; مشكلة السودان؟ أم مشكلة جنوبه؟ | مجلة المجتمع

العنوان مشكلة السودان؟ أم مشكلة جنوبه؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1983

مشاهدات 99

نشر في العدد 630

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 26-يوليو-1983

  • مستقبل السودان ووحدته وفقًا للاضطرابات الأخيرة

  •  لجوء جزء من قوات الأنيانيا إلى داخل الأحراش

  • ما عاد الحافز المشترك للتمرد موجودًا

  • الصراع الداخلي في الجنوب وحقيقته

  • هل الجنوب منطقة مسيحية حقًّا؟!

  • لا وجود لمشكلة للجنوب إلا في إطار مشكلة السودان العامة

  • عائق الرسالة المزيفة متى يزول؟

الأحداث التي شهدها جنوب السودان في الأسابيع القليلة الماضية وما سبقها تجعل الكثيرين من الناس يتساءلون عن مستقبل السودان ووحدته وفقًا لهذا الاضطرابات، والتي شهدت فصولها صورًا مشابهة ما حدث في تمرد 1955م وإن كان بصورة مصغرة كثيرًا إلا أنها تحوي شيئًا من ملامحه السابقة. فكما قتل الشماليون من قبل في ذلك التمرد الشهير، تم أمر شبيه بذلك على أن الظروف الجديدة لم تساعد على امتداد الفتنة كما كان الحال من قبل.

ولكن الذي يؤكده المراقبون وتلمح به السلطات المسئولة في الخرطوم أن جزءًا من قوات الجيش الجنوبي المسمى سابقًا بالأنيانيا قد لجأ إلى الأدغال مرة ثانية. وبدأ في ممارسة ما كان يقوم به من قبل من نصب «الكمائن» في طريق القوات الحكومية واصطياد جنودها، وزرع الألغام وترويج الفوضى والذعر في النفوس.

المتغيرات المستجدة

ولكن هناك متغيرات عديدة تحول بين المتمردين وبين إشعال الحرب في صورتها الأولى. فالحافز المشترك الذي جمع عددًا كبيرًا من أبناء الجنوب في حرب العصابات التي دامت لمدة سبعة عشر عامًا لم يعد موجودًا أو متوفرًا. فمن قبل كان أبناء الجنوب إزاء قضية لها رصيد واقعي محفز. ولكن تلك القضية وذلك الحافز تبددا إلى حد بعيد، بعد أن خمدت نيران ثورتهم لأكثر من عشر سنوات- عمر اتفاقية أديس أبابا التي وقعت في 1972م- وبالتالي فإن إشعال الأمر من جديد وبصورته السابقة ليس بالمسألة الهينة.

ثم إن الجنوبيين كانوا متجمعين من قبل حول قضيتهم وشعاراتها التي رفعوا. أما بعد الاتفاقية واستمرارها لهذه الفترة فليس من السهل إقناع الجنوبيين بحمل السلاح من أجل قضية مموهة أو تشكل صورة من تضارب المصالح القبلية أو حرص بعض الجماعات على إفناء الأخرى. وحتى إن حدث هذا فسيكون حربًا جنونية- جنوبية. وليس كما كان الحال من قبل حربًا ضد الشمال العربي المسلم والذي كانت الجهات الكنسية تذكي النار ضده وكأنها تعبئ حملة صليبية جديدة.

القواعد المفقودة

ومن المتغيرات المستجدة أيضًا سقوط القواعد التي كانت تشكل أرضيات للانطلاق. فمن قبل كانت أثيوبيا هيلاسيلاس هي القاعدة لقوات الأنيانيا تصلهم عن طريقها شحنات السلاح من العالم الصليبي و"إسرائيل". ويجدون في ساحاتها سبيلًا للتدريب. كما وكانت يوغنده قاعدة أساسية أخرى ولعلها مقدمة على أثيوبيا في بعض الأشياء. والآن جدت أحوال بالنسبة للبلدين فقد شغلتهما قضاياهما الخاصة وهمومهما الجديدة من الآخرين. وليس في إمكان أي منهما أن يزج بنفسه في حلبة صراح جديد.

ولعل كل ما تهفو نفسه للخروج على السلطة المركزية يثني عزمه استحضار هذه الحقيقة.

