العنوان مستنقع الموت والكذب والفظائع أشباح فيتنام
الكاتب روبرت فسك
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2005
مشاهدات 52
نشر في العدد 1635
نشر في الصفحة 24
السبت 15-يناير-2005
ترجمة: جمال ميرغني
اقتيد الشعب الإنجليزي إلى ميسوباتاميا (العراق) بخدعة وفخ سيصعب الخروج منه بكرامة وشرف لقد خدع الشعب الإنجليزي بكبح متعمد للمعلومات، فالبيانات القادمة من بغداد متأخرة ناقصة ومضللة والأمور هناك أسوأ بكثير مما يعتقد الناس وإدارتنا أكثر دموية وأقل كفاءة مما تظن، ونحن اليوم أقرب ما نكون من كارثة محققة..
لورانس العرب هو قائل هذا الكلام الذي نشر في الصنداي تايمزء في أغسطس سنة ۱۹۲۰م، وكل كلمة من كلامه متحققة الآن في العراق فقد كذبوا علينا في أغسطس سنة ۱۹۲۰م ويكذبون علينا الآن فقد كذبوا علينا في قضية أسلحة الدمار الشامل، وكذبوا بخصوص علاقة صدام بالحادي عشر من سبتمبر، وكذبوا علينا في قضية المسلحين نتذكر أنهم قالوا إنهم مجرد قتلة ومثيري شغب وقالوا كذباً إن الأوضاع في العراق تتحسن، بينما العراق كله يخرج من قبضة قوات الاحتلال وحكومة الدمى المنصوبة في بغداد وأظن أنهم سيكذبون علينا أيضاً في موضوع الانتخابات ولقد قامت أدلة كافية خلال العام المنصرم على أن المشروع الأنجلو أمريكي يتصدع فقواتنا الغربية تعتقد أنها لن تنتصر في حرب العصابات إذا لم تعذب المسجونين وتقتل الأبرياء، وتدمر إحدى أكبر المدن العراقية هذا هو الذي ينصرنا على العصابات المؤذية والتي لم يسبق أن واجهنا عدواً في مثل قوتها في الشرق الأوسط، فطبقاً لحساباتي الخاصة وهي متحفظة ومقتصدة إلى حد كبير، لأن عمليات كثيرة تحدث ولا تعلم عنها شيئاً، طبقاً لهذه الحسابات أقدر عدد العمليات الانتحارية في السنة الماضية الاثني عشر شهراً الماضية بـ ١٩٠ عملية أحياناً بمعدل عمليتين في اليوم كيف يحدث هذا؟ هل هناك سوق أو سوبر ماركت للانتحارين؟ ماذا فعلنا كي تزدهر هذه الصناعة هكذا في العراق وقد كانت مرة واحدة كل شهر في لبنان ثم مرة واحدة كل أسبوع في فلسطين، والآن مرة أو مرتين في اليوم الواحد في العراق؟
ومازالت القوات الأمريكية تقوم بمزيد من قصص القتل الوحشي للمدنيين بأيدي قوات الولايات المتحدة في قرى ومدن العراق وها هي شهادة جيمي مسي الجندي السابق برتبة رقيب في سلاح البحرية الأمريكية الذي آثر أن يعيش لاجئا في كندا بعد أن فر من الخدمة في القوة 82 المحمولة جوا من سلاح البحرية، يقرر أمام اللجنة المخولة بإعطائه حق اللجوء أن رفاقه من المارينز قتلوا أمامه ثلاثين رجلاً وامرأة وطفلاً غير مسلحين طبعاً، من بينهم شاب عراقي خرج من سيارته رافعاً يديه!
لقد قتلنا الرجل، يقول مسي: لقد كنا نطلق وابلاً من الرصاص بمعدل ٥٠٠ رصاصة للمركبة الواحدة ويعتقد مسي أن العراقيين القتلى لم يكونوا يفهموا إشاراتنا لهم بالتوقف.. ويذكر مسي أن قوة المارينز التي كان ينتمي لها في حادثة أخرى أطلقت النار على مجموعة من المحتجين والمتفرجين غير المسلمين.
إنني جد مهموم وحزين على الإصابات التي حاقت بالمدنيين.
يضيف مسي وإن ما تفعله قواتنا ما هو إلا ارتكاب لجرائم قتل عمد.
وهنا منشق آخر على القوة ٨٢ من قوات المارينز المحمولة جوا يقول: لقد أمرنا أن تعتبر كل عربي إرهابياً محتملاً ، كامناً، لكي نقوي في قلوبنا شعور الحقد عليهم والتغلي الدماء في عروقنا.
كل هذا بالطبع جزء مما تسرب من آلة التضليل الإعلامي وكبح المعلومات وتعطيل انسيابها فلقد انتظرنا شهوراً قبل أن نعرف أنباء التعذيب في، أبو غريب، رغم أن الصليب الأحمر أخبر الإنجليز والأمريكان بتلك الانتهاكات.
