; مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي : الخُلوّ | مجلة المجتمع

العنوان مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي : الخُلوّ

الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1978

مشاهدات 64

نشر في العدد 424

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 19-ديسمبر-1978

ضرورة تطور الشريعة:

من المسلمات التي لا جدال فيها أن هذه الحياة ليست ثابتة، بل هي في تطور دائم، وعلاقات الناس بعضهم ببعض، ومعاملاتهم، لا تتحجر على شكل معين، بل هي في تطور دائم تبعًا لتطور الحياة.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن حكمة الحياة وضبط أمورها، وضبط علاقات الناس وتنظيم معاملاتهم بمبادئ أو شريعة ليست عندها القدرة على التطور مع الحياة سيولد عزلة بين الشريعة والحياة، وعندئذ تعيش الشريعة في غربة قاتلة فلا هي قادرة على مواكبة مسيرة الحياة، ولا هي قادرة على إيقاف مسيرتها، وشريعة هذا شأنها هي شريعة ميتة، وإن دونت في كتب وكثر فيها الربانيون.

وتعتبر الشريعة الإسلامية في قمة الشرائع التي حوت من الأصول ما يجعل التطور جزءًا من كيانها، فما الإجماع والقياس والاستحسان والاستصلاح والعرف إلا أدوات تطوير للشريعة الإسلامية، وهي هي من أصولها.

واليوم جاءتنا الحياة المتطورة بمعاملات لم تكن معهودة في عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ولا في عصر الصحابة والتابعين.

 وتوجهت الأنظار إلى الشريعة الإسلامية تستلهم منها الحكم، ومن هذه المعاملات «الخلو»

فما هو حكم الشريعة الإسلامية في الخلو؟

ونحن نرى أنه لا بد لنا قبل الخوض في الحديث عن الخلو، من أن نشرع في بيان بعض المقدمات التي لا بد منها، لأنها تشكل نقاط ارتكاز في هذا البحث.

المقدمة الأولى: الحقوق التي يجوز الصلح عليها بمال والتي لا يجوز:

لو رجعنا إلى كتب الفقه الإسلامي لوجدنا أن الفقهاء يذكرون أن العقار إذا كان مشتركًا بين رجلين، فباع أحدهما حصته منه لشخص ثالث، كان لشريكه في العقار أن يأخذ تلك الحصة المبيعة بالثمن الذي باعها به، لما له من حق الشفعة فإذا ما اتفق مالك الحصة المبيعة، أو المشتري لها مع الشفيع على أن يدفع له مبلغًا من المال ليتنازل عن حقه في الشفعة ورضي الشريك الشفيع بذلك، سقط حقه بالشفعة، ولم يستحق شيئًا من المال.

ويذكرون أيضًا أن من كانت له زوجتان كان عليه أن يعدل بينهما بالمبيت، ولكن أن دفعه حبه لإحدى زوجتيه أن يتفق مع الزوجة الأخرى على أن تترك حقها في المبيت لضرتها على أن يعطيها مقابل ذلك مبلغًا من المال، وتم تنفيذ ما اتفقا عليه، لم تستحق شيئًا من المال.

 ويذكرون أيضًا أنه إذا ثبت للزوجة حق فسخ النكاح من زوجها لعاهة فيه، فصالحها الزوج على إسقاط هذا الحق، والبقاء معه، مقابل مال يدفعه لها، سقط حقها في الخيار، ولا تستحق شيئًا من المال.

وإذا ما تساءلنا عن السبب في ذلك لقال لنا الفقهاء: إن هذا النوع من الحقوق هي حقوق مجردة عن الملك، وليس المقصود منها المال، وما شرعها الله تعالى حين شرعها إلا لدفع الضرر، ولذلك فهي لا تقابل بمال، فإذا ما رضي صاحبها بإسقاطها، فإنه لا يستحق مقابل هذا الإسقاط شيئًا من المال.

