العنوان مسيرة الشهداء.. مسيرة حماس.. استعراض الحق والقوة والحرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989
مشاهدات 94
نشر في العدد 905
نشر في الصفحة 28
السبت 18-فبراير-1989
في يوم الثلاثاء 20/9 قامت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بمسيرة داخل البلدة القديمة بنابلس شارك فيها حوالي (٣٥٠) شخصًا، واستمرت حوالي ساعة، تخللها التكبير والهتافات وقراءة البيانات والتوجيهات ومئات الأعلام والرايات السوداء واللباس الموحد المذهل والنظام والانضباط والتصوير والأبواق، وفيما يلي تفاصيل المسيرة.. كما يرويها أحد شباب «حماس» الذين شاركوا فيها...
في يوم الثلاثاء 20/9 تجمعنا وكنا حوالي (٣٥٠) شابًا، وبكل هدوء وبدون لفت الأنظار في إحدى
مناطق البلد القديمة التي لا تشهد حركة، وخلال الخمس دقائق الأولى من التجمع كنا جميعًا قد ارتدينا الزي الموحد وهو عبارة عن قميص أسود طويل بدون أكمام وقناع أزرق عليه ربطة خضراء كتب عليها إحدى العبارات الإسلامية مثل لا اله إلا الله محمد رسول الله «حركة المقاومة الإسلامية» «حماس»، «الله اكبر ولله الحمد» وبدأت في نفس الوقت إحدى المجموعات تجهز الرايات والأعلام؛ حيث كان هناك أكثر من مائة علم، ومثلها من الرايات كتب عليها عبارات إسلامية وعدد من الرايات الخضراء أيضًا، وبعد توزيع الأعلام والرايات انطلقت المسيرة بصفين طويلين وبخطى عسكرية إلى داخل البلدة القديمة من نابلس.
وفي بداية المسيرة كان هناك راية سوداء يزيد طولها عن خمسة أمتار كتب عليها: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).
مسيرة الشهداء
حركة المقاومة الإسلامية تنعي بمزيد من الفخر والاعتزاز شهداء فلسطين، وتعاهد الله عز وجل على مواصلة الجهاد حتى تحرير كامل تراب فلسطين من البحر إلى النهر «حماس».
وكان هناك من الأعلام ما زاد طوله عن أربعة أمتار، وكان هناك أربعة من الشباب الأبطال يلبس كل واحد منهم قميصًا طويلًا من ألوان العلم الفلسطيني الأحمر والأخضر والأبيض والأسود، ويقفون بين الصفين على امتدادهما، ويحملون أبواقًا في أيديهم، وكان حول الصفين بجانب بعضهما حوالي (۳۰۰) متر.
وانطلقت المسيرة التي كانت تحتوي في مقدمتها على فرقة من أشبال حماس بلباس مميز عن الجميع، انطلقت تشق عنان السماء بالتكبير والتهليل والهتافات الإسلامية، مثل الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، خيبر خيبر يا يهود.
جيش محمد سوف يعود، اسمع يا جيش اليهود... ديني علمني الصمود، قسمًا بالله الجبار... لتعودي یا دار.... باسم الدين على فلسطين... ينفر الغدار، لا إله إلا الله محمد رسول الله.... عليها نحيا... وعليها نموت.... وفي سبيلها نجاهد.... وعليها وبها نلقى الله، دم الشهداء يا رابين.... أزهر بين البساتين، بالمطاطة والمقلاع.... حطم بني قنيقاع، هو الحق يشد أحفاده ويستعد للموقف الفاصل.. بالروح بالدم.... نفديك يا شهيد.
وكانت المسيرة تقف بين الحين والآخر لتلاوة بيان الحماس أو لقراءة الفاتحة على أرواح شهداء فلسطين والإسلام.
ومن الملاحظ أن الناس كانوا يتوافدون من خارج البلدة القديمة بكثرة وبسرعة؛ كي يشاهدوا استعراض حماس استعراض الحق والقوة والحرية، وتوقفت الحركة التجارية، ووقف الناس على الأرصفة؛ كي يشاهدوا هذا الاستعراض الذي لم يسبق له مثيل قطعًا في العدد والانضباط واللباس الموحد والهتافات والموعد، وانطلقت زغاريد النساء بأعلى أصواتهن اللواتي يبكين من الفرحة لمشاهدة هذه الجموع المؤمنة الصامدة، وأخذن بالدعاء للشباب أيضًا.
وخوفًا من اقتحام العدو الصهيوني للبلدة القديمة وقت الاستعراض، فقد كان هناك فرق استطلاع وحماية ترابط على مداخل البلد لمراقبة تحركات العدو الصهيوني، وأثناء سير المسيرة حاول البعض من الفئات الأخرى عرقلة المسيرة بإطلاق إشاعات أن العدو الصهيوني قد أتى ويهربون من جانب المسيرة؛ كي يحدثوا الفوضى والبلبلة، ولكن وبحمد الله بقيت المسيرة مستمرة.