ولقد مرت شهور قبل أن تعلن الحكومة الإنجليزية عن الضربات القوية التي تعرضت لها وجرائم تعذيب المدنيين العزل في البصرة والتي كشفت الإندبندت إحداها، والسلطات الأنجلو أمريكية مازالت تصر على أنها تسيطر على العراق رغم أنني سافرت ٧٠ ميلاً جنوب بغداد في أغسطس الماضي، فوجدت كل نقاط التفتيش مهجورة، والطريق السريع متسخاً ببقايا الشاحنات والمركبات الأمريكية المحترقة، ولم يخبرونا بعد بعدد الضحايا المدنيين في الفالوجة على إثر الهجوم الأمريكي ويدعون أنهم قتلوا ألفاً من المتمردين فقط المتمردين لاحظ أنه لا يوجد بينهم مدني واحد ؟ هل هذا معقول؟ وحتى الآن لسنا أحراراً في دخول المدينة ولا تقدم لنا الحقائق عن وضع المتمردين فيها، والأرجح أنهم لايزالون فيها، وإن كان من غير المحتمل أن تقدم لنا أية حقائق بهذا الخصوص، وإلا لماذا تواصل الطائرات الأمريكية قصف المدينة بعد أسابيع من ادعاء الولايات المتحدة السيطرة عليها؟ من الصعب أن تجد شيئاً في العراق لم يتحول من سيئ إلى أسوأ في العام المنصرم فشبكة الكهرباء تنهار مرة أخرى وطوابير البنزين أكبر مما كانت عليه في الأيام التي تلت الغزو اللاشرعي للعراق في العام ۲۰۰۳م، ولا وجود البتة للأمن في أي جزء من العراق إلا الشمال الكردي.
محاكمة أزلام صدام
ولعل الغرض من محاكمة أزلام وخدام صدام مجرد تبرير الغزو، اللاشرعي وصرف الأنظار عن الرعب القادم، وحتى الانتخابات القادمة تتزاحم المؤشرات على أنها ليست إلا مجرد تغيير مؤقت لأنه إذا لم تستطع السنة المشاركة أو لم تشارك في الانتخابات فما قيمة الانتخابات إذن؟ ولقد أوما إلى ذلك رامسفيلد عندما قال قبل الانتخابات الأمريكية إن الانتخابات العراقية، ستجرى على مراحل فماذا يقصد؟
ومع ذلك مازال الغزاة يبشروننا بتحسن الأوضاع في العراق وأنه على وشك أن يصبح آمناً كباقي الأمم، ولقد انتخب بوش بعد أن أخبرنا بهذه الفرية وما زالت توابيت الجنود الأمريكيين تتري على أرض الوطن، وهي في تزايد مستمر ولا يعتقد أننا سنتساءل عن عدد القتلى العراقيين ومهما أخبرونا أن الغزو كانت له قيمه أو له ما يبرره وأن حال العراقيين أحسن من ذي قبل فسأظل أعتقد أن الأمن سيتحول من سين إلى أسوا كلما اقتربت ساعة الانتخابات.
والعجب أنهم لا يملون من تكرار القصص القديمة بوش ورامسفيلد وهي أنه كلما تحسن الحال في العراق زاد المتمردون من وتيرة العنف وهذا الكلام الفارغ قد يكون له معنى في واشنطن أو لندن، إلا إنه بعد ضرباً من الجنون ولذا لم أحاول أن أجرب هذا أو اختبره على الجنود الأمريكان الذين قال لهم رامس فيلد يصلف ، إنكم تذهبون للحـرب في حمى جيشكم.
ولا يفوتني أن أسجل بشيء من السعادة أن هناك ما يسعد في مكان ما في الشرق الأوسط: الانتخابات الفلسطينية في العام الجديد ولكن إذا كان محمود عباس عديم اللون اللاديمقراطي، هو الخيار الفلسطيني الأفضل بعد عرفات ذي اللون القاطع، فإن فرض بناء الدولة ستكون على نفس الدرجة من القتامة التي كانت عليها عندما كان عرفات حبيس رام الله.
ورئيس الوزراء الإسرائيلي شارون ليس مستعداً لأن يسعد الفلسطينيين بإغلاق المستوطنات اللاشرعية في غزة والمتحدث الرسمي باسمه يقول: إن الانسحاب من غزة سيضع الدولة الفلسطينية في غاز الفور مالدهايد في حالة من التجمد ولا يمكن أن تعتقد أن الواقعين تحت الاحتلال سوف يتسلمون دولة من محتليهم وهذا يعني أن الانتفاضة سوف تستانف وعند ذلك ستشتكي إسرائيل، من عباس الذي لا يستطيع السيطرة على شعبه وهكذا يعود الفلسطينيون و الإسرائيليون إلى الصراع من جديد.
