; بلا حدود- مسيرة النفق المظلم | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود- مسيرة النفق المظلم

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 71

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

«إننا نشعر بأن العرب واليهود أبناء عمومة في العرق، وقد عانى الشعبان القمع والاضطهاد على يد قوى أقوى منهما بكثير، والواقع أن أيًّا من الطرفين لا يمكن أن يحرز نجاحًا كاملًا دون الآخر»، كان هذا ما كتبه الأمير فيصل شقيق الملك عبد الله جد الملك حسين في أعقاب لقائه في مارس عام ١٩١٩م مع «حاييم وايزمان» الذي أصبح أول رئيس للكيان الصهيوني في أعقاب الحرب العالمية الأولى «١٩١٤ – ١٩١٨م».

كان هذا ما ذكره شيمون بيريز وزير الخارجية «الإسرائيلي» في 1994/7/20م، ونقلته الإندبندنت البريطانية، حيث كان هذا هو بداية مسيرة النفق المظلم التي بدأتها الأردن حتى قبل إعلان ولادة المملكة الأردنية، لذلك لم تكن مصافحة الملك حسين لرئيس الوزراء «الإسرائيلي» إسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض في ٢٥ يوليو الماضي تدل على أنها المصافحة الأولى أو اللقاء الأول، بل بدت الصورة وكأنها التقطت قبل فترة طويلة، وظلت مخبأة حتى تم تحميضها وطبعها ونشرها في الخامس والعشرين من يوليو ١٩٩٤م، وقد اعترف الملك حسين أخيرًا أنه التقى كافة رؤساء وزراء إسرائيل السابقين باستثناء مناحيم بيجن. 

أما مسيرة النفق المظلم مع الصهاينة، والتي بدأها الأمير فيصل عام ١٩١٩م فقد أعقبتها بريطانيا عام ١٩٢١م بإعلان ولادة إمارة شرق الأردن، وكان «ونستون تشرشل» إبان توليه منصب وزير المستعمرات البريطاني يتباهى بأنه صنع الكيان الأردني في أمسية يوم واحد.

وعلى خطى فيصل سار الملك عبد الله جد الملك حسين، حيث التقى في  نوفمبر عام ١٩٤٧ مع «جولدا مائير» التي أصبحت رئيسة وزراء «إسرائيل» بعد ذلك، حيث تنكرت في زي امرأة عربية، واجتمعت مع الملك عبد الله على الحدود بين الأردن وفلسطين، واستقبلها مرة أخرى في مايو ١٩٤٨م.

وبعد ذلك التقى «موشى شاريت» وزير الخارجية «الإسرائيلي» الملك عبد الله في مايو ١٩٤٩م، حيث كانت الأردن أول دولة عربية تعلن في أبريل 1949م استعدادها للموافقة على الهدنة، وفي 7 سبتمبر ١٩٥٠م اجتمع الملك عبد الله في عطن مع «والتر إيتان»- وهو ديبلوماسي إسرائيلي رفيع في ذلك الوقت– وفي ٢٠ يوليو ١٩٥١م اغتيل الملك عبد الله في القدس على يد فلسطينيين اتهموه بالتفريط في فلسطين وقضيتها، وقد كان الملك حسين في ذلك الوقت لا يزال شابًّا يافعًا لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، وكان يرافق جده الذي اغتيل أمامه، كما أصيب هو الآخر برصاصة أثناء عملية الاغتيال كادت أن تودي بحياته، لولا اصطدامها بالوسام المعدني الصلب الذي كان يرتديه على صدره، وعلى خطى جده سار الملك حسين بعدما ثبت أن والده طلال بن عبد الله كان يعاني مرضًا لم يسمح له بالبقاء في الحكم إلا زهاء ستة أشهر، تولى بعدها الملك حسين عرش المملكة الأردنية في العام ١٩٥٢م.

