسهل هذه الأمور؛ إذ إنها تتراوح بين (700) متر وأربعة كيلومترات في بعض المناطق، بل إني كنت أرى بالعين المجردة جنود النظام وهم يتحركون في مواقعهم خاصة من موقع العقيد محمد نعيم الذي لا يبعد عن مركز «بجك» التابع للنظام أكثر من (700) متر. وهذه العلاقات عادة ما تتبعها النقطة التي تليها وهي الفرار والانضمام للمجاهدين.


5 - الفرار والانضمام للمجاهدين

فالكثير من الضباط والجنود المرتبطين بالمجاهدين حينما يشعرون بالخطر فإنهم يسرعون بالفرار إلى المجاهدين، ولعل من آخر هذه الحوادث هو فرار (27) ضابطًا تابعين لنظام كابل في أوائل يناير 1990، وانضمامهم للحزب الإسلامي. وقد تحدثوا في مؤتمر صحفي عقدوه في إسلام آباد في 7 يناير 1990 ذكروا فيه أنهم كانوا على علاقة بالحزب الإسلامي منذ عام 1985 وأنهم كانوا ضمن الضباط الذين قاموا بانقلاب أوائل ديسمبر 1989 الذي فشل ولم ينجح، وأن رتبهم العسكرية تتراوح بين الملازم أول والعميد، وأن بينهم ثلاثة من الطيارين. ومنذ خروج السوفيت من أفغانستان حتى الآن وعمليات الفرار والهروب والانضمام للمجاهدين من قبل الجنود والضباط والميليشيات مستمرة، ولا يمر يوم تقريبًا دون أن يشهد انضمام بعض الجنود أو الضباط أو أفراد الميليشيا للمجاهدين، وبعض هؤلاء يسعون لتسليم مراكزهم كاملة بكل ما فيها للمجاهدين، وقد حضرت إحدى عمليات التسليم التي لم يكتب لها النجاح بعد انتظارنا للإشارة أكثر من خمس ساعات، إلا أن الظروف لم تساعد الجنود الذين كانوا على ارتباط مسبق بالمجاهدين من التسليم في هذه الليلة، وكان دليلنا في هذه العملية هو أحد جنود المركز الذي أخذ إجازة قصيرة حتى يرشد المجاهدين إلى مكان المركز بالضبط؛ حيث كان يقع في أحد أطراف كابل، بين مراكز عديدة، بل إن بعض الجنود أو الضباط يقومون بالاتفاق مع المجاهدين على أن يبيعوا لهم المركز بكل جنوده وضباطه نظير مبلغ من المال، أو نظير مساعدته على الهروب بسلام إلى باكستان. وقد روى لي القادة الميدانيون حول كابل كثيرًا من هذه الحوادث التي أكدتها لي أطراف مختلفة. وقد نشرت وكالة الأنباء الباكستانية تقريرًا مفصلًا في أواخر ديسمبر 1989 نقلًا عن مصادر عسكرية في كابل بأنه قد انضم للمجاهدين في خلال الشهور الستة الأخيرة سبعة من كبار الجنرالات في جيش كابل، كما أشارت تقارير صحفية مختلفة إلى أن عددًا من جنود نظام كابل الذين انضموا للمجاهدين منذ الخروج السوفيتي وحتى أوائل فبراير 1990 قد زادوا عن عشرة آلاف جندي وضابط.


6 - أكذوبة الأحزمة الأمنية

لقد أعلن نظام كابل أكثر من مرة أن الأحزمة الأمنية حول العاصمة كابل يتراوح مداها بين (30 و 60) كيلو مترًا، وهذه أكذوبة لمستها بنفسي حينما رأيت في بعض المناطق أنه لا يوجد ما يسمى بالأحزمة الأمنية، وإنما هو حزام واحد في معظم المناطق، ومناطق أخرى فيها حزام إضافي ممزق من قبل المجاهدين في معظمه، كما أن معظم المراكز التي تتشكل منها هذه الأحزمة محاطة بالألغام من كافة الجوانب إلا من الطريق التي تأتيها الإمدادات من خلاله. والمجاهدون يتواجدون في معظم المناطق التي بها حزام أمان مثل بعض المناطق في «شكردرة»، و«بغمان»، و«تشاردهي» و«خرد كابل»، بل إن المجاهدين يستطيعون بسهولة أن يخترقوا الحزام الأمني الرئيسي للعاصمة كابل تحت جنح الليل، وقد اخترقته معهم ذات ليلة، حيث مشينا تحت جنح الليل بين المراكز حتى أصبحنا خلف الفرقة الرابعة التي تشكل الحزام الأمني الرئيسي لكابل من جهة بغمان، ولم تكن بيننا وبين أضواء كابل ومبانيها إلا عدة مئات من الأمتار. وقد عرض علي أكثر من قائد أن يدخلني إلى العاصمة كابل تحت مسؤوليته، حيث يمكنني أن أتجول في بعض أحيائها، إلا إني اعتبرت هذه الفكرة مغامرة ربما تكون الأولى والأخيرة بالنسبة لي، إلا إنها أعطتني صورة واضحة عن مدى التمزق والاختراق الذي تتعرض له هذه الأحزمة الأمنية التي يتغنى بها النظام.


