; مسلمو بريطانيا.. بين الانعزال وأخطار الاندماج | مجلة المجتمع

العنوان مسلمو بريطانيا.. بين الانعزال وأخطار الاندماج

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006

مشاهدات 58

نشر في العدد 1719

نشر في الصفحة 46

السبت 16-سبتمبر-2006

لندن: د. أحمد عيسى 

دكتوراة في الطب - جامعة برمنجهام

  • تحالف بلير مع حرب بوش الكونية ضد ما يسمى «الإرهاب» وما تبعه من حملات أمنية عدائية ضد مسلمي بريطانيا سبب رئيس في عزلتهم داخل المجتمع البريطاني الذي احتضنهم مئات السنين.

  • الحياة العلمانية وممارسة الموبقات وضعف الوازع الديني أحدثت ردة فعل لدى المسلمين الملتزمين واتخذوا الاغتراب والعزلة سبيلًا للمواجهة.

  • نجح «المجلس الأوربي للإفتاء» في إنهاء التهميش السياسي للمسلمين الذي سببته بعض الفتاوى الشرقية بتحريم المشاركة السياسية عليهم.

أحدث التواصل الإنساني بين المسلمين والمجتمع البريطاني طفرة نوعية لدور المسلمين البريطانيين، فقد ولد نصف عدد المسلمين على أرض الجزر البريطانية، ويتمتعون بجيل يافع حيث يمثل الشباب أقل من سن 24 عامًا أكثر من 25 % من المسلمين،[1] فهم هنا للبقاء والحياة، ولا حياة بدون مخالطة مع الآخرين، ولم يعد المسلمون فقط هؤلاء العمال المهاجرون وراء لقمة العيش، أو الدعاة الفارين من سوط الجلاد، أو الطلاب المبتعثين الذين لم يعودوا إلى أوطانهم.

ورغم واقع المسلمين في بريطانيا يتخوف الكثيرون من استفحال شعور الشباب المسلم هناك بعدم الانتماء وبالعزلة عن البلد الذي يعيشون فيه، فيتقوقعون في أحياء وحارات لهم، ويذهب أبناؤهم إلى مدارس إسلامية، بعيدًا عن أبناء المجتمع البريطاني.

مفترق طرق

وحذر «طارق غفور» مساعد مدير شرطة العاصمة «لندن» -وهو مسلم- من خطورة انعزال المسلمين حيث يتعرضون للتفرقة من قبل الهيئات التي تقوم بتنفيذ القانون في البلاد.

وأكد غفور أمام مؤتمر «رابطة رجال الشرطة السود» في مانشستر بشمال بريطانيا مؤخرًا، أنه من الضروري التعرف على العوامل المسببة لحالة «الغضب والاستياء» في أوساط مسلمي البلاد، وقال: إن القوانين الصارمة التي سنت في مجال مكافحة «الإرهاب» كانت تتسم بالتحيز بشكل غير مباشر ضد المسلمين، وأدت عمليات المداهمة الواسعة لمقرات المسلمين في إطار عمليات «مكافحة الإرهاب» إلى تأكل المصداقية والثقة لدى الأقليات في جهاز الشرطة

رأي المسلمين

ودعت مخاوف الإدارة البريطانية من انعزال بعض المسلمين عن المجتمع البريطاني القناة الرابعة بالتلفزيون البريطاني لإجراء استطلاع للرأي لنحو 1000 مسلم كعينة لمجتمع المسلمين، حذرت نتائجه من أخطار انعزال المسلمين عن المجتمع البريطاني.

حيث أشار 50 % من عينة الدراسة[2] إلى بريطانيا بأنها «وطني»، بينما أشار 25 % تقريبًا على أنها «وطنهم» - قاصدًا أحدًا آخر، وقال 12 % إنها «وطني ووطنهم» و 10 % لا هذا ولا ذاك!

وكلما صغر سن الفرد المستطلع رأيه، كان شعوره بالانتماء «المزدوج» للوطن الذي ولد فيه والدين الذي يتمسك به أقل.

وهذه بعض النتائج:

الإسلام مهم جدًا في الحياة93 %
بريطانيا وطني49 %
أنتمي للإسلام وبريطانيا معًا38 %
الذكور42 %
الإناث43 %
عمر 45 عامًا فأكثر42 %
عمر 18 - 24 عامًا30 %
أفضل المدارس الإسلامية44 %
اندماج المسلمين مع غيرهم94 %
أفضل المعيشة في أحياء إسلامية36%
أنتقل لبلد تطبق الشريعة19 %

لجنة للاندماج والتماسك

تلك التحذيرات والنتائج دفعت الحكومة لإطلاق مبادرة إنشاء لجنة «للاندماج والتماسك» للنظر في كيفية تعامل المجتمعات المختلفة داخل بريطانيا مع التوترات والاختلافات العرقية والثقافية في البلاد،[3] من خلال المناقشة «الجدية والصادقة» كما قالت وزيرة الجاليات البريطانية.

ويرجع كثير من المحللين أسباب تلك التوترات الاجتماعية وتزايد شعور العزلة لدى المسلمين البريطانيين إلى تحالف الحكومة البريطانية مع الرئيس الأمريكي بوش في الحرب على ما يسمى «الإرهاب»، التي يعتبرها معظم المسلمين بأنها حرب على الإسلام..

وتراهن الفعاليات السياسية والمجتمعية في بريطانيا على تلك اللجنة في انتشال الشباب المسلم وبعض الأقليات الأخرى من الاغتراب والعزلة عن بقية المجتمع البريطاني، ومن المقرر أن تبدأ اللجنة نشاطها في سبتمبر الجاري..