ما الذي حدث أساسًا؟

لعل القارئ الكريم يتطلع بعد هذه المقدمات إلى التعرف على حقيقة دواعي ما جرى في فائت الأيام. فالحق أن الأحداث الأخيرة والتي أخمدت بالقوة المسلحة. كان لها من منطلقات عصبية وقبلية. وهذه مسألة لا بد من التنوية بها في فهم ما يجول في جنوب السودان. فما زالت القبلية هي المحرك الأساسي لكثير مما يجول. وقد تضاربت مصالح هذه القبائل واضطرب ميزان قواها وفقًا لما تراه وتنطلق منه. والصراع في هذا الوقت صراع حول السلطة واقتسامها إلى حد بعيد فضلًا عن المعاناة العامة التي يتردى فيها السودان ويصطلي الجنوب بنارها بدرجات زائدة إن أردنا الحق.

وأما الداعي الخارجي- إن صح أنه كذلك- ففي القرار الجمهوري الذي صدر بإعادة تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم. وقد رأى بعض من أهل الجنوب إن في ذلك أضرارًا بوحدة الإقليم وتفتيتًا له مما يعكس نية الشمال «العربي المسلم» في تذرية الجنوب.

الحقائق المجهولة:

لقد أفلح الإعلام الصليبي وأجهزته في تصوير جنوب السودان كمنطقة مسيحية مغلقة تمامًا، وأن مسلمي الشمال يريدون إكراهه وقسره على ما لا يريد.

والحق إن هذه فرية لا تتطرق إليها نسبة من الصدق ولو هينة. فجنوب السودان ليس نصرانيًّا كما يصور. ولا تشكل نسبة المسيحيين فيه أكثر من 5% كأقصى حد -مهما جادل المغرضون- بل لعل الذي لا يعلمه كثير من الناس أن الأرجح بمقياس العددية هي نسبة المسلمين في الجنوب؛ فالمسلمون من أهالي الجنوب أكثر من المسيحيين فيه! ولو كان هناك نسبة تصح للجنوب لقيل إنه وثني بحسبان أن الأغلبية المطلقة من سكانه كذلك.

وقد ساهم في ترويج هذه الفرية الرعاية الكنسية المبكرة التي لاقاها مسيحيو الجنوب إذ أتيحت لهم الفرص لتلقي التعليم في داخل المعاهد الكنسية وخارجها. وفتحت لهم أبواب الجامعات الغربية منذ وقت مبكر حتى يشكلوا الطليعة المثقفة من سكانه في المستقبل. ويتسنمون من ثم مقاليد السيطرة والتوجيه. وقد سارت تلك الخطة كما أريد لها لتمثل واقعًا قائمًا الآن فإذا نظر الناس في أهل الشأن في الجنوب وجدوهم جميعًا أو جلهم من منتسبي النصرانية فيتوهمون أن أغلب أهل الجنوب مسيحيون.

وأمر ثان

كما أسلفنا في حيثيات التمرد الأخير فإن القائمين به يرون أن هناك سعيًا لتفتيت وحدة الجنوب، وهذه الحيثية مبنية على ما سلف ذكره.- مسألة أن الجنوب مسيحي- فيسبق إلى سامعها أن تلك الصفة المسيحية للجنوب صبغته بوحدة ذات طابع مميز. وذلك أمر متيقن لو أن المقدمة التي بين يديه صحيحة! ولكن ليس الأمر كذلك فالجنوب ليس مسيحيًّا كما ذكرنا.

وليس افتئاتًا على الحق ولكن ليس هناك وحدة في الجنوب حتى تفتت! فليست هناك وحدة عرقية ولا وحدة ثقافية ولا وحدة في النحلة والعقيدة. وهذه هي المسائل الأساسية التي يمكن أن تشكل وحدة أو اتحادًا في مجموعة ما من بني الإنسان.

فمعلوم أن في السودان مائة وعشرين لهجة محلية نصيب جنوبه منها يقارب النصف أو يزيد. وليس هناك لغة يحتكم إليها أهل الجنوب. بل لكل لهجته التي يصر عليها ويعتد بها. واللغة المشتركة بين أهل الجنوب هي اللغة العربية!!

ومع محاولات الهجمة الصليبية الحديثة المصطلح عليها بالاستعمار في تدوين لهجات أهل الجنوب ومحاولة الوصول للغة محلية مشتركة فقد باءت كل تلك المساعي بالفشل مع ما بذل فيها من مجهود.

