العنوان مشروع عودة مليون سوري من تركيا.. الدوافع والمتطلبات والمآلات
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الأربعاء 01-يونيو-2022
مشاهدات 55
نشر في العدد 2168
نشر في الصفحة 31
الأربعاء 01-يونيو-2022
الإعلان عن المشروع أتى مخالفاً لتصريحات رسمية تركية ترفض دعوات المعارضة لإعادة السوريين إلى بلادهم
هناك شرائح تبث خطاب العنصرية ضد السوريين وتحمّلهم مسؤولية الأوضاع الاقتصادية بتركيا
ملف السوريين كان أحد أسباب خسارة «العدالة والتنمية» رئاسة إسطنبول وسيكون أحد أهم ملفات حملات المعارضة
لا يمكن تصور العودة دون ضمان أمنهم بشكل لا لبس فيه مع استهداف المناطق الشمالية
د. سعيد الحاج
في 3 مايو الماضي، قال الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»: إن حكومته بصدد الإعداد لمشروع يعود من خلاله مليون سوري مقيم على الأراضي التركية إلى سورية، وتحديداً إلى مناطقها الشمالية.
أتى الإعلان مخالفاً في الظاهر لتصريحات رسمية تركية ترفض دعوات المعارضة لإعادة السوريين إلى بلادهم، ومثيراً تساؤلات حول دوافعه وسياقه من جهة، وما يحتاجه من ضمانات ومتطلبات حتى يمكن تنفيذه من جهة أخرى.
لجأ إلى تركيا خلال مدة زمنية قصيرة نسبياً الملايين من السوريين بسبب الأوضاع الكارثية في بلدهم، واستفادةً من سياسة الباب المفتوح التركية في حينه، وهو عدد فاق كثيراً التوقعات التركية الأولية في بداية الثورة السورية وتعامل النظام الأمني معها.
كان ذلك كفيلاً –بالتأكيد- بحصول أخطاء واحتكاكات سلبية وأخطاء فردية وغير ذلك مما ينجم عن الأوضاع غير السوية وغير المنظمة للاجئين، وكذلك بسبب اختلاف الثقافة واللغة وبعض العادات والتقاليد، خصوصاً أن الغالبية العظمى من السوريين لم تبق في مخيمات اللاجئين قرب الحدود، وإنما انتشرت في مختلف المحافظات التركية، وانخرطت في بعض مناحي الحياة مثل المدارس والجامعات وأسواق العمل والمصاهرة وغير ذلك.
ووفق الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية التركية المعلنة مؤخراً، ما زال يقيم على الأراضي التركية زهاء 3.6 ملايين سوري، بينما عاد من تركيا إلى الأراضي السورية منذ عام 2016م (أولى العمليات التركية في سورية) ما يقرب من نصف مليون سوري إلى مناطق المعارضة المدعومة من أنقرة.
لا يحمل السوريون في تركيا قانونياً ودستورياً صفة «لاجئ» بسبب الموافقة التركية المشروطة أو المحددة جغرافياً على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين، لكنهم يقيمون تحت بند «الحماية المؤقتة» السارية حتى يومنا هذا.
بعد سنوات من الإقامة في تركيا بدون إشكالات تذكر، بدأ الوجود السوري في تركيا يصبح محط انتقاد البعض منذ عام 2015 أو 2016م، بسبب الانخراط التركي عسكرياً في الأزمة السورية من جهة، والأوضاع الاقتصادية المتراجعة في البلاد من جهة ثانية، واستطالة أمد الأزمة السورية عن المتوقع من زاوية ثالثة، وكذلك وضع السوريين في قلب حالة الاستقطاب في البلاد من زاوية رابعة.
رفعت المعارضة السياسية الرئيسة في البلاد، ممثلة بحزب الشعب الجمهوري، شعار إعادة السوريين إلى بلادهم خلال سنتين من الحكم إن هي فازت في الانتخابات المقبلة؛ استغلالاً لما سبق، فضلاً عن موقفها المؤيد لبشار لأسد ضد المعارضة منذ بدايات الثورة.