ولكن إذا جنى إنسان على إنسان آخر جناية في النفس أو فيما دونها ثبت للمجني عليه، أو لورثته، حق القصاص من الجاني، ويجوز لهم أن يتنازلوا عن هذا الحق مقابل مال يدفعه الجاني إليهم، أو بغير مقابل ويحق للمالك أن يتنازل عن حقه في التصرف، أو الانتفاع من ملكه مقابل مال يتقاضاه ممن تم التنازل لصالحه، أو بغير مقابل.

 وإذا ما تساءلنا عن السبب في ذلك لقال لنا الفقهاء: إن هذه الحقوق هي حقوق أصلية مقابلة بمال شرعًا، ولذلك جاز إسقاطها أو التنازل عنها مقابل مال.

المقدمة الثانية: اعتبار العرف في الشريعة الإسلامية:

من المقرر أن العرف له اعتباره في الشريعة الإسلامية، سواء كان عرفًا عامًا أم عرفًا خاصًا، وقد أجاز الفقهاء ما تعارفه الناس من شروط، لأن إهدار العرف فيه من الحرج ما فيه، وقد عبر الفقهاء عن اعتبار العرف من الشريعة بقولهم «المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا» وقولهم «التقييد بالعرف كالتقييد بالشرط» «1»

ولننتقل الآن إلى موضوعنا «الخلو» بعد أن أرسينا القواعد التي يستند إليها منقول وبالله المستعان. 

إننا إذا تأملنا عملية «الخلو» فإننا نجده من النوع الثاني من الحقوق أعني: من الحقوق الأصلية، وهي حقوق يصح التنازل عنها مقابل مال لأن الخلو في حقيقته: تنازل من له حق إشغال عقار ما عن حقه في إشغال هذا العقار مقابل مال زائد عن الأجرة.

وتفصيل ذلك:

 إن الخلو إما أن يأخذه مالك العقار من المستأجر، وإما أن يأخذه المستأجر من المستأجر الثاني.

أخذ المالك الخلو من المستأجر:

إن المالك عندما يأخذ الخلو من المستأجر لا يخلو عن حال من الأحوال التالية:

أ- أن يأخذ الخلو مقابل تنازله عن حقه في إخلاء المستأجر، أو مقابل تنازله للمستأجر من حقه في تأجير العقار لمن يريد حين انتهاء مدة الإيجار وفي كل من الحالين يكون أخذه الخلو أمرًا جائزًا، لأنه أخذ ما أخذ مقابل الحق الذي تنازل عنه، وهو حق أصلي يجوز التنازل عنه على مال كما قدمنا في المقدمة الأولى.

ولكننا نرى أن العقود التي تجرى بين المالك والمستأجر تكون خالية عن النص على ذلك التنازل، وهل يرضى أحد من المالكين النص على ذلك؟!

 وهنا نقول: إن كانت العقود قد خلت من النص على تنازل المالك عن حقه في إخلاء المستأجر، فإن العرف قد جرى بين الناس على أنه لا يحق للمالك إخلاء المستأجر، ولذلك فإن المالك يأخذ هذا المبلغ الكبير من المال باسم «الخلو»، وقد ساعد على تكوين هذا العرف بعض التشريعات الوضعية التي أصدرتها بعض الدول بمنع المالك من إخلاء المستأجر إلا في حالات قليلة حددتها هذه التشريعات فهل يقوم هذا العرف مقام النص على ذلك في العقد؟ 

إذا رجعنا إلى ما قررناه في المقدمة الثانية نرى أن العرف يقوم مقام الشرط إذا لم ينص على خلافه، ولذلك فإننا نعتبر ما يقبضه المالك من الخلو هو مقابل إسقاط حقه في إخلاء المستأجر وإن لم ينص العقد على ذلك، لأن العرف جرى بهذا.

2- أن يتورع المالك عن أخذ بدل من الخلو من المستأجر لما شاع بين الناس من أن أخذ البدل عن الخلو حرام، فيحتال لذلك بضم بدل الخلو إلى أجرة الدار وتسميته ذلك كله أجرة، وبذلك تخرج الأجرة عن الحد المألوف بين الناس.

مثلًا: يريد رجل أن يؤجر داره لمدة خمس سنوات، وتكون أجرتها العادلة لهذه المدة ألف دينار، ويكون بدل خلوها المعتاد خمسة آلاف دينار، فيقول للمستأجر.. أؤجرك داري هذه مدة خمس سنوات بمبلغ قدره ستة آلاف دينار، ويضم الخلو إلى الأجرة، ويسمى ذلك كله «أجرة» ويقبل المستأجر نظرًا لحاجته وبذلك يكون المؤجر بعمله هذا قد باء بإثم استغلال الحاجة والغبن الفاحش، فضلًا عن طرقه باب الحيلة التي مقتها سلفنا الصالح- رضوان الله عليهم.

إن هذا التصرف- والله أعلم- يثبت للمستأجر حق الخيار بين استرداد المبلغ الذي وقع الغبن به وهو هنا: بدل الخلو المقدر- وبين اعتبار ذلك المبلغ بدل خلو يكسبه حق عدم حق المالك بالمطالبة في إخلائه من العقار باعتبار أن العرف قد جرى في مثل هذه الأحوال على تنازل المالك من حقه في إخلاء المستأجر مقابل مبلغ يتقاضاه زائدًا عن بدل الإيجار، وهذا ما حدث فعلًا.

3- أن يأخذ المالك الخلو على سبيل الهبة المشروطة، مع النص على عدم تنازل المالك عن حقه في إخلاء المستأجر، أو تأجير العقار لمن يشاء حين انتهاء مدة الإيجار، حيث يقول المالك: أؤجرك هذا العقار بمبلغ كذا على أن تهبني مبلغًا قدره كذا، وقد نص الفقهاء على أن حقيقة الهبة بعوض بيع، لأن العبرة في العقود للمعاني، لا للألفاظ والمباني، وبناء على ذلك فإن هذه الهبة والأجرة المسماة معًا تشكلان بدل الإيجار عن السنة الأولى، وبذلك يعود الأمر إلى ما قررناه في الفقرة السابقة من الاستغلال والغبن الفاحش. 

البحث الثاني: أخذ المستأجر الخلو من المستأجر:

والسؤال الآن: هل يحق للمستأجر أن يأخذ خلوًّا؟

والحقيقة: أن وضع المستأجر لا يخرج عن الأحوال التالية:

1- أن يكون المستأجر قد دفع خلوًّا للمالك مقابل تنازل المالك له عن حقه في إخلائه، أو في تأجيره لمن يريد بعد انتهاء مدة الإيجار، وفي هذه الحالة يكون المستأجر قد اشترى هذا الحق من المالك، وهو- أي المستأجر- بدوره يحق له أن يبيع ما بيده من حق لغيره، بنقله إليه مقابل مبلغ من المال أقل أو أكثر مما دفعه للمالك.

 أعني: أن يحق له أخذ الخلو من المستأجر الجديد، أو من المالك، إذا اتفقا على نقل هذا الحق.

٢- أن لا يكون المستأجر قد دفع خلوًا للمالك مقابل تنازله عن حقه الذي ذكرناه في الفقرة السابقة، وهو يريد أن يخلي العقار خلال المدة المعقود عليها، مثلًا:

استأجر رجل من المالك عقارًا لمدة خمس سنوات، بمبلغ قدره كذا، دون أن يدفع للمالك خلوًا، وبعد مضي مدة سنة من المدة المعقود عليها أحب المستأجر أن يخلي العقار لرجل آخر على أن يأخذ منه خلوًا قدره كذا، مقابل تنازله عن حقه في إشغال العقار للسنوات الأربع الباقية، وذلك جائز، لأنه أخذ ما أخذه مقابل تنازله عن حق أصلي له.