وقد جيء بالإنجليزية ضرة للعربية فلم تلاق سبيلها إلى العامة -منطقا- وظلت محجوزة في إطار المجموعة المتعلمة.

وما يقال عن ثقافة الجنوب يمكن تطبيق حيثياته على الأعراق التي فيه والعناصر السكانية التي تقطنه كما يمكن تطبيقه على ما يسوده من نحل وعقائد. ومن ثم فلا وجود لهذه الوحدة التي يخشى عليها الخارجون من جماعات الأنيانيا! اللهم إلا إذا نزلنا عند الاعتبارات الجغرافية وجعلناها عنصرًا يعود عليه كثيرًا. ونحن لا ننفي أهميته ولكن تثبت كثير من الحقائق أنه لا يعتمد عليه كثيرًا في هذا الشأن.

متكأ المبالغة:

عندما غزا محمد علي باشا السودان- 1821م- كان غرضه الأساسي هو جلب الرجال لتدعيم جيشه وتحقيق أحلامه التوسعية. وقد كانت تجارة الرقيق في ذلك الزمان مركزة في أفريقيا وقد كان لجنوب السودان نصيبه من ويلات تلك التجارة. ومع أن كثيرًا من العناصر الأوربية كانت تمارس ذلك -بل كانت هي المحتكرة لها في كثير من الأحيان- إلا أن التربية الكنسية أفلحت في أن تغسل دماغ ضحاياها من أبناء الجنوب السوداني من تلك الآثام الأوربية. ولم تبق في الأذهان سوى أن المسلمين العرب كانوا هم المسترقين وأن الرجل الأبيض هو الذي أتى لاستنقاذهم من ظلم العرب المسلمين.

ولا شك أن هذه الأثارة الحساسة تجد آذانا صاغية خاصة إن صدرت من رب نعم. وقد وجدت هذه المبالغات ومنسوجات الخيال طريقها إلى عقول أبناء الجنوب من رعايا الكنائس ونمت معهم حتى تطورت وجعل منها جامعة لجل أبنائه.

وقد كانت هي المتكأ الذي أذكى نار التمرد بكل ويلاته ومقاسيه. ولم يكن هناك عنصر يوحد أهاليه سوى هذا.

ولا ريب أن محو هذه المبالغة يتطلب زمانًا وأخلاقًا وقدوة ونظرًا واعيًا بصيرًا. وفق هذا وذلك روح دعوة وشعور رسالة لم يملك المسلمون وخصوصًا الشمال السوداني النصيب الوافي منه!

وأمر المستقبل

كما صدرنا هذا المقال أن روح التمرد في قوات الأنيانيا تسربت من جديد وذهب جماعة منها للأدغال. ومع ما ذكرناه من أن عوامل الأمس التي ساعدت على اتساع روح التمرد فيما سبق ليست متوفرة اليوم. إلا أن ذلك لا يعني انتفاء القابلية لانتشاره وإذكاء ناره من جديد!

حقيقة لا يمكن تجافيها:

إن مشكلة السودان اليوم هي مشكلة الظلم المخيم على جميع أركانه، وحقيقة الظلم تعني دائمًا انعدام أمن الحاكم والسلطة. ومن ثم لا يغدو هناك هم سوى حماية النظام وفرض سطوته. وسيكون ذلك هو الهم الأوحد الذي يستنفذ كل طاقة ومجهود لدى الدولة.

وهذه الحيثية تنطبق انطباقًا كاملًا على النظام السوداني فتكاد ميزانية أمنه تلتهم كل موارده، فضلًا عن العناصر المفسدة التي لا يهمها سوى جمعها للمال والمتاع مصًّا لدماء الناس أو سيرًا على جثثهم لا يهم. وإنما المهم هو أمر بقائها مفسدة لا تطالها يد.

وهذه الحقائق أفرزت جوًا لا يساعد على الإصلاح إلا في إطار التصريحات والوعود الطنانة. أما في المجال العملي فما زالت كتائب الفساد والإفساد تسير باطمئنان وتنام ملء جفونها لا يؤرق فؤادها شيء.

