; مستقبل مفاوضات السلام في مهب الريح.. والسبب جون جارانج | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل مفاوضات السلام في مهب الريح.. والسبب جون جارانج

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002

مشاهدات 68

نشر في العدد 1532

نشر في الصفحة 20

السبت 28-ديسمبر-2002

يبدو أن السلام الحقيقي الذي ينشده السودانيون لوضع حد نهائي لأطول حرب أهلية في إفريقيا «1955 - 2002م» لا يزال بعيد المنال.

لقد استبشر الجميع عند توقيع الحكومة وحركة التمرد الاتفاق الإطاري للسلام بتاريخ 20 يوليو الماضي في مشاكوس، ورحبت الحكومة أكثر المعارضين بالاتفاقية وتفاءلوا جميعًا بقرب نهاية المعاناة، ولكن لم ينتبه الجميع لما قاله الناطق باسم المتمردين حين قال عقب توقيع الاتفاقية: الشيطان في التفاصيل!

منذ ذلك التاريخ لاحظ المراقبون أن قادة الحركة بمن فيهم المتمرد جون جارانج يدلون بتصريحات ويأتون بأقوال ويتحركون تحركات تكشف نواياهم الحقيقية وأنهم ليسوا دعاة سلام وإنما دعاة حرب لتحقيق أهداف لا تمت لقضايا السودان بصلة ولا تصب في مصلحة السودانيين وبالأخص الجنوبيون الذين يدعي جارانج سعيه لتحريرهم من «الاستعمار الشمالي»!

لقد تعلمت الحركة من اليهود الذين يدربونهم عسكريًا وسياسيًا أسلوب «شيلوك» في قصة تاجر البندقية وتأهل جارانج جيدًا لذلك الدور وتطبع بطباع اليهود بعد أن اعتنق دين النصارى البروتستانت وتربى في أحضانهم سنين عددًا.

أهم ما تعلمه جارانج ورفقاؤه هو التكيف حسب الأحوال، وإجادة فن المناورات ونقض العهود والمواثيق وتبديل الأقوال والأفعال بين حين وآخر، لا سيما وأن الحركة ضمنت تمامًا الدعم الأمريكي اللامحدود لها ومن وراء أمريكا دول الصليب المتحالفة معها في الإيجاد وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ودعم اليمين الأصولي المكون من نصارى البروتستانت المؤمنين بالعهد القديم واليهود في الكونجرس الذي أصدر قانون «سلام السودان»، هذا القانون العجيب الذي يتوعد الحكومة بتحقيق السلام المطلوب خلال ستة أشهر وإلا.. فالعقوبات الصارمة.

أبلغ دليل على أن تصرفات الحركة لا تشجع المضي قدمًا نحو سلام حقيقي هو زيارة جارانج لمنطقة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان والتحدث لمؤتمر ضم بعض أبناء جبال النوبة الذين وقعوا في حبال التنصير.

في هذا المؤتمر ألقى جارانج خطابًا أكد فيه أنه لا يسعى السلام وذلك بوضعه شروطًا لا يقبلها أحد إلا إذا أراد استسلامًا كاملًا للحركة، فما هذه الشروط؟

قال جارانج إن حركته ملتزمة بالحل السلمي من خلال مفاوضاتها مع الحكومة عند استئنافها في يناير في كينيا برعاية الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر «إيجاد»، لكنه أضاف أن المفاوضات لا يمكن أن تسفر عن اتفاق سلام إلا إذا تمكنت من حل خمس قضايا هي:

1. قضية جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ومنطقة أبيي وسط ولاية كردفان، وهذه المناطق لا تقع ضمن حدود الولايات الجنوبية إطلاقًا، ويعتبر جارانج أن جبال النوبة جزءًا لا يتجزأ من حركته.

2. علمانية العاصمة القومية الخرطوم، أي عدم تطبيق الشريعة الإسلامية فيها مثل الولايات الجنوبية.