وعلى هامش هذا الموقف، ظهرت شرائح تبث خطاب التمييز والكراهية والعنصرية ضد السوريين على وجه الخصوص واللاجئين عموماً، بالمبالغة في نشر أي حادث سلبي يكون أحد أطرافه شخصاً سورياً، وتحميلهم مسؤولية الأوضاع الاقتصادية المتراجعة في تركيا؛ ما وصل أحياناً لدرجة التحريض المباشر عليهم، وقد بقي هذا التيار عبارة عن أفراد قليلين على وسائل التواصل الاجتماعي تحديداً، قبل أن يظهر للعلن ويقود خطابَهم حزبُ «الظفر» اليميني المتشدد بقيادة السياسي المعروف «أوميت أوزداغ».
في مقابل ذلك، كانت السردية التركية الرسمية أن هؤلاء هربوا من شبح الحرب ومن بطش «النظام القاتل لشعبه»، وبالتالي فإن تركيا ستستمر بسياسة «الأنصار مع المهاجرين» حتى تنتهي الأزمة ويمكن للسوريين العودة إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.
أمران مهمان
حديث «أردوغان» عن الإعداد لمشروع يعيد مليون سوري إلى بلادهم يبدو في الظاهر متناقضاً مع ذلك، ويبدو مدفوعاً بأمرين مهمين، مضافين لموقف المعارضة السياسية وبعض العنصريين:
الأول: تقييم سائد في أوساط حزب العدالة والتنمية الحاكم بأن ملف السوريين كان أحد أسباب خسارته لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى عام 2019م، وأنه سيكون أحد أهم ملفات الحملات الانتخابية المقبلة وأوراق القوة في يد المعارضة، وبالتالي ثمة حاجة لسد هذه الذريعة ومعالجتها.
الثاني: أن حليفه حزب الحركة القومية صدّر مواقف على لسان رئيسه «دولت بهجلي» تصف الهجرة غير المنظمة بـ»الغزو»، وتدعو لمعالجة ملف السوريين.
يتضمن المشروع بناء زهاء 250 ألف بيت على غرار «بيوت الطوب» التي تبنيها الحكومة التركية في الشمال السوري؛ بحيث يمكن أن يعود إليها ما يقرب من مليون سوري من تركيا بشكل طوعي، ولأجل هذا الهدف، يشمل المشروع كذلك إعداد البنية التحتية في الشمال السوري بما يتلاءم مع ذلك، من بناء مدارس ومستشفيات وطرق وغير ذلك، إضافة لفكرة التمكين الاقتصادي، وتوفير فرص العمل من خلال تهيئة الأرضية للتعليم والتدريب الصناعي والزراعي في المنطقة.
وتقول التقارير الإعلامية التركية: إن المشروع سينفذ على 8 مراحل، وإنه سيبدأ بعودة السوريين من المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة، ثم يمتد لكامل الجغرافيا التركية، وإن المناطق المرشحة لاستقبال السورين عددها 13، يأتي في مقدمتها أعزاز وجرابلس والباب وتل أبيض.
ضمانات وفرص
وفقاً لما أعلن، يبدو المشروع طموحاً جداً بالنظر إلى العدد المستهدف للعودة مقارنة بالمناطق المعنية باستقبالهم، وكذلك مقارنة بأعداد السوريين في تركيا، ولذلك يمكن القول: إن هناك تحديات ماثلة أمام المشروع أولها: العدد المرصود، وثانيها: إمكانية تحقيق عودة هذا الرقم، أو حتى رقم قريب منه، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً؛ إذ إن المفهوم أن من ضمن مستهدفات المشروع مسار الانتخابات المقبلة؛ ما يعني أنه يفترض أن تنتهي مراحل أساسية منه قريباً لتترك أثرها عليه.
