العنوان مسلمو قبرص.. بين ماضٍ قاتم ومستقبل مجهول
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مارس-1987
مشاهدات 25
نشر في العدد 808
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 10-مارس-1987
- معظم الدول الإسلامية تؤيد اليونان ضد الأتراك لأنها تنطلق في سياسة التوازن حسب مخطط ذاتي والشعوب الإسلامية لا تملك من أمرها شيئًا.
لا تزال قضية مسلمي قبرص تثير جدلًا في الأوساط الدولية. فما هي الحقيقة التاريخية لهذه المشكلة؟
قبرص أكبر جُزر البحر الأبيض المتوسط، وأقربها إلى ساحله الشرقي، تبعد عن ساحل تركيا الجنوبي مسافة 65 كلم وعن الساحل السوري 90 كلم وعن الساحل المصري 400 كلم وعن سواحل بلاد اليونان 900 كلم ويبلغ طولها 235 كلم وعرضها 90 كلم وتبلغ مساحتها 9251 كيلومترًا مربعًا أي تقرب مساحتها من مساحة لبنان.
أهمية الجزيرة
تكمن أهمية الجزيرة في موقعها الذي لفت أنظار الطامعين بالتوسع منذ القدم وحتى أيامنا هذه، وبما أنها لم تخضع لحكم واحد منذ القديم، فقد فكر كل خِصم في احتلال الجزيرة ليتخذها قاعدة يهاجم منها عدوه، وعندما خضعت الجزيرة للعثمانيين في العصور الحديثة فكرت الدول الأخرى في السيطرة عليها لتستطيع منها تحقيق أغراضها في الدولة العثمانية، وبخاصة عندما أصابها الضعف في أواخر أيامها، كما فكر الصليبيون من قبل في جعلها قاعدة ينطلقون منها إلى السواحل الإسلامية، وتكون في الوقت نفسه مركزًا لتجمع جيوشهم ومكانًا لانطلاقها.
وفي السنوات الأخيرة احتفظ الغربيون بقواعدهم فيها لجعلها جزءًا من نطاق يحيط بجنوب المعسكر الشرقي، كما بدأ الشرقيون يفكرون في دحر الغربيين منها وكسب مركز لهم في شرق البحر الأبيض المتوسط، تكون قبرص نقطة الانطلاق، منه وإليه.
انتشار الإسلام
على الرغم من أن الخليفة «عثمان بن عفان» لم يكن راغبًا في بادئ الأمر في الحرب البحرية فقد كان «معاوية بن أبي سفيان» أول من جهز حملة على قبرص في سنة 68- 649م، وتمت هذه الغارة بنجاح كبير فقد أنزل العرب جنودهم إلى الشاطئ وحاصروا عاصمتها قسطنطينا، وبعد مقاومة قصيرة استولوا عليها ووقع في أيديهم كثير من الأسرى وتم الصلح بين العرب وأهالي قبرص على أن يدفعوا جزية سنوية قدرها 7200 دينار، وبعد سنين قليلة أخل القبرصيون بتلك الشروط فصمم معاوية على استخدام أسطوله مرة أخرى ليحرم الروم استغلال قبرص، ولذلك خرج الأسطول العربي عام 654م واستولى على الجزيرة، ولم يكتف المسلمون في هذه المرة بالغزو فقط، بل إنهم ظلوا بالجزيرة حتى فتحوا البلاد، وانتهى الأمر بين الطرفين بإقرار شروط الصلح، وأرسل معاوية إلى الجزيرة اثني عشر ألفًا من الجند كما نقل إليها جماعة من أهل بعلبك، وبقي هؤلاء وأولئك بقبرص حتى قيام الدولة الأموية سنة 660م.
وعندما استلم الأمويون الحُكم بدأت الهزات تُصيب حُكمهم بسبب الثورات المتكررة والمطالبة بالحُكم من قِبَل فتات عديدة، وأصبح توطيد دعائم الحكم أهم شغل «شاغل» الأمويين. لذلك كان همهم ضمان حياد بعض القواعد أو عدم منازلتها وبقائها بعيدة عن التعاون مع الأعداء، وكانت قبرص إحدى هذه القواعد التي سعى الحكام لفرض الجزية عليها وحاول جوستنيان عام 75 هـ (693م) الكر على المسلمين أثناء اختلافهم على الحُكم أيام عبدالملك بن مروان، فطرده أهل قبرص من جزيرتهم، ولكن الروم استطاعوا دخولها بعد حين.
زالت دولة الأمويين وجاءت دولة بني العباس 132هـ (750م)، وكانت في أول عهدها قوية، ولكنها لم تختلف عن سابقتها في محاولة توطيد دعائم حُكمها والمحافظة على وضعها، فاستمر وضع قبرص على ما كان عليه أيام الأمويين من غارات ومعاهدات من قِبَل المسلمين والروم.