7 - مذبحة الجنرالات

فقد ذكر تقرير لوكالة الأنباء الباكستانية نشر في أواخر ديسمبر 1989 وقد أشرنا إليه من قبل إلى أن نظام كابل قد قتل منه عشرون جنرالًا على أيدي المجاهدين خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 1989، وأوضح التقرير أن معظم هؤلاء الجنرالات قد قتلوا في الفترة ما بين شهري سبتمبر ونوفمبر وبين هؤلاء الجنرال «خان بهادر» أحد خبراء صواريخ سكود، كما ذكر التقرير أن ثمانية جنرالات قد اعتقلوا في شهري يوليو وأغسطس 1989؛ بسبب الصراعات الحزبية داخل النظام، وأنهم قد أودعوا السجون. وقد أظهر هذا التقرير مع تقارير أخرى مدى ما يعانيه الجيش من خلخلة من جراء فقدان هذا العدد الكبير من القيادات العسكرية خلال أشهر معدودة ومدى تأثير هذا على معنويات القادة الآخرين والجنود.


8 - محاولات الانقلابات العسكرية المتكررة

فقد أشارت تقارير مختلفة إلى أن نظام كابل قد تعرض لما لا يقل عن خمس محاولات انقلاب عسكرية منذ خروج السوفيت وحتى الآن، ولم يكتب لأي من هذه المحاولات النجاح، وقد أشارت بعض التقارير إلى وجود علاقة للحزب الإسلامي «حكمتيار» بأكثر من محاولة من هذه المحاولات خاصة المحاولة الأخيرة التي كانت في ديسمبر 1989، وقد أكد هذا مساعد حكمتيار في تصريح له نشر في 21 يناير 1990، وهذه المحاولات المتكررة ليست إلا صورة تبرز مدى الصراع القائم بين أجنحة الجيش المختلفة، وتبرز أيضًا مدى قوة الأجهزة التي صنعها نجيب لحمايته مقارنة بأجهزة قوى الصراع الأخرى.


حقيقة هامة

هذه ليست سوى صورة موجزة للأوضاع العسكرية التي يعيشها نظام كابل في هذه الآونة، ولعلها تعكس واقعًا ممزقًا لقوى متصارعة، ينطبق عليها قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ (سورة الحشر: 14). وهذه القوى المتصارعة الغاية عندها تبرر الوسيلة، لذلك فهم يستخدمون فيما بينهم كافة أساليب الخسة والدناءة، بصورة تُسَوِّل لأحدهم التضحية بكل شيء طالما يستطيع ذلك لأجل الحفاظ على نفسه، كما أنه نظام متهاوٍ وبحاجة إلى قوة ضاربة تحمل عليه حملة واحدة في صُبْحِ يوم أبلج، فإذا نزل بساحتهم «فساء صباح المنذرين».

وبنظرة عامة وشاملة لأوضاع نظام كابل سواء كانت الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو العسكرية، نجد أننا أمام أطلال نظام يعيش محاصرًا في بقعة من البلاد لا تمثل مساحتها بالنسبة لمساحة أفغانستان إلا نسبة ضئيلة يعيش الناس عليها حياة غريبة، بين الجوع، والقصف والدمار، والحصار والخراب، والصراع والدماء، سجن كبير به ما يزيد على مليونين من السكان دمرتهم الشيوعية، وتركتهم كبقايا آدمية لا تعرف هدفًا تسعى إليه ولا كيانًا كريمًا تعتمد عليه، يعيشون عيشة هي أقسى من الموت. ومع ذلك فهذا الكيان الذي يقع داخل هذا السجن الكبير هو كيان له وجود دولي، وتمثيل دبلوماسي لدى عديد من الدول والأنظمة. فكيف يعيش هذا النظام رغم هذا التمزق والحصار؟ وكيف استطاع أن يحافظ على وجوده ولم ينهار رغم أنه كان يتوقع له الجميع الانهيار خلال أيام أو أسابيع أو أشهر قليلة بعد خروج السوفيت من أفغانستان في منتصف فبراير 1989؟! هذه التساؤلات الكثيرة وغيرها تطرح نفسها وسيطرحها كل مراقب لهذه الأحداث والتطورات، وسيسعى في البحث عن الإجابة عليها، وهذا ما سوف نحاول الإجابة عليه في الأعداد التالية، وبالله العون.

(الحلقة القادمة: لماذا لم يسقط نظام كابل؟)

(1) لمزيد من التفصيلات يمكنك مراجعة فصل «انقلاب مارس وأبعاد الصراع بين خلق وبرچم» في آخر هذا الكتاب.

(2) كُتِبَ هذا الكلام قبل المحاولة الانقلابية الأخيرة التي تمت في 6 مارس 1990.

 

 

الرابط المختصر :