; مسلسل الخروج وفن الإخراج المتجدد | مجلة المجتمع

العنوان مسلسل الخروج وفن الإخراج المتجدد

الكاتب عبدالرحمن عبدالوهاب ابراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1990

مشاهدات 63

نشر في العدد 976

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 31-يوليو-1990

  • الموضوع الذي نحن بصدده الآن ليس موضوعًا واحدًا ولكنه عدة قضايا ممزوجة في بوتقة واحدة، إنها خيوط المؤامرات التي دُوِّنت في البروتوكولات وقيد الفحص والدراسة في كل المؤتمرات التي تُدار خلف ظهورنا وعلانية منذ زويمر وحتى الآن.

    إن قضية «الخروج» خروج المسلمين من بلغاريا ليست إلا حلقة واحدة ضمن مسلسل طويل، ذلك المسلسل الذي كانت أولى حلقاته الخروج من بلادنا الأندلس ولم نستفد نحن من الدرس المرير ولم نعتبر وأنه درس ليس منا ببعيد. ويحضرني في هذا المقال «مقولة لأحد أبنائهم، لقد خدعنا المشعوذون حينما قالوا إن ليس للماضي حرمة».

    ولكننا أخذنا الدرس جيدًا، بل الدروس وشربنا مرارتها ولم نعتبر! وسيسألني القارئ لماذا لم نعتبر من الماضي ولم نستفد من التاريخ ولكنه موضوع شرحه يطول ويلزمه عدة فصول:

    أخي في الله معذرة، فقد بح صوتي وابيضت عيناي وقلبي كله مرارة، لم نأخذ العبرة من التاريخ لأن المؤامرات كلها كانت محبوكة تعليميًا وإعلاميًا.

     

    تعليميًا

    وضعوا مناهج التدريس وخاصة التاريخ بصورة مزيفة مجدوا فيها آلهة غير الله «وزيفوا مفهوم لا إله إلا الله» مجدوا فيها جاهلية ميتا وخوفو وما أدراك ما خوفو، إنهم ما زالوا يعبدون خوفو.. وكما ترى لوقع كلمة خوفو من صدى ورهبة داخل النفس.. إنه تقليم أظافر الشجاعة منذ الصغر، يعلمون عبادته قبل عبادة الله.

    علموني أن ماجلان هو البطل وعبقري كل عصر وأوان ولم أكن أدري وأنا غض صغير أنه هو الذي ذبح أهلي من المسلمين وأضرم فيهم النيران.

    علموني أن ديني هو الرجعية والتخلف والتطرف وأن خليفة المسلمين هو الرجل المريض.

    علموني أن نابليون قد غزا مصر، وأن الغزوة الفرنسية نور ونار فهو الذي دخل الجامع الأزهر بخيوله ليوزع البسكويت على الصغار.

    علموني وأنا شاب فلسفة بيكون وديكارت وفلسفة الشك «أنا أشك إذًا أنا دبوس».

    علموني في الجامعة فلسفات وجاهليات الإغريق والرومان..

    علموني أن العلمانية هي الصراط المستقيم ومن يعرض عنها فإن له معيشة ضنكًا.

    علموني حب جبران ونيتشة والسوبرمان وشكسبير وسارتر وسيمون دي بوفوار وكل الوجوديات وما بها من أفكار، فهؤلاء هم الذين يقولون الحق وبه يعدلون.

    ومن جاهلية الخوفو في الصغر إلى جاهلية الشك يا قلب فلتحزن ومن تخبط إلى تشكك يا قلب فلتنفطر.

    أخي في الله معذرة عن هذا الاستطراد السريع ونعود إلى موضوعنا الذي ليس كمثله موضوع إنه دراما، إنه تراجيديا، أصبح فيها كل مسلم بطلًا مأساويًا، قضيتنا هي الخروج، خروجنا يومًا بعد يوم تحت سمع وبصر العالم كله من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحافل الدولية والمحافل الماسونية ولم يربت على كتفنا أحد ولم يمسح دموعنا أحد.. كانت أول حلقة هي الخروج من الأندلس وسلمنا مفاتيح غرناطة هناك وبعدها نُصِبت محاكم التفتيش وتمت المجازر علانية ولم يبك علينا أحد، وبعدها تكرر المسلسل في بلاد مورو (الفلبين حاليًا)، وبعدها في تركستان وبخارى وطشقند والصين وفلسطين وتايلاند وإريتريا والصومال والهند وجنوب السودان يذكرنا بالشرذمة الصغيرة في شمال غرب إسبانيا «الأندلس» قبل خروجنا من هناك، ومنذ أشهر في بلغاريا، ولا يزال الوضع في أذربيجان، ويتم حبك المسلسل جيدًا في يوغسلافيا، فالوضع يشبه وضع المسلمين في بلغاريا منذ سنة تقريبًا.

    سيدي.. إننا في الإسلام لم نطالبهم إلا بالإسلام لله وحده أو الجزية فإن عصموا منا دماءهم وأموالهم إلا بحق، أننا لم نقتل العجوز ولا المرأة ولا الطفل ولم نعقر حتى النخلة.. ونحن كانت لنا العزة والكبرياء والمنعة والكلمة العليا.. وماذا الآن؟

    ليتهم كانوا قد طلبوا منا الجزية لندفعها عن يد بدلًا من مسلسل الذبح والطرد والخروج.. ونحن مَن؟! نحن خير أمة أخرجت للناس.


    الحبك الإعلامي

    مسلسل الخروج هذا، هو كنتاج مسلسل «دلاس» نتاج العزيمة الغربية والفكر الصليبي العَفِن. ولكن الفارق أن مسلسلنا هذا لا تتحرك له مشاعر الرأي العام العالمي، إنه تأليف وسيناريو البيت الأبيض والأحمر، تلحين العلمانيين وأبناء الماسون، إنتاج وإخراج الفاتيكان، إخراجنا من الدين أو من فوق سطح الأرض، وكأن المثل الإنجليزي صار ليس للمسلمين حق الخيار، الكلمة العليا لهم فقط، والمدنية لنا.

    أخي في الله لو هربنا إلى سطح القمر لطاردونا وأخرجونا من هناك.. نريد فقط دولة تحمينا، تحمي أطفالنا من «دراكولا الصليبي مصاص الدماء» نحمي أعراض بناتنا من التعري من «كاردانا» وكرستيان ديور وذيول، نريد فقط قطعة من الأرض تأوينا، نقيم عليها شعائر ديننا بلا خوف وشرع الله يطبق فينا، فقط نريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.


    التجديد

    إن فيلم الخروج هذا أو «دراكولا الصليبي مصاص الدماء» أصبح كفيلم ذهب مع الريح أو الفك المفترس اللذين أعيد إخراجهما من جديد، ولكن الغريب أن فيلم الخروج فيلم واقعي دسم محبوك القصة والدراما والإيقاع والموسيقا التصويرية، والمونتاج والدوبلاج، فيلم متجدد كل عام ولم يتوقف.. فيلم ناجح أليس كذلك؟! ولكن وأسفاه يلاقي اختناقًا وتعتيمًا وتمييعًا إعلاميًا رهيبًا.

    وكأنهم أقسموا بجميع آلهتهم وأصنامهم من صليب وسندان وبودا وبولمز وخوفو.. بألا يبقوا على الأرض من المسلمين ديارًا.

    في المخيمات على الحدود.. تجدنا على خطوط التماس -التي تفصل بين الدول.. وبين الأرض والجو.. في الترانزيت، نحمل قضية وحزنًا وقهرًا وينفجر القلب حزنًا ثم يتمزق ثم يهوى على الرصيف.. على قارعة الزمان.. دائمًا كما وقع البنا قبلًا وعزام وكل أولي العزم، ويذهب صلاح أبو إسماعيل من ترانزيت أبو ظبي أو من الدنيا التي هي ترانزيت الدعاة إثر أزمة قلبية ويمضي إلى ربه ليشكو ضياع أمة على الحدود..

    لقد ضاقت علينا الأرض بما رحبت في قلوبنا غصة في حلقنا مرارة في أكبادنا ألم على الحدود في المخيمات بين الأسلاك.. في الزنازين تحت الأرض تدوسنا الكلاب.. على الأبرش تصعقنا الكهرباء.. نحمل الحجارة وصدورنا عارية.. أصبحنا فئران تجارب لكل ما هو جديد.. لكل قانون بعدما نحينا كتاب الله وراء ظهورنا واتخذناه ظهريًا ومهجورًا.. إلى أن تطلع علينا امرأة ذات يوم بتشريع يطبق فينا.. إنه منتهى الاستخفاف.

    يا قوم.. أما آن أن يسدل الستار على هذا المسلسل الخبيث القذر قبل أن يسدل الستار على شيء اسمه الإسلام، إن الضريبة لا بد أن تدفع والعزة لها ثمن.. فلقد جربنا صنوف الاستخفاف وصنوف المحن..

    من الحبوس إلى الحبوس تمضي أجسادنا لا الحبوس تنتهي ولا القيد ينكسر، ولنقولها للجميع لشمعون وشارون وكل أبناء الماسون، إننا لقادمون صبرًا.. ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحل:1) إننا القادمون.

    وتذكروا جيدًا محاكمتكم لأشخاص بعد مضي أزمان وسنين وقلتم إنهم تورطوا مع النازية ولم تنسوا..

    نحن كذلك لن ننسى دم كل طفل بريء ذبحوه.. وكل شاب سجنوه وكل عجوز قتلوه.. يا من ذبحتم نساءنا عرايا في دير ياسين.. إننا لقادمون ولن تفلتوا..

    إن دمعنا الدامي المتحجر في المآقي صار حممًا صار نطفًا لتصير قذائف إسلامية تنطلق من أرحام نسائنا المتوضئات لتنفجر براكين من تحت أرجلكم وتدك عروشكم ومواخيركم لتصير دمًا فمسكًا فوارًا فواحًا ليصوغ مفهوم «لا إله إلا الله» من جديد ليرفرف إلى عليين وليمضي شلال النهر الهادر من دماء الشهداء الأحمر ليعيد عزنا السليب.

    ليست كلمات رنانة تخبو بعد حين، لا.. فالخطب الرنانة لم يعد لها مصداقية في هذا العصر الكتيب.. نحن جيل لم تعرفوه قبلًا. جيل له لغة جديدة في الحوار ليست شجبًا أو استنكارًا.

    ﴿هَٰذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (إبراهيم:52).

     

     

الرابط المختصر :