العنوان مسلسل الأحزان في كابل.. هل ينتهي؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002
مشاهدات 92
نشر في العدد 1486
نشر في الصفحة 47
السبت 26-يناير-2002
لا أدري كيف توجهت نفسي إلى البحث عن مأساة كابل الأولى، لأنني أعرف أنه في كثير من الأحيان يعيد التاريخ نفسه، حيث تتجدد الحوادث وتتشابه الأزمات والدواهي في ديار المسلمين وعند تصفحي لتلك الفترة وقع نظري على وثيقة نشرت في يناير ۱۹۸۰م تقول في كابل عاصمة أفغانستان يخيم الحزن على الشوارع وتجتاحها موجات من مظاهرات الاحتجاج بعد أن اعترفت السلطات الشيوعية المسيطرة رسميًّا بأن ١٢ ألفًا من المجاهدين المسلمين قد استشهدوا داخل سجون كابل، على مدى ثمانية عشر شهرًا، هي فترة حكم نور تراقي الماركسي السابق قبل أن يلقى مصرعه على يد حفيظ الله أمين شريك الاتحاد السوفيتي الحالي، في لعبة الانقلاب والحكم.
وصدرت البيانات الرسمية التي نشرت في قوائم علقت على جدران وزارة الداخلية الأفغانية تشير إلى أن السلطات الماركسية الأفغانية قد أعدمت هؤلاء السجناء بعد محاكمات سريعة وسرية إلا أن الأنباء التي تسربت من داخل السجون تقول إن إعلان المحاكمة والحكم بالإعدام يأتي بعد أن كان السجناء قد قتلوا بالفعل.
وفور إذاعة هذه الأنباء تفجرت سلسلة من المظاهرات اشترك فيها مئات من الأطفال والنساء الذين لا يستطيعون حيلة من أقارب الشهداء مرددين هتافات تندد بحفيظ الله أمين، وتدين ما يرفعه من شعارات الأمان والعدل والشرعية في محاولته خداع الجماهير وإلهائهم عن إجرامه المتأصل، ورويدًا رويدًا ذهبت هذه الشعارات أدراج الرياح، وظهر الوجه الكالح الدموي، وظهر العنف الشيوعي في أوجه، وصرح المسؤولون الشيوعيون الأفغان بأن هناك قوائم مماثلة بأسماء قتلى السجون سيجري نشرها في مدن الأقاليم، كما تقول الأنباء إن قائمة الشهداء التي نشرت تضم علماء مسلمين وأساتذة جامعيين وطلبة ومدرسين وموظفين رسميين وشيوخًا وبعض النساء.
وقد اضطرت الحكومة الشيوعية إلى نشر هذه القوائم بعد عشرات الاستفسارات التي تدفقت حول مصير المعتقلين الذين كان البوليس السياسي يلقي القبض عليهم خلال فترات حظر التجول ومن ناحية أخرى تؤكد مصادر المجاهدين المسلمين أن أصوات أعيرة نارية قد ترددت في الأيام الأخيرة في القاعدة العسكرية لفرقة الجيش الثامن في العاصمة كابل حيث قتل الكثير من الجنود الذين رفضوا تنفيذ حكم الإعدام في آخرين. هذا وقد ذكر أحد التقارير - نقلًا عن ضباط في الجيش الأفغاني – أن أربعمائة من قوات الحكومة الشيوعية فروا من الجيش من أهوال أعمال القتل. ولحق بهم حوالي ألف آخرين انضموا إلى صفوف المجاهدين بكامل أسلحتهم التي تشمل الأسلحة الخفيفة والمدفعية وعربات الجيب وعربات نقل الجنود وعددًا من الدبابات.
وعلى إثر ذلك شنت قاذفات القنابل التابعة للسوفيت غارات على مناطق ومدن أهلة بالسكان قد مرت مئات المنازل وعددًا من المساجد في إقليم تاخار، وهو أحد الأقاليم الشمالية الشرقية الإستراتيجية، مما أسفر عن استشهاد أكثر من مائة وخمسين من العزل هذا وتواصل الطائرات الشيوعية قصف الأماكن الأهلة بالسكان، وتدعي أن هذا كان على سبيل الخطأ، وأن هناك من المقاتلين من يختبئون في تلك الأماكن.
هذا وقد أعلن ضياء خان ناصري أن الاتحاد السوفيتي قد أمطر حكومة أفغانستان الشيوعية بعدد من المليارات من الدولارات، وبمعدات حديثة من بينها ۸۰۰ دبابة جديدة ومائة طائرة هليوكبتر عسكرية متطورة يصفها الأفغان بأنها الدبابات الطائرة ... ثم يقول ضياء خان يبدو - من تصرفات الاتحاد السوفيتي في أفغانستان – أن موسكو على استعداد لأن تذهب إلى أبعد مدى في تأييد حكومة حفيظ الله الشيوعية التي تحكم نيابة عن موسكو، حتى إذا اقتضى الأمر القضاء على الشعب الأفغاني بأسره عن طريق عمليات الإبادة، ولكنه أردف قائلًا : إن هذه السياسة لم تمنع ١٥ ألفًا من الجنود الأفغان من الانضمام إلى صفوف المجاهدين، ومن المعروف أيضًا أن المجاهدين رغم هذه القسوة الشيوعية قد حققوا انتصارات هائلة بعون الله لهم ثم بقوة إيمانهم، وقد قابل السوفيت هذا بإرسال عشرين كتيبة بصورة عاجلة إلى أفغانستان لحماية قواعدهمضد هجوم يشنه المجاهدون.
وقد علقت صحيفة «ديلي تلجراف» على ذلك بقولها: إن ظهور القوات السوفيتية المفاجئ على الأرض الأفغانية قد نتج عن كثافة هجوم المجاهدين... وأوضحت الصحيفة أن الهجوم لا يهدد القواعد السوفيتية فحسب.... ولكنه يعرض أيضًا حياة عدة آلاف من المستشارين السوفيت للخطر، وأن إرسال القوات السوفيتية إلى أفغانستان على هذا النحو ليدل على أن موسكو تعتقد أن الحكام الذين أتوا بهم غير قادرين على احتواء الدفعة الإسلامية في البلاد.. وقد جرب السوفيت نور الدين تراقي فلم يفلح فجاءوا بحفيظ الله أمين، ولكن خاب ظنهم فيه أيضًا، وقد دخل الاتحاد السوفيتي في لعبة الانقلابات الوهمية مرات ولكن دون جدوى، وسيتبين له عن قريب أنه دخل في طريق مسدود.
هذا وقد ولى الاتحاد السوفيتي من أفغانستان وترك دباباته وطائراته وعملاء أمام شعب أعزل لا يجد ما يسد به الرمق، ولكن لماذا؟
ولعل من أخطاء الاتحاد السوفيتي ومن على شاكلته أنهم يدخلون إلى الأقطار بأساليب قد ولت وبادت وعلى عليها الزمن، فسياسة الغزو العسكري وعمليات القتل والتنكيل بالناس وضرب الآمنين أصبحت من مخلفات القرون الخوالي، وصارت ضربًا من العنتريات البائدة التي مجتها الشعوب وقابلتها بالكفاح والنضال والتربص بالمغيرين ودحرهم مهما كلف ذلك من تضحيات خصوصًا إذا كان هذا في أمة إسلامية عمقها الإيماني والجهادي عريض، وتراثها النضالي والروحي شامخ وسامق ومتين يتصفحه القارئ فيقرأ قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (الأحزاب:۲۳) ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾(محمد: 31 ) ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155)
إذن فهم
رجال ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينًا
إذا حضر الوغى كانوا كُماة يدكون المعاقل والحصونا
وعلى هذا فالإسلام قوة المؤمن به يكافح وبه ينتصر وبه يسالم ويرتقي ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النّاس لَا يَعْلَمُونَ﴾.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل