العنوان مسلمو أوروبا والصيام في زمن «كورونا»
الكاتب د. طه سليمان عامر
تاريخ النشر الجمعة 01-مايو-2020
مشاهدات 62
نشر في العدد 2143
نشر في الصفحة 32
الجمعة 01-مايو-2020
- الأمة لم تجتمع على القرآن الكريم مثلما اجتمعت في البيوت وتحلقت حوله خلال الفترة الماضية.
- رمضان هذا العام فرصة تاريخية للأمة كلها لأن تقترب من رب العالمين وتدرك رسالته إليها.
- المساجد أُغلقت لكن رسالتها لم تتوقف فالدعاة والأئمة يواصلون رسالتهم عبر الإنترنت.
- على كل فرد أن يتخذ من رمضان زاد المسافر إلى ربه الذي لا غنى له عنه طرفة عين.
أظلَّنا شهر رمضان المبارك في ظرف استثنائي لم نعهده من قبل، حيث قضينا في الحجر الصحي -إلى ساعة كتابة هذا المقال- ما يزيد على أربعة أسابيع، أُغلقت الجامعات والمدارس وروضات الأطفال، وتعطلت حركة الحياة بشكل شبه كامل، والعالم محبوس الأنفاس يترقب لحظة النجدة والخلاص من وباءٍ الْتَهَم عشرات الآلاف من الموتى، وأكثر من مليون مصاب حول العالم، خيَّم الحزن على قلوب المسلمين بعد أن حُرموا من صلاة الجمعة في المساجد والجماعات والأنشطة المختلفة، سيما والمساجد في الغرب عامة هي المتنفس الأكبر والأوسع للمسلمين عامة.
بعد هذه الفترة لم ينفك الحجر الصحي، وقرار إغلاق دور العبادة كلها في ألمانيا سيظل سارياً لفترة غير معلومة على وجه الدقة، وذلك ضمن التدابير الوقائية التي اتخذتها الحكومات.
مداد أقلام حبَّرَت صفحات كثيرة حول العالم تحليلاً وتنظيراً لجائحة «كورونا» من زوايا عديدة، ولعلي أشير هنا إلى بعض التغيرات التي أحدثها هذا الوباء في حياة مسلمي أوروبا في بعض الجوانب الإيجابية:
- انتظام الحياة الإيمانية:
لن أكون مغالياً إن زعمتُ أن الأمة حول العالم لم تجتمع على القرآن الكريم مثلما اجتمعت في البيوت، وتحلقت الفترة الماضية إلى اليوم، إن أُغلقت المساجد فقد تحولت ملايين البيوت حول العالم إلى محاريب للصلاة وذكر الله.
لم تعهد الأسرة قبل «كورونا» أن تصلي الصلوات الخمس في المنزل في مشهد تطلعنا له زمناً طويلاً، ولم يعكف المسلمون على قراءة القرآن الكريم على مدار قرون طويلة على امتداد الكوكب مثل ما تحلقت حول آيات الذكر الحكيم، لقد أضاءت بيوت المسلمين بنور القرآن وعادت إليها الحياة بروحه؛ فهل بعد هذا من رحمةٍ ومنحةٍ انطوت عليها تلك الجائحة؟!
- دعاة وقادة يبعثون الأمل:
مما أثلج صدري وأسعد قلبي وجدَّد الأمل ورسَّخَ في نفوسنا أنَّ أمتنا بخير وعافية ما أظهرتْه أزمة «كورونا» من غَيْرة وهِمَّة العلماء والدعاة وقادة المؤسسات الإسلامية في أوروبا وفي الغرب وحول العالم وحرصهم على تدين المسلمين وأداء عبادتهم.
نعم، لقد أغلقت المساجد لكن رسالتها لم تتوقف، فالدعاة والأئمة يواصلون دورهم ورسالتهم عبر شبكات الإنترنت، كما تُنَظم الدورات والمحاضرات في علوم ومجالات متنوعة.
- «كورونا» يصنع ملاحم إنسانية رائعة:
كشفت أزمة «كورونا» عن حقيقة ومعادن ابن آدم التي تتمثل في التراحم والترابط والإيثار والتعاون والحرص على سلامة الإنسان، وهذا ما رأيناه في المجتمع الأوروبي بين مكوناته وجميع أطيافه، ولا أستطيع إحصاء المبادرات التي قادها الشباب المسلم والعديد من المؤسسات الإسلامية في أوروبا من أجل حصار الفيروس ومساعدة المتضررين، وكان لتوجيهات كبرى المؤسسات الدعوية الإفتائية الأثر الظاهر منذ بداية النازلة؛ حيث قام المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بعقد دورتين من أجل بحث النازلة والإجابة عن أهم التساؤلات، والتأكيد على كل ما من شأنه حماية الأرواح وحصار الوباء بالفتاوى والتوصيات السديدة، كما قام المجلس الأوروبي للأئمة بإصدار دليل شرعي للتعامل مع الأزمة، ودليل عملي للمسلم الأوروبي ودوره التفاعلي داخل مجتمعه، ولم تُقَصّر المؤسسات القُطرية على امتداد الساحة الأوروبية في كل ما من شأنه بعث الأمل وتقديم الدعم الروحي والنفسي لجموع المسلمين وتوجيهم لما فيه كل الخير لمجتمعاتهم.
- فرصة تاريخية شاملة:
أعتقد أن شهر رمضان هذا العام يمكن أن يكون فرصة تاريخية للأمة كلها، فقد اجتمعت محنة كبيرة يعيشها العالم أيقظت القلوب، ووصلتها بمن يكشف السوء والضر والكرب، تلك فرصتنا أن نقترب من مولانا العظيم ندعوه دعاء الغريق المضطر؛ (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل: 62).
هي فرصة أن ندرك الرسالة الوافدة من رب العالمين إلينا، أن نقف على العبر والعظات، وأن نتطهر من غفلتنا ونستيقظ من ركدتنا، وأن نعلم أن الله تعالى بنا رحيم حليم، وأننا أحوج ما نكون لفضله وكرمه وستره علينا.
فهل نتعلم ونُسرع الوصول له، ونحسن السَّيْر إليه؟
شعائر رمضان
لا ريب أننا نشتاق كثيراً لقضاء شهر رمضان ككل عام في رحاب بيوتٍ أَذِن الله أن تُرفع، ونترقب قدومه لصلاة التراويح والاعتكاف والتحلق حول القرآن الكريم وجلسات التلاوة، فلنجعل بيوتنا كهوف الإيمان وحراء القرآن، وداراً جديدة للأرقم تصنع جيلاً جديداً مُشرق القلب بأنوار القرآن، فَتِىَّ العزم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، نَيِّر العقل بمعارف الإسلام.
على كل فرد منا في كل مكان أن يجعل من شهر رمضان زاد المسافر إلى ربه الذي لا غنى له عنه طرفة عين، وأن نغتنم كل ساعة في التقرب من مولانا العظيم، والتضرع إليه وحسن عبادته والإلحاح عليه بالدعاء وكثرة الوقوف بين يديه سجداً وقياماً؛ (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (الزمر: 9).
ها قد هللت يا شهر الهدى والتقى، والمغفرة وراحة القلب وسكينة النفس والروح ومهوى أفئدة المؤمنين وميلاد التائبين وساحة العابدين لربهم، العائدين لبابه اللائذين بجنابه، يا شهر الرضوان الأكبر، حيث يتغير الكون كله، ومعك تتزين الجنة وتشرع أبوابها للصائمين، ويذلل مولانا العظيم كل سبل الهداية والقرب منك احتفاء لقدومك، يا شهر رمضان المعظم.
حينما كانت تحين الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتلهف للقاء مولانا ليلقى بزمام أمره ويفرع قلبه بين يديه، ويقول: «أرحنا بها يا بلال»، فيا شهر رمضان، إن قلوب المؤمنين اشتاقت لقدومك، فكل طاعة فيك ليست كَسِواها في سائر الأيام، نلمس إشراق الروح، وصفاء النفس، وبهاء الوصال مع ذي الجلال.
إننا نقرأ القرآن وأنت معنا كأنه يتجلى لنا يوم الحساب، يقول: رب شفعني فيه، ومع كل آية منك نرقى، ومع كل سورة روحنا من نعيمها تلقى.
تجسدت فيك حقيقة القرآن العظيم، بروح القرآن تحيا قلوبنا، وبأنواره تتبدل نفوسنا، وبمعارفه تستنير عقولنا، ومعك أيها الشهر العظيم نستروح من تعب الدنيا، ونتطهر من غفلاتنا، ونثوب إلى مولانا بعد شرود، ما أحوجنا إليك في هذه الأيام والعالم يواجه فيروساً حبس الأرض عن حركتها، وأذهل الناس عن أنفسها، وتراهم حيارى يتلهفون عن أمل جديد لعودة الحياة، نترقب كل يوم الدعوة المستجابة للصائم عند فطره، كما أخبرنا رسولنا العظيم، عند لحظة الإفطار مع عائلتنا في ضراعة وافتقار وإنابة لرب ودود يقبل تائباً ويقيل عثرات الضعفاء.
يا شهر رمضان، عزمنا على الصيام إيماناً واحتساباً لننعم ببشارة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري).
ها قد قدمتَ يا شهر القيام لنظفر بالتراويح جماعة في بيوتنا بعد ما حُرمنا شرف المسارعة إلى بيوت الله، وأملنا أن نفوز بـ»غفر له ما تقدم من ذنبه»، سنتلمس ليلة القدر فيك لنحظى بالنعيم المقيم يوم نسعد بـ»غُفر له ما تقدم من ذنبه».
إن حُرمنا الجماعة والجماعات، فقلوبنا بأهلنا وإخواننا موصولة ولهم منا دعاء لا ينقطع.
يا شهر رمضان، لقد كشف لنا أن حاجات الروح فوق حاجات الجسد، سنتعلم منك أن نعيد لروحنا مجدها حينما تتصل بالسماء، ولقلوبنا صفاءها حينما نحمل فيها كل خير لكل البشر.
سنطيل التأمل والتدبر فيك؛ لنقف على أسرارك لعل قبساً من نورك يحيط بنا فنَسعد ونُسعد الناس جميعاً من حولنا.
اللهم تقبل منا رمضان، واجعلنا فيه من عتقائك من النار ومن الفائزين.