3- أن لا يكون المستأجر قد دفع خلوًّا للمالك، ولم ينص عقد الإيجار على المدة التي يجب أن يخلي المستأجر العقار بانتهائها، وقد جرى الفرق بين المؤجرين والمستأجرين وقت إنشاء العقد على أنه لا يحق للمؤجر إخلاء المستأجر إلا في أحوال معروفة.

وفي هذه الحال يحل العرف محل النص في عقد الإيجار، فلا يحق للمؤجر إخلاؤه. فإذا ما أحب إخلاءه وطالب المستأجر المالك ببدل خلو مقابل تنازله عن حق البقاء في العقار المستأجر كان له ذلك.

فإن اعترض معترض فقال: ولكن المستأجر لم يدفع للمالك بدلًا– خلو- عن هذا الحق فكيف انتقل إليه؟

 قلت: ومتى كانت الملكيات- بما فيها الحقوق- لا تنتقل إلا بالبدل؟

أما إذا أراد أن يخلي العقار من تلقاء نفسه بعد أن قضى حاجته منه فليس له أن يطالب المؤجر ببدل الخلو، لأن هذا حق كما انتقل إليه بغير بدل، فقد عاد إلى صاحبه- بعد أن قضى المستأجر منه حاجته – بغير بدل أيضًا، والغرم بالغنم.

 وليس له أيضًا أن يخلي العقار إلى غيره ببدل أو بغير بدل، لأن ذلك ليس له بالأصل، ولم ينص عقد الإيجار على ذلك، ولا جرى به العرف.

٤- أن لا يكون المستأجر قد دفع خلوًّا للمالك، وقد انتهت مدة الإيجار المتفق عليها، ولكن المستأجر يرفض إخلاء العقار متمسكًا بأحكام القوانين الوضعية المرعية الإجراء في بلده، وليس للمالك من وسيلة إليه، وأحب المستأجر إخلاء العقار لمستأجر آخر مقابل مبلغ كذا، فلا يجوز له أخذ هذا الخلو، لأن يده على العقار يد غاصب، وما كانت الأحوال غير المشروعة لتنتج أحوالًا مشروعة في يوم من الأيام، فكيف يجوز له أن يتقاضى تعويضًا على الخلو وهو ليس له.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الفقهاء قد قرروا أنه يشترط أن يكون أثر المستأجر الثاني على العقار ومالكه مماثلًا لأثر المستأجر الأول، أو أحسن، لئلا يتضرر المالك بذلك، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول «لا ضرر ولا ضرار» إلا إذا رضي المالك بذلك، مثلًا: 

لا يجوز لمستأجر عقارًا ليعمل فيه خياطًا، أن يخليه لمستأجر آخر ليعمل فيه حدادًا، لأن الحدادة توهن البناء وتضر به ضررًا أکبر من ضرر الخياطة، والمالك قد رضي بالضرر الناشئ عن الخياطة، فهو راض- حكمًا- بكل ضرر مماثل لضرر الخياطة للبناء، ولا يرضى -حكما- بالضرر الزائد على ذلك، إلا إذا أفصح عن رضاه، فيجوز.

 ۲- إن سقوط حق المالك في إخلاء المستأجر من عقاره في الحالات التي ذكرناها لا يسقط حقه من المطالبة بالأجر العادل الذي يقره عرف البلد لعقاره، وما شاع وانتشر بين الناس من الإبقاء على بدل الإيجار القديم بغير رضى المالك بعد ارتفاع أسعار الإيجار أمر لا يقره الفقه الإسلامي، نص على ذلك ابن عابدين في الجزء الرابع من حاشيته وغيره.

3- إننا إذ نقول بمشروعية الخلو على النحو الذي بسطناه، فإننا نقيد ذلك بالبدل العادل، وعلى الحكومات الإسلامية أن تصدر التشريعات العادلة التي تضبط الأمر وتمنع من استغلال أحكام الشريعة لأغراض دنيئة. 

الرابط المختصر :