; مسلسل التراجعات العربية! | مجلة المجتمع

العنوان مسلسل التراجعات العربية!

الكاتب المستشار فيصل مولوي

تاريخ النشر السبت 08-مارس-2008

مشاهدات 71

نشر في العدد 1792

نشر في الصفحة 20

السبت 08-مارس-2008

منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر والعدو الصهيوني، انهار التضامن العربي أمام هذا الكيان، وتحول الحصار العربي ضد الصهاينة إلى حصار ضد الشعب الفلسطيني المنكوب، بهدف إنهاء قضيته حتى يمكن التفاهم والصلح مع العدو. 

لقد نسينا أننا أمة واحدة بعد أن نجح الغرب في زرع الصهاينة على أرض فلسطين، وفرض علينا أن نتصالح معهم، وأن نتخاصم مع ذاتنا، فصار بعضنا في مصر يهدد العربي الفلسطيني الذي يقتحم الحدود ليفك الحصار عن نفسه بكسر الأرجل، بينما الصهيوني المفترض أنه عدو يصول ويجول في أرض الكنانة، فالحدود مفتوحة ومنظمة بين مصر و «إسرائيل».

لكنها مغلقة بين مصر وغزة، ولا يسمح بفتحها إلا بإذن من الكيان الصهيوني، كنا نعارض تطبيع العلاقات مع العدو، لكننا الآن مضطرون للمطالبة بتطبيع العلاقات مع الشعب الفلسطيني نفسه، فأي منحدر هذا الذي وصلنا إليه نتيجة لمسلسل التراجعات التي لم تتوقف؟ 

كانت غزة جزءًا من مصر منذ عام 1948م حتى 1967م يوم احتلها الكيان الغاصب، لكن مصر رفضت الاعتراف بآثار الهزيمة وأعلنت اللاءات الثلاثة المشهورة حتى كانت حرب 1973م التي انتصرت فيها وحطم الجيش المصري خط بارليف، ثم فوجئ العالم بأن هذا الانتصار العسكري تحول إلى هزيمة سياسية، عندما وافق الصهاينة على الانسحاب من سيناء، مقابل تسلطهم على مصر ومشاركتهم في القرارات السيادية. 

هكذا فرض الكيان الصهيوني على مصر عقد صلح منفرد معها، والانسحاب من الصراع العربي الصهيوني، وفرض عليها نزع سلاح سيناء، والتخلي عن غزة، وقطع كل صلاتها معها.

ومنذ ذلك الحين بدأت الأنظمة العربية بالتخلي عن الشعب الفلسطيني، وانتشر تطبيع العلاقات مع الصهاينة علنًا حينًا، وسرًا في أحيان كثيرة، وعلا شعار ترك القضية لأهلها، مع الإعلان عن تأييدهم فيما يختارون، لكن الواقع أن الشعب الفلسطيني ترك يخوض المعركة العسكرية ضد العدو الصهيوني وحيدًا من غير سلاح، وترك يتعرض للضغوط الدولية السياسية حتى يتخلى عن حقوقه، ثم جاءت الضغوط العربية أيضًا، ورغم كل ذلك فقد استمر صمود الفلسطينيين وانتقلوا من انتفاضة الحجارة إلى المقاومة العسكرية، إلى أن جاء الحصار الأخير الذي يرمي إلى تجويع أهل غزة لكسر صمودهم، وتغيير قرارهم، وإنهاء مقاومتهم. 

مما يؤسف له أن يصرح الرئيس الفلسطيني أن الحصار ينتهي بإيقاف صواريخ المقاومة، مع أن حكومة الوحدة الوطنية بقيادة حماس نجحت عدة مرات في إيقاف الصواريخ، ولم يتوقف الحصار ولم تتوقف الاعتداءات الصهيونية اليومية، فهل يرضى محمود عباس أن تستمر الاغتيالات بلا حسيب، وعلى الفلسطينيين أن يستسلموا لها دون رد حتى يتصدق عليهم الصهاينة بتخفيف بعض جوانب الحصار، كما يحصل في الضفة الغربية؟! ومع ذلك فإن العدوان الصهيوني لم يتوقف هناك، كما أن المقاومة لم تتوقف. 

إن المطلوب اليوم كسر الحصار عن غزة بالذات، لإمداد شعبنا الفلسطيني بكل ضرورات الصمود، هذا المطلوب تتحمل مصر العبء الأكبر فيه لأنها الدولة الوحيدة التي تملك حدودًا مع قطاع غزة، وإغلاق هذه الحدود يعني تسليم غزة إلى إسرائيل التي تحيط بها من كل الجوانب. 

ولأنها ثانيًا تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية بسبب تخليها عن غزة بموجب معاهدة كامب ديفيد، وقد كانت أمانة لديها، فتركتها لقمة بيد عدوها، وليس لها الآن أن تكرر هذا التخلي بإغلاق الحدود، ولأنها ثالثًا مدعوة للحفاظ على أمنها القومي، وغزة جزء منه، وهي التي تحول بين إسرائيل وبين أحلامها التوسعية بالوصول إلى النيل، فدعم صمود غزة هو في الحقيقة حماية للأمن القومي المصري. 

إن فلسطين هي بوابة مصر التاريخية منذ أقدم العصور، وقد أدرك حكامها منذ أيام الفراعنة أن حماية بلادهم تقتضي الانتباه لوجود من يعاديها على بوابتها الشرقية، ولذلك كانت مشاركة مصر في رد الغزو الصليبي والغزو المغولي عن فلسطين، وكانت محاولات محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا تأمين بلاد الشام انطلاقًا من فلسطين لحماية دولتهم المستقلة في مصر، ولذلك رفض مصطفى النحاس باشا عام 1936م طلب المندوب السامي البريطاني إصدار بيان يدعو الفلسطينيين إلى التعايش مع اليهود؛ لأن وجود كيان معادٍ في فلسطين يعرض أمن مصر للخطر.

إن المطلوب اليوم من مصر كسر هذا الحصار الظالم على غزة.

  • ليس فقط التزامًا بالواجب القومي ونحن أمة عربية واحدة.

  • وليس فقط التزامًا بالواجب الشرعي الذي يوجب على المسلم نصرة أخيه المحتاج.

  • ونصرة كل إنسان مظلوم وليس فقط التزامًا بالواجب الأخلاقي الذي تتحمله وحدها، باعتبار أن غزة كانت أمانة لديها عندما احتلتها «إسرائيل».

بل أيضًا - وقبل كل ذلك - لأن عدم كسر الحصار يعني تسليم غزة للعدو الصهيوني وبالتالي تمكين هذا العدو من تهديد الأمن المصري.

قد يفهم المواطن العربي أن الظروف الدولية فرضت على الأنظمة تبني شعار السلام كخيار استراتيجي، وقد يغض النظر عن محاولات التطبيع التي جعلت الصهيوني يدخل بعض البلاد العربية بالترحاب، لكنه لا يستطيع أن يفهم منع أهل غزة من دخول مصر وسائر البلاد العربية بشكل طبيعي، ولا يستطيع أن يقبل تزويد مصر له إسرائيل بالغاز وغيره، ورفضها تزويد غزة بما تحتاجه.

المطلوب من مصر خطوة جريئة تحمي بها نفسها، وتلبي تطلعات شعبها، وتعيد إليها وهجها القيادي في بلاد العرب والمسلمين فهل تفعل؟

إن روح المقاومة المنطلقة اليوم من أرض فلسطين، قد استعادت لهذه الأمة عنفوانها، ورسمت لها طريق مستقبلها، هذه الروح الهادرة حركت قلوب الملايين، وألهبت عواطف العرب والمسلمين، ولم تعد الحرب الصهيونية الأمريكية على هذه الأمة تحتمل التمويه أو التخدير، فإما صمود ومقاومة، وإما استسلام وخذلان، وإلا فإن حركة التاريخ لا تتخلف وإرادة الشعوب لا تهزم ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: 88).

الرابط المختصر :