إنه من المستحيل أن تتأمل فيما حدث العام الماضي دون أن تدرك إلى أي مدى تأثر العراق بما يحدث في فلسطين وهو الذي يؤثر في كامل الشرق الأوسط فالعراقيون يشاهدون ما يجري في فلسطين بشغف ويعرفون لصدام أنه كان يؤيد ويناصر الفلسطينيين حتى وإن كان في نظرهم دكتاتوراً مقيناً، وأشك أن يكون الانتحاريون العراقيون بعيدين عن التأثر به الانتحاريين الفلسطينيين واللبنانيين.
إن التهيئة المسبقة للمقاومة العراقية التي وفرتها أحداث الشرق الأوسط، وليست أساطير بوش عن المقاتلين الأجانب والتي لا توجد إلا في عالم بوش الخيالي هذه التهيئة هي التي كلفت وتكلف أمريكا دماً غزيراً في العراق وعندما يحاول شارون منع الدولة الفلسطينية يتذكر العراقيون أن المحتل الأمريكي هو أخلص حلفاء شارون وعندما تتعلم قوات الولايات المتحدة الأمريكية من الإسرائيليين، كيف تتعامل مع المتمردين بنسف البيت وتعذيب السجناء ومحاصرة القرى المتمردة كما تفعل إسرائيل فلا عجب أن يعتبر العراقيون الأمريكان سنواً للإسرائيليين.
ولسنا محتاجين إلى الاستشهاد مرة أخرى بجندي المارينز السابق جيمي مسي للبين بربرية الغزو والاحتلال وانعزال الحكومة المؤقتة عن و شعبها هوزراؤها الذين يعتبرون ويعاملون في هـ واشنطن ولندن على أنهم رجال دولة عالميون لا يزيد وضعهم في بغداد عن عمد قرويين مختبئين وراء الجدران ولا يقدرون حتى على التفاوض مع أعدائهم.
وهذا يؤدي إلى حقيقة واضحة عن العام يا الفائت عام الفوضى السياسية والعامة عام الوحشية المفرطة هذه الحقيقة هي أننا مازلنا لا تعرف من أعدائنا أحداً سوى الزرقاوي الـأمريكان بكل بلايينهم التي تنفق على المخابرات والسي آي إيه والجواسيس والحواسيب العملاقة ببساطة لا يعرفون من الذي يحاربهم، لقد احتلوا سامراء ثلاث مرات ثم فقدوها، ولقد احتلوا الفالوجة ولسوف يفقدونها مرة أخرى إنهم لا يستطيعون السيطرة على شارع رئيس في بغداد.
من كان يصدق بعد دخول القوات الأمريكية بغداد في عام ٢٠٠٣م أنهم سيغرقون في مستنقع حزب عصابات هو الأكبر منذ فيتنام؟ قليلون هم الذين تنبؤوا بذلك ومن بينهم صحيفة الإندبندنت وقد سخروا منا واعتبرونا نكرات متشائمين.
إن العراق يثبت لنا مرة أخرى أننا كان ينبغي علينا أن نتعلم من لبنان وفلسطين لقد تخلص العرب من خوفهم، إنها عملية بطيئة، ولكن العرب الذين كانوا يعيشون مقيدين خائفين من المحتل ومن الأنظمة في ربع القرن الماضي العرب الذين كانوا مجرد مجتمعات خاتمة تفعل ما يطلب منها لدرجة أن الإسرائيليين يستخدمون الفلسطينيين كشرطة لتثبيت الاحتلال، هؤلاء العرب تغيروا، وقد حدث تطور كبير في الشرق الأوسط، فلقد تزلزل هذا الخوف من المحتل ومن الدكتاتور شيء لا يمكن إعادة حقنه في الشعوب، وهذا في اعتقادي ما حدث في العراق.
والعراقيون ليسوا مستعدين أن يعيشوا في خوف مرة أخرى، فلقد تعلموا الاعتماد على أنفسهم بعد أن خذلناهم في انتفاضة ۱۹۹۱م، وهم يرفضون أن يخوفوا مرة أخرى بالمعتدين المحتلين، وتحذرهم من الحرب الأهلية رغم عدم وجود حرب أهلية في العراق، وإذا كان العراقيون يرون الغربيين بالآلاف يأتون إلى بلادهم لكي يثروا ويجمعوا المال من وراء شعب ابتلي بدكتاتورية فاسدة وحظر ظالم فرضته الأمم المتحدة، فهل هناك عجب من أن تراهم غاضبين؟
ولقد طرح الكاتب الأمريكي توم فريدمان إحدى مقالاته الأقل تبشيرية مسيحية سؤالاً بعد غزو العراق في عام ٢٠٠٣م من يدري أي الخفافيش ستنطلق من الصندوق عندما تصل إلى بغداد؟
بعد كل هذا علينا أن تردد ملحوظة لورانس العرب المرعية من دون علامات اقتباس التي بدأها في عام ١٩٢٠م، نحن الآن لسنا بعيدين عن أن تحيق بنا كارثة.