3. وجود جيشين منفصلين خلال الفترة الانتقالية التي مدتها ست سنوات أحدهما جيش الحكومة والوطن والآخر جيش حركة التمرد ليكون صنوًا وندًا لجيش السودان.

4. قضية الرئاسة.. كيف تكون؟

5. قضية توزيع الثروة: 40% من موارد النفط للجنوب فضلًا عن نسبة 80% من موارد السودان الأخرى وغير هذه المسائل مطالب أخرى تعجيزية واستفزازية كلها تخريب وتعويق لمفاوضات السلام، ومن تلك ما قام به جارانج من إنشاء بنك مركزي وإصدار عملة خاصة في المناطق التي يحتلها وربما خرج لنا باسم لدولته التي ينشدها وعلمها ونشيدها الخاص.

إن زيارة جارانج ومعاونيه لجبال النوبة هي الأولى والأخطر من نوعها لتأجيج الصراع العنصري والقبلي وتفتيت وحدة السودان، وإطالة الحرب.

لقد استغل جارانج واستثمر اتفاقية جبال النوبة التي تقضي بوقف إطلاق النار وحماية الأجنبي للمناطق التي تحتلها حركة التمرد وهي لا تتعدى الخمسة بالمائة، ليسارع جاراتج إلى هناك في وسط كردفان دون أن يخشى على حياته، أما قبل الاتفاقية فلم يفكر أبدًا في زيارة المنطقة لأنه يعرف جيدًا مصيره المحتوم هناك وسط الأغلبية الساحقة للمسلمين، ولكنه وجد الفرصة تحت حماية الوجود الأمريكي ليحدث أبناء جبال النوبة عن عزمه تكوين سودان جديد من حلفا إلى نمولي بأقصى الجنوب، وما السودان الجديد الذي يحلم به المتمرد جارانج إلا السودان الخالي من العرب والمسلمين، فهو في جلساته الخاصة يردد ما لقنه إياه أهل الصليب والنجمة السداسية وفحواه: فليخرج العرب من السودان كما خرجوا من الأندلس بعد خمسمائة عام.

ومن أقوال جارانج التي تجعلنا نجزم بأنه لا يسعى لسلام، ما قاله في جبال النوبة من أنه ملتزم بقضيتهم ولن يخذل أبناء النوبة الذين قاتلوا معه الشماليين ولن يصل إلى اتفاق مع الحكومة لقضيتهم، ومن أخطر ما خرج به المؤتمر أنهم استغلوا وجودهم تحت الحماية الدولية وفوضوا حركة التمرد التحدث والمفاوضة باسمهم، واتخذ المؤتمر قرارًا يقضي بحق تقرير المصير لجبال النوبة وعدم تحكيم الدستور والقوانين المعمول بها في الشمال ومعاملته كالجنوب!

وتلقى جارانج في هذا المؤتمر بيعة فيليب عباس غبوش وهو قسيس نصره الاستعمار إبان الاحتلال البريطاني للسودان وصار معاديًا للسودان، وحكم عليه الرئيس الأسبق جعفر نميري بالإعدام لقيادته حركة تمرد انفصالية ثم عفى عنه وفي عهد الأحزاب حوكم لاختلاســه ملايين الجنيهات ثم جاء في عهد الإنقاذ ليؤسس حزبًا انفصاليًا ومن المعلوم عنه أنه كان يزور الكيان الصهيوني دائمًا.

والغريب أن المتمرد جارانج وجه نداءً إلى القبائل العربية الموجودة في منطقة جنوب كردفان من حوازمة ومسيرية وشنابلة وفلاته وغيرهم باعتبارهم عنده أقلية يجب أن توفق أوضاعها وفق وضعه الجديد الذي يبتغيه ولكن الواقع أن منطقة جنوب كردفان منطقة تصاهر وتمازج وتواصل دون حواجز أو عوامل، وأن الجبال شهدت قيام دولة إسلامية في القرون السابقة هي دولة تقلى العباسية فالمنطقة لها إسهامات وافرة في المسيرة الوطنية والإسلامية ولولا السياسة البريطانية التي جعلت من جبال النوبة مناطق مقفلة للتنصير لما كانت هذه المشكلة.