ثم ضعفت الدولة العباسية، وتسلُط العسكريون عليها، وانفصلت الولايات عن جسم الدولة، وطمع الصليبيون في البلاد وثار حقدهم الدفين، وخاصة بعد أن خابت أمالهم في الأندلس أمام قوى المرابطين والموحدين، فجاءت جحافلهم من الغرب تقتل الأبرياء وتفتك بالأمنين وتهلك الزرع والضرع، وبلاد الإسلام منقسمة على أمرها مجزأة بين حُكامها، وفي هذه الحملات استولى ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا على قبرص عام 587هـ (1191م) وهو في طريقه إلى الشام ليتخذ منها قاعدة لمد الصليبيين في الشام بالمساعدات الحربية.
وبعد إجلاء الصليبيين عن الشام 692هـ (1292م) تجمعت القوى الصليبية الباقية في الشرق كلها في جزيرة قبرص واتخذتها مقرًا لها، كما أصبحت شواطئها ملجأ للقراصنة الذين يغيرون على السُفن الإسلامية التي تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، مما سبب المتاعب لدولة المماليك في مصر، التي كان لها فضل كبير في طرد الصليبيين من ديار الإسلام.
وفي عهد السلطان المملوكي برسباي بدأت الحملات المملوكية لفتح قبرص، وكان هدف تلك الحملات إضعاف الروح المعنوية عند القبارصة، واضطرت، أخيرًا قبرص أن تدفع الجزية لمصر، وإن بقيت تحت حُكم الصليبيين، وأخيرًا استطاعت جيوش البنذية أن تحتل قبرص وأن تحكمها وذلك عام 895هـ (1489م)، وبقيت تحكمها حتى دخلها العثمانيون عام 979هـ- 1571م وبقي العثمانيون في قبرص ثلاثة قرون تقريبًا عملوا من بدايتها على توطيد دعائم الإسلام في الجزيرة.
وعندما احتلت إنجلترا قبرص وأكثر سكانها من المسلمين فعملت قبل كل شيء على إضعاف المسلمين بتشجيع النصارى من بلاد اليونان على الهجرة إليها مادامت تضم عددًا منهم وذلك في سبيل زيادة نسبتهم، وفي الوقت نفسه ضيقت على أقلية الأتراك حتى تتخلى عنها وتهاجر منها، وقد تم هذان الأمران، وقَلّ المسلمون، وانخفضت نسبتهم وزاد عدد النصارى وارتفعت نسبتهم، واستمرت إنجلترا في هذا العمل حتى اندلعت نار الحرب العالمية الأولى (1914م) كل هذا وجزيرة قبرص تتبع الدولة العثمانية اسمًا.
وعرضت إنجلترا على اليونان ضم جزيرة قبرص مقابل دخولها مع الخلفاء في الحرب ضد ألمانيا، وذلك بعدما أنهت إنجلترا إلحاق قبرص الاسمي بتركيا، وضمها مباشرة إلى ممتلكات التاج البريطاني، ومنذ ذلك الوقت والقبارصة اليونانيون الذين غدوا أكثرية في عهد السيطرة الإنجليزية يطالبون باستقلال الجزيرة وإلحاقها بالأرض اليونانية، وقد عملت إنجلترا منذ دخولها الأرض القبرصية على إضعاف المسلمين وإذلالهم وتهجيرهم واستقدام غيرهم من نصارى اليونان.
الاضطرابات في الجزيرة
اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939م، واتخذت قبرص قاعدة حربية للحلفاء، وجعل الإنجليز من الجزيرة قاعدة تجارية لنشاط اليهود لنشر الفساد والتأثير على العقيدة بالنسبة للمسلمين.
وأثناء الحرب العالمية الثانية زار رئيس الوزراء البريطاني تشرشل قبرص عام 1934م وسمح بقيام الأحزاب السياسية فيها، وقد تشكلت إثر ذلك عدة أحزاب سياسية في الجزيرة هي: حزب الوطنيين، حزب المزارعين، حزب الاشتراكيين، الحزب الشيوعي.
وانتهت الحرب العالمية الثانية (1945م) وذهب وفد قبرصي للمطالبة بحق تقرير المصير لقبرص، وبرز على المسرح السياسي في هذه المُدة المطران مكاريوس الذي انتخب رئيسًا لأساقفة قبرص (1947م) وحاولت اليونان عرض القضية القبرصية على الأمم المتحدة ثم حاول المطران مكاريوس ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، فبدأت أعمال التخريب لتوجيه النظر العالمي إلى هذه الجزيرة، وعُرضت القضية (1954م) لكن لم تحصل على نتيجة مُرضية بالنسبة إلى اليونان، كما فشل المؤتمر الثلاثي في لندن عام (1955م) في التوصل إلى نتيجة ترضى عنها الأطراف المعنية كافة.
واشتد ساعِد اليونانيين فلجأوا إلى أعمال العنف ضد الإنجليز الذين بيدهم القوة، والذين يقفون في وجه الاستقلال، وضم الجزيرة إلى اليونان حسب مصالحهم الخاصة، ثم ضد المسلمين الذين يخشون على أنفسهم من وقوعهم تحت رحمة اليونانيين الحاقدين كالإنجليز مثلًا، وتدفقت الأسلحة من اليونان إلى قبرص بشكل واسع لتسليح القبارصة النصارى.
