; مشاهد اجتماعية من ميدان الحرية | مجلة المجتمع

العنوان مشاهد اجتماعية من ميدان الحرية

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011

مشاهدات 54

نشر في العدد 1939

نشر في الصفحة 38

الأربعاء 02-فبراير-2011

يشهد العالم - الآن - في المجتمع المصري صوراً اجتماعية حضارية مبهرة، نرى شباباً أنيقاً مهندم الملبس، ينساب حديثه بشكل طبيعي دون تكلف، يعكس قدراً كبيراً من الوعي الاجتماعي والسياسي والحضاري والاقتصادي، ويؤكد حضارة مصر العريقة التي تمتد بجذورها التاريخية إلى آلاف السنين، كما يثبت عاطفة هذا الشعب العظيم، وما تميز به أهل هذا المجتمع من كرم، وحب، وإيمان، وبث الأمن، وصبر وجلد، وشجاعة، والإبداع في الدعابة وخفة الروح حتى وقت الشدة.

وفي السطور القليلة القادمة سوف أحاول أن التقط بعض الصور الاجتماعية تجسد المشهد المصري الذي يؤكد عظمة الشعب المصري العريق.

اللجان الشعبية

فمنذ اللحظة الأولى من اندلاع ثورة الشباب، وفراغ الحياة المصرية من رجال الأمن، وانتشار الفزع والترويع للمواطنين في بيوتهم وفي الشوارع بسبب المارقين و «البلطجية»، الذين دفعوا أو اندفعوا لترويع الشعب وإرهابه.. أقول: منذ هذه اللحظة رأينا شباب مصريسد الفراغ الأمني بجدارة فيحرس البيوت ويبث الأمن والطمأنينة في نفوس المواطنين، وينظم المرور.. وبالنظر إلى مثل هذه الثورة، وتلك الأحداث في بلاد أخرى يستطيع الإنسان أن يدرك فرقا كبيراً بين أداء الشعب المصري في هذه المحنة وبين أداء الشعوب الأخرى في ظروف متشابهة هذا الشعب المصري العظيم الذي ظلم كثيرا من نفسه وغيره، فما أكثر ما اتهم بأنه شعب فوضوي، وسلبي، وغوغاني، وها هو ذا الآن يثبت للعالم أجمع أنه حفيد حضارة عظيمة.

الفنانون واللجان الشعبية

ففي صفحتها على الـــــFacebook ، اتهمت الفنانة «إسعاد يونس» «البلطجية» بترويع المواطنين، ونقل موقع «إيلاف» عن الفنان «خالد صالح» سعادته بما حققه الشباب كما أكد مشاركته شخصيا مع الشباب من جيرانه في حي المقطم، حيث يقول: «لما اندلعت أعمال السرقة والنهب على إثر انسحاب الشرطة فجأة من الشوارع، انضممت إلى اللجان الشعبية وكونت مع جيراني في حي المقطم مجموعات تتناوب السهر ليلا، الحماية المنازل والممتلكات العامة والخاصة.. وكانت لنا إشارات نتفق عليها مع السكان للتعرف عليهم وتمييزهم من الغرباء والتأكد من أنهم من قاطني المنطقة».

كما شارك الفنان «أحمد عز» في اللجان الشعبية، حيث يذكر أنه كان يسهر أمام منزله مع الشباب، وأشار إلى دور اللجان الشعبية في ضبط الأمور، وأنها كانت أكثر حزماً من الشرطة، كما شارك فنانون كثيرون في ذلك، وشاركت أطياف الشعب المصري جميعها في هذا الشرف.

عيادات ميدانية

فور وقوع إصابات - وربما قبلها - بادر شباب مصر بإقامة المشافي والعيادات الميدانية بميدان التحرير، وشكلت فرق من الأطباء والممرضين لإسعاف الجرحى والمصابين، وقدم هؤلاء خدمات قيمة للمصابين، برغم ضعف الإمكانات وصعوبة الظروف، حيث قدموا الأكسجين لحالات الاختناق، وضمدوا الجراح، ونقلوا الحالات الحرجة إلى المستشفيات الأخرى، وقد قام اتحاد الأطباء العرب وسائر طوائف الشعب المصري بدور عظيم في مساعدة هؤلاء الأطباء، يقول د. هشام بكر وهو من المتخصصين في الجراحة بمستشفى قصر العيني، وأحد الأطباء الميدانيين: «كان لدينا نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية لكن عديدا من طوائف الشعب استجابت لمطالبنا وزودتنا بالأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى الدور الذي يلعبه اتحاد الأطباء العرب في إقامة عديد من العيادات الميدانية المتنقلة وفتح خط مباشر لتزويد الأطباء بالمستلزمات الطبية والأدوية».