والثالث: إمكانية تحقيق «طوعية» العودة أو اقتناع هذا العدد الكبير من السوريين بالعودة إلى مناطق الشمال السوري، وهو أمر متعلق بعدة عوامل؛ في مقدمتها أن تكون تلك المناطق جاذبة لهم من حيث البنية التحتية والدراسة وفرص العمل.
والرابع: أمن العائدين؛ إذ من شأنه أن يشجع على العودة الطوعية من جهة، وأن يحفظ أرواح السوريين العائدين وعوائلهم ومستقبلهم، إذ لا يمكن تصور العودة ونجاح المشروع دون ضمان أمنهم بشكل لا لبس فيه، ولا سيما مع استمرار استهداف المناطق الشمالية التي تتواجد فيها المعارضة السورية والقوات التركية من قبل النظام وروسيا.
وهذه النقطة الأخيرة -أي ضمان أمن العائدين- أثارت أمراً غاية في الأهمية؛ وهو مدى اطلاع النظام على المشروع وموافقته عليه، وهل هناك قناة اتصال بخصوص المشروع بين أنقرة ودمشق؟ فالتصريحات الصادرة عن الأخيرة تقول: إن النظام يعارض المشروع، رغم أن بعض التقارير الإخبارية أشارت لعدم معارضته الحوار مع أنقرة بخصوص السوريين المقيمين على الأراضي التركية، وكذلك بخصوص مجمل القضية السورية؛ ما يعني أن التواصل قد يبقى الآن ولمدة قادمة مقتصراً على القناة الروسية الوسيطة.
في الخلاصة، فإن الدافع الرئيس للمشروع المذكور يبدو داخلياً تركياً وليس مساراً سورياً باتجاه الحل؛ ما يعني أن تركيا قررت التعامل مع الأمر الواقع دون انتظار تحرك المسار السياسي المجمّد منذ مدة.
وبالنظر إلى المواقف الدولية، يمكن القول: إنه ليس هناك معارضة معلنة للمشروع، بل ربما هناك موافقات ضمنية منطلقة من القناعة بصعوبة تغيير الأوضاع القائمة في سورية اليوم وفي المدى المنظور، ولعله يمكن فهم قرار العفو الصادر عن النظام، وكذلك القرار الأمريكي بإعفاءات «قانون قيصر» في هذا الإطار، فضلاً عن حوارات دول الجوار السوري بخصوص ملف اللاجئين مؤخراً.
وإذ إن الهدف الرئيس للحكومة التركية هو سحب البساط من تحت أقدام المعارضة، ونزع هذه الورقة من أيديها؛ فإنه من غير المتوقع إنجاز كامل المشروع وإعادة مليون سوري فعلاً للمناطق الشمالية في المدة الزمنية المتوقعة، لكن يمكن القول: إن الأهم اليوم للحكومة التركية هو تقديم صورة عن جديتها في تناول الملف/ المشكلة من جهة، والعمل على إنجاز ما يمكن إنجازه من المشروع وتسويقه للداخل التركي من جهة أخرى؛ أي أن الحكومة التركية ستعمل جهدها لإعادة عدد لا بأس به من السوريين إلى الشمال السوري خلال الأشهر المقبلة.
علماً أن التصريحات الرسمية التركية عادت للحديث عن الالتزام بسياسة عدم إجبار السوريين على المغادرة، وأنهم سيبقون في تركيا ما أرادوا ذلك في ظل عدم حل القضية السورية نهائياً؛ ما يعني أنها متنبهة إلى خطورة التماشي مع ضغوط المعارضة والتنازل أمام مطالب العنصريين؛ ولذلك كان من اللافت وكذلك من الجيد عودةُ الحكومة لسياسة تفنيد الإشاعات والمعلومات الخاطئة بخصوص السوريين في تركيا وتدعيم رؤية الحكومة بخصوصهم، فذلك أدعى أن يحفظ من تداعيات خطاب الكراهية والعنصرية السوريين وتركيا في آنٍ معاً.