ومن ثم التقى المتطرفون من حركة «إينوسيس» مع بعضهم بعضًا وكونوا منظمة إيوكام أي الجبهة الوطنية لتحرير قبرص، وتُمثل هذه المنظمة ثلاثة أقسام: 1- القسم السياسي. 2- قسم التنسيق. 3- قسم التنفيذ.
مواقف الأطراف المعنية: اليونان
ترى اليونان أن أكثرية السكان في الجزيرة من اليونانيين، ولهم حق تقرير المصير، وأن معظمهم يرغبون في الانضمام إلى أرض اليونان الأم والانضواء تحت حكمها، وأن بريطانيا تحول دون ذلك، وهي صاحبة السُلطة الفعلية في الجزيرة، كذلك تفعل تركيا وذلك بغية ابتلاع الجزيرة في المستقبل.
تركيا
وترى تركيا أن الأكثرية التي تقطن الجزيرة من أصل قبرصي، وقد هاجرت إليها في المدة الأخيرة من العصور الحديثة أثناء الحُكم الإنجليزي الذي سيطر عليها بتشجيع منه ولأسباب خاصة، لذا فليس لهذه العناصر الدخيلة الحق في تقرير المصير، وإنما الحق كل الحق للسكان الذين من أصل قبرصي.
إنجلترا
ترى إنجلترا أن من مصلحة الغرب عمومًا وحلف الأطلسي خصوصًا بقاءها في الجزيرة، وهذا ما لم تصرح به وإنما ترى أن بقاءها مدعاة لاختلاف تركيا واليونان اللتين هما عضوان في حلف الأطلسي.
الدول العربية
ترى هذه الدول رأي إنجلترا في الاستقلال وبقاء القواعد فيها مع الحرص على عدم وقوع خلاف بين تركيا واليونان اللتين تسيران مع الغرب، ولكن هذه الدول تساير اليونان.
الدول العربية والإسلامية
بما أن معظم الدول الإسلامية تسير في سياسة التوازن لا حسب مخطط ذاتي ينبع من سياستها الخاصة لذا فهي عمومًا تؤيد اليونان ضد الأتراك، والشعوب الإسلامية لا تملك أمرها فهي لا تستطيع عمل شيء وتقول حكوماتها أن الاختلاف ليس بين الإسلام والنصارى، وإنما بين الأتراك واليونانيين وكلاهما غربي وأجنبي.
محطات في الأزمة القبرصية اليوم
● في 5 آذار (مارس) 1959م تشكلت أول وزارة قبرصية ضمت 11 وزيرًا سبعة منهم من اليونانيين وأربعة من الأتراك.
● تقرر أن يكون استقلال قبرص في 16 شباط (فبراير) 1960 لكنه تأخر حتى 16 آب (أغسطس) من العام نفسه بسبب الخلاف بين إنجلترا وحكومة قبرص على مساحة القواعد الإنجليزية على الأرض القبرصية.
● قامت معارك دموية بين الأتراك واليونانيين عام 1963م.
● كان البرلمان القبرصي عام 1965م يتألف من 50 نائبًا منهم 15 من الأتراك و35 من اليونانيين.
● في عام 1967عادت الأحداث الدموية بين الأتراك واليونانيين وفي أوائل 1970م وقعت محاولة لاغتيال المطران مكاريوس.
● حدثت نزاعات دموية ما بين الأتراك واليونانيين أدت إلى استقلال كل فئة بالمنطقة التي تسيطر عليها.
عدد السكان
كان عدد سكان قبرص عام 1890م أي بعد دخول إنجلترا الجزيرة باثني عشر عامًا: 60.000 نسمة من الأتراك، 20.000 نسمة من اليونان، 80.000 نسمة المجموع.
بينما أصبح عدد السكان عام 1960م أي بعد ما يقرب من 70 عامًا من السيطرة الإنجليزية:
104,183 نسمة من الأتراك.
448.043 نسمة من اليونان.
552,226 نسمة المجموع.
وفي عام 1979 بلغ عدد سكان قبرص 620.000 نسمة، واليونانيون 82% من السكان والأتراك 18% والكثافة السكانية في الميِل المربع الواحد 73,6 شخص.
وأما عدد سكان قبرص الآن فيبلغ 668.000 نسمة ولغاتها اليونانية والتركية والإنجليزية ودياناتها: الأرثوذكس 77% والمسلمون 18%.
وأخيرًا فإنه يجب أن تكون قبرص- من وجهة نظر إسلامية- موضع اهتمامنا ومحط تفكيرنا إلى جانب قضايانا الأخرى الكثيرة، فهي من ناحية قضية إسلامية يلاقي المسلمون فيها الخسف والمذلة والهوان، ويذبحون ولا ذنب لهم سوى أنهم مسلمون، وهي من ناحية ثانية ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى بلادنا بموقعها ومركزها، وهي من ناحية ثالثة قضية إنسانية يجد فيها جماعة من الناس كل ضغط وعذاب بسبب أنهم أقل عددًا من أعدائهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل