العنوان مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي.. بين الشك واليقين
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1979
مشاهدات 52
نشر في العدد 434
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 27-فبراير-1979
وردتنا رسالة مطولة جدًّا من أنقرة -تركيا- رجانا كاتبها أن نكتم اسمه، يشرح لنا فيها حاله، وما هو عليه من التأرجح بين الشك واليقين، ويسألنا أن نعنى بشأنه، ونبذل له النصح والإرشاد، لعل الله تعالى يمن عليه، فيخلصه مما هو فيه..
أولًا: ليست مشكلتك وحدك:
أخي الكريم صاحب الرسالة: لست أنت الذي تعيش فترة الشك والضياع هذه، بل هناك أفراد سبقوك عاشوا هذه المرحلة فترة من الزمن، وهم من كبار علماء المسلمين وقادة الفكر فيهم، ومن هؤلاء الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، صاحب كتاب إحياء علوم الدين، فقد مر بهذه المرحلة من الشك والضياع؛ ولكنه لم يستسلم، ولم يصرح بما كان ينتابه من هواجس، بل لازم بيت المقدس، حتى ذهب ما به من شك، وألف رسالته المشهورة في العقيدة الإسلامية والدفاع عنها والبرهان على صحتها، والتي سماها بالرسالة المقدسية، ثم ضمنها الجزء الأول من كتابه إحياء علوم الدين.
ومنهم أيضًا الشاعر الفيلسوف المشهور أبو العلاء المعري الذي أفصح عما ينتابه من شك في هذه المرحلة بأبيات من الشعر ضمها دیوانه.
ومنذ سنتين تقريبًا قصدني شخصان أحدهما طالب في السنة الأولى من الجامعة، والثاني في الشهادة الثانوية، وهم يعانون مما تعاني منه، حتى وصل الأمر بالأول منهما إلى أن ارتمى على قدمي طالبًا مني مساعدته لتخليصه مما هو فيه.
ثانيًا: أسباب هذا الشك والضياع:
وتحدث هذه الحالة عادة لأسباب يمكننا أن نحصرها فيما يلي:
أ- قراءات أو مناقشات يخوضها المرء قبل بلوغه مرحلة النضوج من شأنها أن توقع المرء في الشبهة، ولكنها ليست من القوة بحيث تكون قادرة على سلخه من عقيدته، أو يكون للمرء من قوة الإيمان ورسوخ اليقين ما يضعف تلك القراءات أو المناقشات عن اقتلاعه بالكلية، ولكنها تترك أثرها فيه.
ولذلك فإننا ننصح المسلمين الذين لم يبلغوا مرحلة النضج بعد، بترك قراءة الكتب الفكرية، أو التي تحمل الفكر المناقض لمبادئ الإسلام وعقيدته، كما ننصح هؤلاء أيضًا ألا يخوضوا مناقشات مع أعداء الإسلام؛ لأن المناقشات لا يجوز أن يخوضها إلا الراسخون في العلم.
ب- نشاط ذهني مفرط: هناك فئة من الناس يملكون نشاطًا ذهنيًّا مفرطًا، كما يملك البعض نشاطًا جسديًّا مفرطًا، ويكون هؤلاء في تفكير دائب دائم، وأثناء تحركهم الذهني يمتد ذهنهم إلى آفاق يتجاوز بها حدوده، فيتحمل الذهن أكثر مما يجب أن يتحمل -أعني: أكثر من طاقته، فلا يستطيع تفسير ما تحمله، أو يفسره تفسيرًا خاطئًا، وفي كلا الأمرين وقوع في المحظور؛ أعني في الشك. وبديهي أن نذكر أن هذا النشاط الذهني لا يكون إلا في الأذكياء، ولذلك نرى أن كل الذين يكون شكهم بسبب نشاطهم الذهني يكون الذكاء لديهم أعلى من معدله العادي.
ونحن ننصح بوجوب احتضان هؤلاء الذين حباهم الله نشاطًا ذهنيًّا مفرطًا وذكاءً حادًّا، فلا يعطى لهم من الكتب إلا ما يناسب حالهم، ولا تطرح عليهم من الأفكار إلا ما هو مدروس؛ لأن النشاط الذهني عند هؤلاء لا يقف عند الأفكار المطروحة عليهم، ولكنه يولد من الأفكار أفكارًا، فإذا لم يكن الفكر المطروح مدروسًا احتمل أن يولد منه فكر خاطئ، كما احتمل أن يقع الخطأ في هذا التوليد.
ولذلك كانت رعاية هؤلاء أصعب وأدق من رعاية الخاملين؛ لأن الخامل يقف عند منطوق الفكر لا يتجاوزه، أما صاحب الذهن النشيط فإنه يتجاوز منطوق الفكر إلى ما وراءه، فيحاول استشفاف الغيب، متلمسًا الطريق إليه، وقد يصلح، وقد يكب على وجهه.
جـ- تكليف بعض جهال مشايخ الطرق الصوفية: من المعروف أن الطرق الصوفية تهتم بالأوراد والخلوات، فيبايع المريد الشيخ، ويعطي الشيخ بدوره للمريد الورد الذي يجب على المريد أن يحافظ عليه، ويدخله البعض الخلوة أيامًا معينة لا يرى فيها أحدًا من عباد الله تعالى، وليس له عمل في هذه الخلوة إلا ذكر الله تعالى لتظهر نفسه ويخلص لله قلبه.. وبعض الناس يدخل الخلوة ويخرج منها سليمًا معافى، محققًا ما قصد الشيخ إليه؛ ولكن بعضهم يدخل الخلوة فيخرج منها طائش اللب، زائع العقل، منحرف القلب؛ لأن هذه الوحدة التي يعيشها المريد والاستغراق بذكر الله تعالى ذهن المريد إلى آفاق بعيدة قد تجعله أحيانًا يشك في وجود الله تعالى، أو تجعله يشك في إيمانه، أو يشك في جدوى عبادته.. كل ذلك بفعل الضغط الفكري الذي يوجه إلى العقل في الخلوة، والضغط الروحي الذي يوجه إلى القلب فيها، وما مثل ذلك إلا كمثل مصباح الكهرباء الذي يوجه إليه تيار كهربائي أقوى من احتماله، فإنه لا يلبث أن يحترق بمروره المصباح.
والحالتان اللتان وردتا علي منذ سنتين كانتا من جراء الخلوة التي أمر بها شيخ الطريقة «س» المريدين بها.
ومن هنا ندرك حكمة الله تعالى عندما جعل الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجماعة، ليسلم المعتكف من أمثال هذه المضاعفات.
ونصيحتنا أن يختار الشاب المسلم الشيخ الذي يريد الالتزام معه؛ فلا يلتزم إلا مع شيخ راجح العقل، فقيهًا -أعني عالمًا بالحلال والحرام والسنة والمندوب- ملتزمًا بالكتاب والسنة.
ثالثًا: تشخيص العلة:
الحالة الأولى: إذا وصل المرء إلى حالة استقر في عقله وقلبه ما يخرجه عن الإيمان، كما إذا استقر في عقله وقلبه عدم وجود الله تعالى، أو أن هذا القرآن ليس من عند الله، أو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو مصلح وليس بنبي أو نحو ذلك، فإن الحكم بكفر هذا المرء أمر لا خلاف فيه، ولا يعود إلى الإيمان إلا باقتلاع تلك العقائد الخبيثة الفاسدة، ونبذها والتبرؤ منها، والإيمان بما أمر الله تعالى بالإيمان به.
الحالة الثانية: أن يثبت في العقل ويقوم عنده بالأدلة التي لا يستطيع نقضها أن محمدًا ليس بنبي، وأن القرآن ليس بكلام الله مثلًا ونحو ذلك، ولكن القلب يرفض ذلك رفضًا باتًّا، ويعزو ذلك إلى مغالطات العقل -وما أكثر ما يكذب العقل على المرء- ويطمئن -أي القلب- إلى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، وأن القرآن هو كلام الله تعالى.
ومن كان هذا شأنه فهو مؤمن؛ لأن القلب هو محل الإيمان، لا العقل.. تأمل قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: 106)، وقوله عز من قائل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).
