; مشاعر رمضانية (٢ من ٤) العطش | مجلة المجتمع

العنوان مشاعر رمضانية (٢ من ٤) العطش

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008

مشاهدات 69

نشر في العدد 1818

نشر في الصفحة 59

السبت 06-سبتمبر-2008

تغوص قدماه في رمال الصحراء وهو يحاول المشي تائهاً، يلتفت حائرًا وسط فضاء أرضي لا نهاية له.. لا علامة تهديه، ولا إشارة توجهه، صحراء قاحلة لا عشب فيها ولا ماء.. رمال بعد رمال خلف رمال فوق رمال.

وشعر بلفح الظهيرة حين توسطت الشمس كبد السماء، وبدأ العرق يخرج معه بقايا قوته، ومخزون ريه..  وبدأ الظمأ يزداد ويزداد ويزداد. 

أيبقى في مكانه ليزداد همه، أم يمشي حيران بلا هدف ليزداد تعبه؟ أين الطريق؟! أين الطريق الذي يهديه، إلى الماء؟

أين الناس، لعل أحدهم يرويه، أو يهديه إلى الماء؟ أين أدوات الدليل، لا خارطة لا بوصلة، لا كتاب؟! أصبحت شفتاه كالخشب ورأسه تغلي من ضربة الشمس، يمشي، يقف، يلتفت، يعرق، يلهث، ييأس، يرمي بنفسه على الأرض ويكور جسده، ويضع ذراعه فوق عينيه ينتظر الموت. 

فجأة يفتح عينيه مندهشًا ليرى نفسه راقدًا على فراشه، وقد بله عرقه، وتبخر لعابه، ولكن سرت في جسده قشعريرة الحياة، إنه حي، أخذ ينظر إلى جدران الحجرة ليتأكد من أنه موجود، وحرك أصابع قدميه ليتأكد من وجودها! يا الله.

أخذ يفكر فيما رآه في منامه، هل الحياة إلا مثل عطش الصائم في رمضان، ظمآن يتلهف على الماء، أو حيران يبحث عن الحق وهناك عطش لماء الحرية، أو ماء الكرامة، أو ماء الحياة، أو ماء الإيمان.

رجع بجسده إلى الخلف وأشعل المصباح، وأخذ يسترجع الرحلة القاسية التي كأنها خلفت وعثاء السفر وحبات الرمل على القدمين!

لابد للظمآن من هداية وهاد ودليل وكتاب، لن يجد وحده الماء في رحلة الحياة، لا يستطيع أن يعيش بمفرده وتكتب له النجاة، إن من يمشي بلا هدى لن يجد في النهاية إلا سراب الصحراء يحسبه ماء ويأتيه ملتمسًا ماء يستغيث به من عطشه فلا يجد شيئًا.

رمق من بعيد صورة أسرته على «السراحة»، ومد يده إلى المصحف الشريف، عرف كيف يشرب، علمه عطش الصيام ألا يعيش لنفسه، وأنه لا يستطيع السير في الطريق إلا بالهداية.

الرابط المختصر :