وفي حدود الساعة العاشرة، وصلت المسيرة إلى المكان الذي بدأت منه بعد أن قطعت حوالي 3 كم، بدأ الشباب بخلع ملابس الاستعراض، وإذا بجنود العدو يهجمون على مقدمة المسيرة بفرقة تتكون من حوالي ٢٤ جنديًا مدجج بالسلاح، وأخذوا يطلقون النار الحي والمطاطي والبلاستيك على الشباب بكثافة، وهنا تعالت الهتافات والتكبيرات والتحمت الأيدي بالحجارة؛ لتقذفها حممًا ملتهبةً كالمطر الغزير على رؤوس الأعداء، ولم يلقوا باًلا بالرصاص المتطاير هنا وهناك، مما أجبر اليهود على التراجع والانسحاب، ورغم خطورة الموقف وحساسيته أصر بعض الأخوة على جمع الملابس والرايات والأعلام من الأفراد ومن على الأرض؛ حيث كانت هناك بعض الأغراض واستطاعوا جمعها بالرغم من تواجد اليهود في بعض المناطق على بعد ١٥م من الشباب فقط ومع ذلك استطاعوا جمعها وإخفاءها عن عيون الأعداء الذين عادوا بقوة، ولكن وبحمد الله وفضله لم يستطيعوا أن يمسكوا أحدًا، بينما أصيب سبعة برصاص العدو بجراح ليست خطيرة، ولم يستطيعوا حتى الإمساك بعلم أو راية.
هذه المسيرة المباركة زادت من شعبية حركة المقاومة الإسلامية «حماس»؛ مما دفع بعض إخواننا في الاتجاهات الأخرى إلى إطلاق الإشاعات عن المسيرة، وأخذوا يعدون العدة لعمل مسيرة مماثلة، وأخذوا يحشدون العدد والعدة.
وانتشر الخبر بين الناس بأن موعد مسيرة القيادة الوطنية هو يوم الأحد «لاحظ عدم السرية».
وبالفعل وفي يوم الأحد وفي نفس الوقت خرجت مسيرة القيادة الوطنية الموحدة التي شارك فيها (١٦٢) شخصًا فقط تعم الفوضى صفوفهم وبدون ترتيب، ويلبسون العديد من الألبسة غير الموحدة، ويحملون «العصي والبلطات والسيوف»، وصور لبعض زعماء م . ت . ف، والأدهى والأمر بأنهم كانوا قد أحضروا الصحافة الإسرائيلية لتصوير المسيرة، وهم مخابرات صهيونية بالتأكيد، وما كادت المسيرة تمشي حوالي (۱۰۰) متر إلا، وفاجأهم العدو من عدة أماكن «لم يكن هناك حماية واستطلاع وألقوا ما في أيديهم وهربوا إلا من رحم ربي، وقليل ما هم، وكان أفراد حماس موجودون، فأخذوا يدافعون ويرشقون الحجارة على العدو الصهيوني؛ كي يحموهم، وأصيب عدد من أفراد حماس وبعضهم إصابات خطيرة استلزمت إزالة إحدى الكليتين وطرف الكبد وغيرها من الإصابات، وأخذ اليهود- لعنهم الله- بجمع الأدوات، وأخذ بعضهم يبول ويمشي على الأعلام والصور، وخرج اليهود من البلد إلى الدوار الرئيسي وهم يلوحون بالعصي والبلطات والصور والسيوف وهم يضحكون، وهذا مرجعه- وللأسف إن إخواننا في الاتجاهات الأخرى لم يفطنوا لأهمية المباغتة والسرية، واهتموا بموضوع الإعلام والصحافة.. وللعلم فإن هذه المسيرات، شبه العسكرية، تنظمها «حماس» في معظم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة من أجل إرهاب الأعداء.. ودفع همة الناس وبث الأمل في نفوسهم... وفي المرات السابقة التي كنا نقوم فيها بمسيرات جماعية، وعندما كنا نقول: «خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود» كان الجنود يردون علينا بسماعات سياراتهم العسكرية: «محمد مات.. خلف بنات».
ولكننا وكل إخواننا في فلسطين وبجميع القطاعات والاتجاهات سنصمد حتى آخر قطرة من دمائنا، ولن نتنازل عن شبر واحد من فلسطين، مهما غلا الثمن وعظمت التضحيات.. فكل شيء له ثمن.. وثمن فلسطين هو دماؤنا. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (الأنفال:10)، ﴿يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 5).