الحالة الثالثة: أن يثبت في العقل ويقوم عنده بالأدلة التي لا يستطيع نقضها أن الله موجود، وأن القرآن من عند الله تعالى؛ ولكن القلب يرفض ذلك رفضًا باتًّا، ويكذب العقل فيما وصل إليه من نتائج... ومن كانت هذه حاله فهو كافر -والعياذ بالله تعالى- لما قدمنا من أن محل الإيمان القلب، لا العقل.
الحالة الرابعة: حالة الضياع:
وهي حالة لا يقر فيها المرء على حال؛ فهو تارة يعيش مع إيمانه، يسعد به ويتفيأ ظلاله، وبينما هو كذلك إذ يتسلل إليه الشيطان فيخطف ذلك الشيطان ويطير به، ويبقى المرء يتلوى لا يلوي على شيء، يمد إليه يديه، ولكنه لا يصل إليه، فيبكي عليه، ولا يصله ويتمناه ولا يناله، ويعيش حياة ملؤها الشقاء إلى أن يعيده إليه ملك رحيم، فتعود إليه سعادته في ظلاله، ثم لا يلبث أن يخطفه منه الشيطان مرة أخرى... وهكذا.
والمرء في هذه الحالة من المؤمنين؛ لأن حالة البؤس التي يحياها لفقد الإيمان، وبكاءه عليه، هي حالة إيمانية عليا قد لا يصل إليها إلا قليل من الناس، ولكن تدخل الشيطان يجعله يظهر أنه على غير إيمان، ليسهل اصطياده ووقوعه في حبائل اللعين المرجوم.
رابعًا: الدواء:
يكون الدواء للحالة الأولى بإخضاع المبتلى إلى جلسات إيمانية كالتي يخضع لها المرتد عن دين الله، فتكشف له شبهه التي قادته فكريًّا إلى هذه الحالة، ويبرهن له على صحة العقيدة الإسلامية، وتطعم هذه الجلسة بنفحات روحية تعرض على قلب المبتلى، لعل الله أن يهديه، فيعود إلى حظيرة الإسلام.
أما المبتلى في الحالة الثانية، فإنه يخضع لجلسة إيمانية، وتكشف له شبهته التي قادته فكريًّا إلى هذه الحالة، ويستخدم لذلك طرق المناطقة في المناقشة والجدل؛ لفرض الحصار الفكري عليه.
أما المبتلى في الحالة الثالثة، فإنه يخضع لجلسات إيمانية روحية، وينصح بالإكثار من الرحلات في أحضان الطبيعة الجميلة وتدقيق النظر في كل وردة، وفي كل نجمة.
أما المبتلى في الحالة الرابعة «وهي حالة صاحب الرسالة» فإني أنصحه أولًا بالتوقف عن كل مطالعة تمت إلى العقيدة بصلة، وفي أي كتاب كان..
ثانيًا: الانقطاع عن الشيخ الذي يلازمه إن كانت له ملازمة لشيخ معين.
ثالثًا: ألا يخلو بنفسه، وليكن جلوسه ومقامه مع جماعة مؤمنة دائمًا دون أن تناقشه فيما هو فيه.
رابعًا: إطالة المكوث في أحضان الطبيعة، وقراءة صفحة الكون الجميل، والتأمل في آلاء الله تعالى.
خامسًا: الالتزام بالأوامر الشرعية حتى في فترة سيطرة الشيطان عليه، وسلبه نعمة الإيمان -كما يظن- والإكثار من تلاوة القرآن الكريم، والصلاة، خاصة قيام الليل.
سادسًا: طرد الشيطان كلما عرض له بشكوكه، بقوله له وبصوت مسموع: لقد عرفتك، أنت الشيطان أتيت لتسلبني سعادتي وتتركني في ضياع، اغرب عن وجهي. ويتفل عن يساره؛ لأن هذا الذي يعرض له إن هو إلا عمل من أعمال الشيطان.
حمدًا لك اللهم على نعمة الإيمان، ووالله لو علم الملوك ما نحن عليه من السعادة بهذه النعمة لجالدونا عليها بالسيوف.
وأخيرًا، نرجو من أخينا صاحب الرسالة أن يطبق ما ورد في معالجتنا لهذا الموضوع، وأن يطمئننا عن حاله في رسالة مبشرة بالتحسن إن شاء الله.
«د. قلعة جي»