عقد قران في الميدان

من بين المشاهد التي أخذت بالقلوب والألباب هذا العُرس المليوني الإبداعي، حيث شهده جمهور كثيف، فقد حضر شاب مع عروسه وأهله لعقد الزواج بميدان التحرير يقول العريس ياسر إبراهيم وهو مهندس لقد اتفقت مع أهلي وأهل العروس على أن نعقد زواجنا بميدان التحرير وسط جموع الشعب، كي تظل تلك اللحظة التاريخية محفورة في تاريخنا خلال الأيام المقبلة، كي تخرج الحياة الجديدة من رحم الثورة.. ولقد وجدت ترحيباً كبيراً من أهلي وأهل العروس بتلك الخطوة، وكان لدي شعور رائع بأن كل هذه الآلاف المؤلفة شهدت عقد زواجي ليكون هذا العرس أكبر إشهار في مصر.

شهر عسل!

وهذا شاب آخر يدعى هاني محمد يقول: لقد كان لدي إصرار على المشاركة في هذه الثورة، رغم زواجي قبل جمعة الغضب بيوم واحد، فقد تزوجت الخميس ٢٦ من يناير وانطلقت مظاهرات الجمعة صبيحة زواجي فقررت المشاركة في المظاهرات أنا وزوجتي برغم معارضة الأهل الذين اقتنعوا مؤخراً بتلك الثورة والدور الذي نقوم به.

طهي الطعام في الميدان

إذا كنت في ميدان التحرير ستشهد نساء وفتيات وربما شبابا، يقوم الجميع بطهي الأطعمة في الشارع وإعدادها وتقديمها للناس، كما يقدمون المشروبات الباردة والساخنة مجاناً، وربما بأجر رمزي، ولسان حالهم ومقالهم يفخر بذلك.. يأكل الجميع ويشربون معاً كأنهم أسرة واحدة.

نظافة ونظام

مما يبهر الأنظار ويأسر القلوب، ذلك المنظر الحضاري لهذا الشباب الراقي في حُسن التنظيم والحرص على تنظيف المكان، حيث يجمعون القمامة في أكياس كبيرة، ويجمعونها في مكان واحد، وإن تعجب فعجب أن يتواجد بهذا الميدان مئات الآلاف من البشر، ثم ترى الميدان ومخارجه نظيفة كأنك تعيش في أرقى بلاد الدنيا، وهؤلاء الشباب يفخرون بذلك، وهم حملة الشهادات العليا!!

شعب النكتة

يعرف الجميع أن الشعب المصري صاحب نكتة، فمن إبداعاتهم في دعاباتهم أنهم كانوا يجمعون أكياس القمامة وقد نصبوا لافتة كبيرة فوق أكوام النفايات وكتبوا عليها: «مقر الحزب الوطني الجديد»..

حفلات السمر

أبدع المصريون في ميدان الحرية، حيث تشاهد الرسوم الكاريكاتيرية الساخرة، وتسمع الأغاني الوطنية عبر مكبرات الصوت فتسمع: «مصر تتحدث عن نفسها» و «يا سماء الشرق»، و«أحلف بسماها وبترابها»، و«بيوت السويس» ... وغير ذلك من الأغاني الوطنية، كما ينصب الشباب شاشات ضخمة كي يتابع الحاضرون آخر الأخبار من خلال قناة «الجزيرة» العربية وترى الشباب في همة عالية يتسلقون الأعمدة لنصب الأطباق الفضائية.. وترى آخرين ينشدون الأناشيد، أو يلقون الأشعار من أمثال الشاعر «هشام الجخ» و «عبد الرحمن يوسف»، كما يرفع الناس أعلام مصر في مشهد وطني عظيم، وتسمع أحدث اللطائف والطرائف والنكات، ويبدع المصريون في ذلك أيما إبداع.