مشكلة الجنوب الحقيقية:

إنه لا توجد مشكلة للجنوب إلا في إطار مشكلة السودان العامة التي بيناها في السطور السابقة. أي أمر العدل المعدوم والذي قد يعاني شمال السودان جرعات أكبر منه عما يلاقيه جنوبه في بعض الأحيان. ومتى ما بزغ فجر العدل في السودان فقد تهيأ السبيل لحل كل مشكلة.

العائق الأكبر:

وهذا عائق مشترك بين العالم الإسلامي كله وهو أمر الرسالة المزيفة والتوجه العقيم فقد صبغت أمة الإسلام بكم هائل من المقولات المزيفة والأهداف السرابية الكاذبة. وشبع بشعارات الوطنية والتوجه القومي والمناهج الليبرالية والاشتراكية وما بينهما دون أن يجني ثمرة تذكر أو يكون لذلك أي ذخر في الجنان والوجدان.

واصطدمت تلك الرسالة المزيفة- أو الرسالات- بالرسالة الصحيحة السائدة- الإسلام- فلا استطاعت انطلاقًا بالناس ولا تركت الإسلام ينطلق بهم.

وما لم تخلص الأمة في استمساكها برسالة صحيحة فليس أمامها من سبيل.

بيان وتفصيل

إن بالسودان كثيرًا من العناصر والأجناس واللهجات لم يشهد التاريخ توحيدًا لمثلها ولا إذابة للفروقات بينهم مثلما شهده في عهد سيادة الإسلام.

والخطر الذي يتربص اليوم بالعالم الإسلامي وبالسودان بالطبع أيضًا هو خطر الفرقة والانقسام وذلك في ظلال التوجهات العقيمة والرسالات الزائفة التي سبق التنوية بها.

ولو أعمل الناس نظرهم في بعض ملامح الجنوب السوداني لرأوا أن اللغة المشتركة له هي العربية وأنه قد نجحت محاولات لتدوين لهجاته بحروفها. ولو قرأ الناس شيئًا من وثائق الاستعمار لرأوا تصريحات لهم حول حيلولتهم بين الجنوبيين وبين اللغة العربية بحسبان أن العربية هي هي لسان الإسلام ولا فصل للسان عن جسد!

لقد كان هم الاستعمار كله أن يقضي على ملامح الوحدة التي رأها في الجنوب مما يربطه بشمال السودان فحرم العربية وحرم الأسماء المسلمة واللباس غير الأوربي وبذل جهده لاستئصال كل ملمح ذي جوهر إسلامي ليقينه أن تلك العناصر ومصدرها الإسلامي، هي البوتقة والإطار الذي يمكن أن يصهر كل العناصر.

وقد كان الإنجليز- ممثلو الهجمة الصليبية الحديثة في السودان- يقرأون التاريخ جيدًا ويفهمون طبيعة الإسلام وخصائصه من خلال مستشرقيهم. فصدروا في خطة التفرقة والتفتيت للسودان عن علم غزير.

ما لم يستطع الوطنيون استثماره:

وبعد ذهاب الإنجليز كان الأمل أن يبذل أبناء السودان جهدهم في استثمار الثروة الإسلامية ليوحدوا بها العناصر الوثنية في الجنوب- وما أكثرها- في إطار واحد.

ولكن سبقت خطط المسخ والتزييف للتوجه من خلال الإيدي الإنجليزية الصليبة الخبيرة.

وأفلحت في مقصدها حتى أن الفرص المتاحة للهيئات الكنسية بعد جلاء الاستعمار لم تحلم بها تلك الهيئات أيام كان الإنجليزي الذئب الوحيد الذي يرعى الغنم!!

وقد كانت الفرصة متاحة لتلافي ذلك في العهود التالية. ولكن لم يحدث شيء يذكر. وحتى الآن لم يحدث ما يطمئن البال.

الأمل الباقي

على أن الأمل في الله لا ينقطع فقد انقضت السنوات المشروطة في إغلاق جنوب السودان في وجه الإسلام والعربية. وعسى الله أن يبعث في أبناء السودان من يحرص على تشكيل الثقافة الموحدة لأبناء السودان جمعًا والتي لن تكون في غير إطار الإسلام.

وعسى الله أن يرفع البلاء عن عالم الإسلام كله ببزوغ فجر جديد يطلق عهود الضياع والتبديد، والله المستعان.

الرابط المختصر :