تعتمد اللجنة آليات عدة لرفع الواقع وعلاج الظاهرة، منها: زيارة عدة أماكن مختلفة في بريطانيا، قبل أن ترفع تقاريرها في يونيو عام 2007 م، وستنظر اللجنة في كيفية تعامل الإدارات المحلية ومؤسسات الدولة، وكذا الجاليات مع التحديات التي تواجهها من قبيل التقوقع والانفصال عن بقية المجتمع، والانقسامات الاجتماعية والاقتصادية بين الجماعات العرقية المختلفة في البلاد.

المدارس الإسلامية

ولعل بعض الأصوات المنادية بإغلاق المدارس الدينية في بريطانيا كإحدى الآليات التي تغذي ظواهر التقوقع والانعزال بين الأقليات والمجتمع البريطاني، أثارت كثيرًا من المخاوف لدى مسلمي بريطانيا، إلا أن وزيرة الجاليات البريطانية بددت تلك المخاوف بتأكيدها أن تلك اللجنة لن تتطرق إلى بحث مسألة المدارس الدينية في بريطانيا، مشيرة إلى أن الحكومة تستهدف توسيع عدد المدارس الدينية.

وقالت: إنه لا ينبغي حرمان الآباء والأمهات المسلمين من الفرص نفسها التي تتاح للمسيحيين واليهود من إمكانية إرسال أبنائهم إلى مدارس دينية.

رؤية المعارضة لدعم اندماج المسلمين

وعلى صعيد آخر، شددت قوى المعارضة السياسية البريطانية على ضرورة مساعدة المجتمعات الإسلامية داخل بريطانيا في الاندماج بشكل تام مع بقية المجتمع، وقال «ديميان جرين» القيادي بحزب المحافظين المعارض: «ثمة تحد ضخم وحيوي لا بد أن تتداركه الحكومة بدعم اندماج الأقليات مع الشعب البريطاني، خاصة الأقليات الإسلامية صاحبة التاريخ الطويل في بناء المجتمع البريطاني».

كما أكد المتحدث باسم الحزب الليبرالي الديمقراطي أن إنشاء لجنة «التضامن والتماسك» محل ترحاب من جميع البريطانيين، وإن جاء متأخرًا، ولكنه حذر «لكي تكون أي محاولة للوصول إلى الأفراد الذين يشعرون بالعزلة داخل المجتمعات الإسلامية محاولة فعالة حقًا، فلا بد من أن تضم تلك المحاولة إجراء نقاش صادق حول السياسة الخارجية التي تنتهجها هذه الحكومة وبعض الإجراءات التي تتخذها لمكافحة الإرهاب».

كيف تصبح بريطانيًا؟

يقول «ديموثي جارتون»: ما المطلوب عادة لتصبح بريطانيًا؟[4] «إنه القدرة على الحديث عن حالة الطقس باسترسال مبالغ فيه، وأن تكون مستعدًا لعدم التدخل في شؤون الآخرين، والميل العام لطاعة القانون بطريقة أو بأخرى.. ربما اهتمام لا بأس به بالعائلة المالكة أو كرة القدم أو الكريكيت!» وكأنه يقول: إن التعريف مبهم، فكيف يطلب من الآخرين الانضمام إليه؟ّ

ويستطرد قائلًا: «إن بريطانيا اليوم من أكثر المجتمعات الأوروبية تحررًا خاصة بين الشباب البريطاني في المدن، حيث يعيش معظم البريطانيين المسلمين.. نحن أكثر الشعوب شربًا للكحوليات وأكثرها نومًا، ونعيش أقل مدة في إطار عائلة تقليدية، كما أننا أقل صلاة من أي شعب في العالم».

ويرجع «ديموثي» شعور مسلمي بريطانيا بالعزلة والاغتراب إلى ردة فعل معاكسة لطريقة الحياة العلمانية واللا دينية والمتفككة.. إنه بالتأكيد نوع من الانتقاد المحافظ لبعض جوانب المجمتع البريطاني.

 

فتاوى شرقية في المجتمعات الغربية

وإذا انتقلنا إلى المشاركة السياسية فقد دفع المسلمون في الغرب ثمن الفتاوى المتشددة حول الانتخابات وتحريم العمل السياسي على المسلمين، ما جعل مسلمي الغرب عامة، وبريطانيا خاصة يعيشون سنوات على هامش الحياة، لكن هذا الأمر تم تجاوزه بعد قيام «مجلس الإفتاء الأوروبي» الذي حل مشكلة الفتوى، ومع ذلك فما زال 27 % من المسلمين كما في استقصاء القناة الرابعة لا يرغبون في التصويت في الانتخابات.

وفي الاتجاه المعاكس ورغم الدعوات لتشجيع المسلمين على الاندماج في المجتمع البريطاني، إلا أن الأمر يتطلب تحصين الجيل الجديد لأبناء المسلمين حتى لا يذوب بحجة الاندماج، خاصة أن التعليم الإسلامي في الغرب ما زال يعاني من مشكلات كثيرة، سواء في إعداد وأعداد المدارس والمعلمين وأئمة المساجد والمناهج.
 

[1] www.statistics.gov.uk 

[2] What Muslims want? Muslim Sur - vey

http://www.channel4.com/ 

dispatches 2006

[3] Kelly calls for a 'mature debate' on immigration to tackle rising tensions

2006. The Guardian 22 August

[4] What young British Muslims say can be shocking - some of it is also true Timothy Garton Ash

الرابط المختصر :