وحدة وطنية

وفي مشهد آخر تجد التحاماً وطنياً يؤكد حقيقة الوحدة الوطنية، وروح التعايش بين المسلمين والنصارى الجميع يظهرون كأبناء بيت واحد، تربطهم روابط متعددة، وحدة الأخوة والوطن والفكر والمعاناة، ثم يكون يوم الأحد 6/2/2011م يومًا لصلاة الغائب على الشهداء، وإقامة قداس الأحد.

أم الشهيد

من المشاهد المؤثرة في ميدان التحرير، تلك السيدة البسيطة الأم الملكومة، يعرفها المعتصمون بالميدان، ويمسونها «أم الشهيد» وقد نزلت إلى الميدان تطوف به وهي تحمل صورة ابنها الشهيد ويدعي «مصطفى رجب محمود»، الذي كان على – حد أقوال الرواة – أول شهيد من شهداء الثورة.

تقول «أم الشهيد» لصحيفة «الشروق»: «لم أتردد بعد استشهاد ابني في النزول إلى موقع استشهاده، لأقبل الأرض التي سالت عليها دماؤه، وأنا أعيش هنا بين أبنائي فالكل هنا يعتبرني أمه، وأقول لمن قتل ابني: «حسبنا الله ونعم والوكيل»، فدماء ابني ستبقى لعنة تطاردكم، وسيقتص من قتلته في الدنيا والآخرة».

أطفال الميدان

إنك في ميدان الحرية لا ترى الكبار فقط، إنما تشاهد - أيضاً - الأطفال يشاركون في توزيع المياه والمشروبات والأطعمة، ثم يمرحون ويلعبون، ويقيمون المسابقات ومباريات كرة القدم، ويعبرون عن وطنيتهم وحبهم لمصر بالهتافات واللافتات ورفع أعلام مصر ويرسمونها، ثم هم ينامون في المساء حتى لو افترشوا الأرض ووضعوا خدودهم عليها، فهم يعتبرون ذلك رحلة ترفيهية جماهيرية.
 

أوّاه يا دماء المصريين

هذا الشعب العظيم بشبابه الواعد.. هل يصدق أحد أن يسفك دمه الشريف وتزهق أرواحه؟ إن روح الإنسان هبة من ربه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قَلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ اْلعَلْمِ إلاّ قَلِيلاً (85)﴾ (الإسراء).

أخاطب كل أب وأسأله: تخيل أن ابنك قتل كما قتل شباب مصر بأيدي المجرمين، تصور أنك تقف في الشارع مع رفاقك فتأتي سيارة لتحصدكم حصدا، حدث ذلك في الإسكندرية، وفي القاهرة، وغيرهما من مدن مصر!!

إن الأمر لا تعبر عنه الكلمات، والله عز وجل هو الذي وهبنا الحياة، فلا يجوز المخلوق أن يزهق أرواح الآخرين، لذلك شدد الإسلام في تحذيره من القتل، وأكد وجوب الحفاظ على النفس البشرية، كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْل ذَلكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَاد في الأَرْضِ فَكَأَنما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنما أَحْيَا النَاسَ جَميعًا﴾ (المائدة: ٣٢).

لقد كاد قلبي أن ينفطر ألماً وحسرة وحزنا من بشاعة ما حدث لسيارة تحصد الناس حصداً، ولا أكاد أتحمل منظر هذا المواطن المصري الذي كان بمنطقة المنشية وثبت من خلال الـ Facebook ذلك المواطن الأعزل الذي أطلق عليه الرصاص في أبشع صور القتل، بعد أن خطا خطوات للتراجع للبعد عن خطر المعتدين، بعد أن رآهم، ولكنهم لم يرحموا، إنك تستطيع أن تقدر حجم الألم إن أنت وضعت ابنك أو أخاك مكان هذا الذي قتل ببشاعة دون ذنب وهو الأعزل، ويحدث ذلك على أرض الكنانة وأم الحضارات.. لك الله يا مصر ولكم الله يا أهل مصر الأحرار، أما أهل الشهداء فلا أدري ما أقول لهم، فأقول لهم: لقد اختاركم الله ليكون منكم شهداء، أما من ظلمكم فحسبكم أن يقتص لكم ربكم، ﴿وسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (۲۲۷)﴾ (الشعراء).

الرابط المختصر :