ورغم أن اتفاقية جنيف لجبال النوبة قد فصلت قضية الجبال عن الجنوب إلا أن حركة التمرد ترید نسف جسور السلام خدمة للمخطط الصهيوني وأمريكا المتهودة.

وبعد الذي حدث ويحدث فإن السودانيين المخلصين من شماليين وجنوبيين باتوا لا يثقون في جون جارانج ويعتبرونه مجرد رئيس عصابة احترفت القتل والنهب والسلب بجيش من المرتزقة تمامًا كجيش الرب الأوغندي الذي تعتبره أمريكا منظمة إرهابية لأنها تحارب ضد النظام الأوغندي الذي ترضى عنه الولايات المتحدة في حين أن الإرهابي جارانج يتلقى كل الدعم والمساندة من أمريكا واليهود وكنائس أوروبا المتطرفة!

لقد تساءل المخلصون بقلق: ما جدوى الذهاب إلى واشنطن؟ لماذا نرسل وفد التفاوض إلى هناك استجابة لرغبة أمريكا التي لها تاريخ في مثل هذه الدعوات كدعوة السادات في كامب ديفيد وعرفات في واشنطن لتوقيع اتفاقيات الذل والعار هناك بضغط رهيب من الولايات المتحدة؟

السلام الأمريكي يريد نظامًا بديلًا للنظام الإسلامي القائم الآن، وأمريكا ليست محايدة بل هي منحازة كليًا وعلنًا للتمرد، ويخشى أن تكون دعوة الحكومة ومعارضيها - الحركة والتجمع - لإملاء شروط معدة سلفًا تخدم الخط المناهض للمشروع الإسلامي في السودان تمهيدًا لنصب «قرضاي» سوداني: وهناك احتمالات ثلاثة يراها الناس:

الأول: سلام أمريكي مذل.

الثاني: انفصال الجنوب عن الشمال.

الثالث: استمرار الحرب.

ويرى بعض الإسلاميين أن الاحتمال الأول لن يكون في وجود الدبابين والمجاهدين الذين قدموا أرتالًا من الشهداء من خيرة أبناء السودان ولذلك فالاحتمال الثاني يفضله البعض بحجة أن انفصالًا بسلام خير من وحدة بحرب ولكن هذا الاحتمال لا يحقق السلام لأن حركة التمرد بعد الانفصال ستحرك جيوبها في الشمال لإثارة الحرب، وما الانفصال إلا مرحلة من مراحل الحركة للسيطرة على السودان كله.

إذن الاحتمال الأخير هو الأقرب في ظل التداعيات ما دام الناس يرفضون اتفاقية تجهض المشروع الإسلامي وتقوضه من أساسه.

إيجابيات في صالح الحكومة

وفي حين شد وفد التفاوض الرحال إلى واشنطن، وجهت الحكومة ضربة قاسية لحركة التمرد بنجاحها في تحقيق انسلاخ أبرز القادة الميدانيين لحركة التمرد والذي كان يشكل التهديد الرئيس لمناطق استخراج النفط في غرب النوير بالجنوب منهم قائد التمرد السابق بيتر قديت، الذي وصل الخرطوم بعد حوار شاق وطويل ولكنه مثمر وتحالف مع الحكومة وانشق عن جارانج بعدما ظل يقود معظم العمليات العسكرية ضد الحكومة حول مناطق النفط مستهدفًا ضرب حقول البترول ورحيل الشركات الأجنبية خوفًا ورعبًا.

وبانضمامه للحكومة سيكون هو واللواء فاولينو ماتيب المتحالف من قديم مع الحكومة سندًا قويًا للجيش السوداني معا سيجعل حركة التمرد بعيدًا عن حقول البترول ويبدد أحلامها بالسيطرة عليها.

 

الرابط المختصر :