واستؤنفت الاتصالات مع الصهاينة في العام ١٩٦٣م، عندما التقى الملك حسين مع مندوب عن رئيس الوزراء «الإسرائيلي» في ذلك الوقت «ليفي أشكول»، يدعى«مياكوف هرتزوج»، وفي ديسمبر ١٩٦٧م عقد وزير الخارجية «الإسرائيلي» آبا إيبان لقاءً سريًّا مع الملك حسين، وذكر آبا إيبان في تقرير نشرته «الحياة» في ٢٧ يوليو ١٩٩٤م، أنه اجتمع سرًّا مع الملك حسين بين ١٩٦٨ و ١٩٧٤م سبع أو ثماني مرات، وقد شاركت «جولدا مائير» في بعض هذه الاجتماعات، وشارك «إيجال آلون» في بعضها الآخر.

وفي ٢٥ سبتمبر ۱۹۷۳م قام الملك حسين بزيارة سرية إلى تل أبيب التقى خلالها مع «جولدا مائير»- رئيسة الوزراء- و«موشي دیان»- وزير الدفاع- وفي ٢٣ أغسطس1977م عقد اجتماع سري في لندن بين الملك حسين وموشى ديان الذي كان وزيرًا للخارجية في حكومة بيجن، وذلك في محاولة لإيجاد اتفاقية سلام ثنائية مبكرة بين البلدين.

وفي الفترة من ١٩٨١م إلى1987م عقدت اجتماعات متعددة بين مسؤولين بارزين من كلا البلدين، أما في أغسطس  ۱۹۹۰م فقد اجتمع الملك حسين مع إسحاق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي في منطقة صحراء عرافا بعد الغزو العراقي للكويت، وتكررت لقاءاته مع شامير بعد ذلك في لندن في يناير ۱۹۹۱م وعلى هامش مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991م وفي ٢٦ سبتمبر ۱۹۹۳م التقى رابين مع الملك حسين على ظهر اليخت الملكي في خليج العقبة، واستمرت المباحثات بينهما سبع ساعات، أكد رابين للملك حسين خلالها أن مصالح الأردن ستبقى مؤمنة، وأن اتفاق غزة أريحا ليس أكثر من جسر سياسي يؤدي إلى تطبيع العلاقات مع الأردن، وفي ٢ يونيو 1994م التقى الملك حسين مع شيمون بيريز في لندن، ثم كان اللقاء العلني بين رابين والملك حسين في البيت الأبيض في ٢٥ يوليو الماضي ليتوج به مسيرة أكثر من سبعين عامًا من اللقاءات السرية الأردنية الصهيونية.

وقبيل توقيع الملك حسين لاتفاقه مع رابين في البيت الأبيض، وقف مسؤول أردني كبير يشرح للصحفيين سر انتقال اللقاءات الأردنية– الصهيونية من السرية إلى العلنية، فقال: «إن موافقة الملك حسين على الالتقاء برابين جاء حصيلة اقتناع راسخ بأن إسرائيل هي التي تحكم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وإن الدولة الصهيونية هي مدخل الأردن إلى واشنطن، وليس العكس». 

ومع دخول الأردن علنًا إلى مسيرة النفق المظلم عن طريق واشنطن كما فعل السادات، ومن بعده عرفات، بدأت إسرائيل فتنتها الأولى بالإيقاع بين الفلسطينيين والأردنيين، حينما صرح رابين بأن الأردن هو المخول بالإشراف على المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، وفي ذلك إهانة مدروسة إلى ياسر عرفات الذي لا زال يهرطق- من آن لآخر- حول القدس معتقدًا بأنه لا زال أمامه مجال للمزايدة.

لكن المكسب الرئيسي للكيان الصهيوني من وراء اتفاقه مع الأردن هو تأمين حدود الكيان الصهيوني رسميًّا مع الأردن، بعدما تم تأمين الحدود مع مصر من قبل، ولم يعد هناك سوى سوريا ولبنان لتبتلع «إسرائيل» بعدها كل فلسطين، وقد عبر وزير الخارجية الأمريكي عن ذلك صراحة حينما تحدث عن نتائج مسيرة النفق المظلم التي سارت فيها الأردن، قائلًا: «إن التحرك الأردني الأخير قد غير الخريطة السياسية للشرق الأوسط«.

الرابط المختصر :