; مشكلة الشباب وفراغ عطلة الصيف | مجلة المجتمع

العنوان مشكلة الشباب وفراغ عطلة الصيف

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1977

مشاهدات 44

نشر في العدد 353

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 07-يونيو-1977

بدأت عطلة الصيف الطويلة لتترك لنا -شأنها كل عام- آلافًا من شبابنا نهبًا للفراغ وصيدًا لتيارات الفساد والضياع إلا من عصم ربك وقليل ما هم!! ومع وضوح المشكلة وإحساس كل بيت... بها، بل وإحساس أجهزة الدولة، فإن التحرك لدراستها ووضع الحلول لها ضعيف ومحدود وروتيني لا يتناسب أبدًا مع خطورة المشكلة وأبعادها وآثارها على الأمة أفرادًا وأسرًا وعلى مستقبل الأمة ككل، ولست بحاجة إلى الحديث عن أهمية الشباب -أمل الحاضر وقادة المستقبل وصانعيه- فذلك أمر كثر الحديث فيه، وإنما أفترض أن الجميع يسلمون بهذه الأهمية لأنتقل إلى ما يجب عمله فعلًا لحماية هذه الثورة الثمينة العزيزة من أن تتبدد فيما يضر، أو حتى فيما لا يفيد. ومن المعروف للجميع أن الشباب يمتلك طاقات هائلة من الحيوية والنشاط، ولا بد لهذه الطاقات من متنفس... من مجال تنفق فيه لتهدأ نفوس أصحابها ويشبعون رغباتهم الطبيعية في العمل والحركة والبذل. وهم في هذا أمام واحد من احتمالات أربع واحد منها حق وخير وبركة وباقيها يجر إلى الهلاك... فإما أن تهيأ أمامهم -بالحكمة والفهم- وسائل ومجالات للنشاط والعمل الذي يعود على أجسامهم وعقولهم وأرواحهم بالراحة والنمو والسمو وهذا هو الطريق الحق الذي نتطلع إليه ونرجو أن نعرض ما لدينا مساعدة وإسهامًا في رسم خطة له، وإما أن يقعوا فريسة لخطط المفسدين والهدامين أيًا كانت الصورة التي يتسترون وراءها: إعلامًا أو فنًا أو ثقافة... أو... إلخ... ولا شك أن هناك من يخططون -وبإحكام- لحرمان الأمة من ثروة الشباب التي لا تعوض، تمامًا كما ينهبون ثرواتها الطبيعية الأخرى. والشباب -إذا لم يجد البديل الصالح- سهل عليه أن يقع في شباك خطط المفسدين -إذ الشباب قليل الخبرة ميال- بحكم سنه وطبيعة المرحلة التي يمر بها- إلى كل ما فيه بريق وإشباع لميوله وغرائزه، وذلك ما برع فيه حلفاء الشيطان. فإن عدم الشباب هذه الطريق أو تلك دفعته طاقاته وغرائزه إلى البحث عن أي شيء -وقلما يحسن الاختيار للأسباب المشار إليها- فكان أشبه بحاطب الليل، فإن حرم حرية البحث بأن فرضت عليه القيود -ولو بدافع الخوف عليه من الانحراف- كانت العاقبة أوخم. إنه الكبت الذي يبعث على العمل في الظلام ويربي كل صفات السوء، أو يولد -إذا أحكمت الرقابة- انفجارًا مدمرًا.

إذن، لا مفر من البحث والعمل، وتلك مسئولية الجميع: الآباء والأمهات أولي الأمر من أصحاب الفكر والرأي السليمين، ومن المسئولين في أجهزة الدولة... كل على حسب طاقاته وإمكانياته ودرجة العلاقة التي تربطه بأولئك الشباب...

الآباء والأمهات ومن في حكمهم في المقام الأول بحكم الصلة الخاصة بينهم وبين أولادهم في سن الشباب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾  ثم أولي العلم والرأي، لا أريد أن أخص ذوي الثقافة أو الوظائف الدينية وحدهم، وإنما أعني كل ذي علم ورأي ناضج ما دام الله قد أنعم عليه بالإخلاص والرغبة الصادقة في علم الخير لأهله وأمته، وبعد ذلك أجهزة التوجيه في الأمة وفي مقدمتها تلك التي وظيفتها الأساسية تربية الشباب وإعدادهم... كالتربية والجامعة والأوقاف ثم الإعلام... وإلى أنسى الجمعيات الدينية والثقافية والمجلات وغيرها... كل هؤلاء عليهم أن يراجعوا أنفسهم تجاه ما عليهم من مسئوليات نحو الشباب ويحاسبوا أنفسهم- منصفين- عما فعلوا لحمايته وتربيته.

والذي يلاحظه المتتبع لهذه المشكلة ولموقف تلك الطوائف منها، يرى -للأسف- تهاونًا ولا مبالاة... اللهم إلا في القليل النادر، كما هو الحال فيما أعلنت عنه وزارة الأوقاف وجمعية الإصلاح من حلقات تحفيظ القرآن ودروس الدين... وحتى هذه ليست بكافية ولا قادرة على امتصاص وإشباع كل رغبات الشباب وطاقاتهم.

أما ما عدا هاتين الجهتين فلا شيء تقريبًا!! النوادي مفتوحة فعلًا ولكنها بلا موجه ديني... ولسنا ندري ماذا يتعلم الشباب بجانب الرياضة فيها... برامج التراويح -!!!- السياحي هي في جملتها بعيدة عن خدمة الشباب، بل ربما يضرهم بعض ما تقدمه... معسكرات الشباب لا تتسع إلا لمئات محدودة جدًا... -600 على ما سمعت- ولا ندري أيضًا مدى حظها من الاهتمام بالتوجيه الديني والخلقي والتربوي... 

من هنا يحس المرء أن مشكلة الشباب وفراغ الصيف ما زالت حقلًا خصبًا لكل الجهود المخلصة... وقد كان المفروض أن توضع الخطط والبرامج المفصلة قبل بدء العطلة، وتأخذ حقها الكافي من الإعلان عنها والتعريف بها... ومن هنا فإن ما سأقدمه هنا من اقتراحات قد يكون عرضه جاء متأخرًا... ولكن إن صدقت النيات، فلست أرى استحالة في إمكان الاستفادة ببعضها هذا الصيف... على أن نبدأ الدراسة والإعداد لعمل متكامل وشامل يطبق في العام القادم حيث ستواجهنا نفس المشكلة...

وما أقدمه هنا من مقترحات إنما هو خطوط عريضة... أما تفاصيلها فمن اليسير وضعها حين توجد النية والرغبة الصادقة والعزم على التنفيذ.

أولًا: مقترحات بمشروعات تتولى تنفيذها الهيئات الرسمية وغير الرسمية 

بالتعاون بين الإدارات المختصة في الأوقاف والتربية والإعلام والهيئات الأخرى يمكن القيام ببعض النشاطات التالية:

1- المسابقات الدينية والثقافية والعلمية

تقام على مستوى البلد كله، أو يقسم البلد إلى مناطق لتيسير التنفيذ ولإيجاد روح التنافس بين مختلف المناطق، وترصد جوائز سخية مادية وأدبية. وليس هناك ما يمنع من ربطها -بالنسبة للطلاب- بنشاطهم المدرسي فيحتسب مثلًا للفائزين في هذه المسابقات نسبة ومعينة من الدرجات - ...%- تضاف إلى المجموع الكلي في نهاية العام لترفع مستوى نجاحهم بين أقرانهم.

تكون هذه المسابقات متعددة المستوى لتلائم مختلف فئات الشباب حسب السن ومستوى الدراسة. وتغطي موضوعاتها مجالات متنوعة في الدين الإسلامي والتاريخ واللغة العربية والثقافة العامة الجادة والنواحي العلمية.

ومن ضروب التشجيع والمكافأة أن تبرز أسماء الفائزين في المدارس والمكاتب العامة ونحوها ليطلع عليها أكبر عدد من أندادهم حفزًا للجميع على المساهمة والمنافسة. كذلك أن توضع نسخ من البحوث الفائزة في مكان خاص في المكتبات العامة في كل حي.

2- المعسكرات الإسلامية

وتقام تحت رعاية الهيئات الرسمية والشعبية على أن تعتمد في كثير من نواحي إعدادها على الجهد الذاتي... وتستهدف تعويد الشباب الراغب الجاد على نمط من الحياة الجادة المثمرة كما بينها الإسلام ومارسها سلفنا الصالح...

3- المحاضرات العامة والندوات 

وينبغي الإكثار منها وتنويع موضوعاتها وأساليب تقديمها... فهناك المحاضرات في الدين والحياة والعلم والأدب والفن المحتشم المفيد... وهناك اللقاءات المفتوحة في مختلف المجالات للتدارس والمنافسة وطرح الأسئلة لتربية الشباب على الثقة بالنفس وعلى التنافس والابتكار وتعود أدب الحديث... وهناك المناظرات التي تثير الحماس والحيوية... وتدفع إلى القراءة والبحث... وهي نمط جيد من النشاط الفكري والعلمي اختفى من بيئات العلم في وقتنا الحاضر لغلبة السطحية والنفعية وعنصر السرعة عليها.

4- المشاركة في نشاطات علمية متخصصة

هذا الميدان للناضجين والمتقدمين من الشباب كالنابهين من طلاب وطالبات الجامعة وذوي الميول والتعمق من سواهم، ولكنه بحاجة إلى جهات متخصصة تتولى تحديد العمل وتوجيه المشتركين فيه ومراجعة ما يقومون بها ثم الاستفادة منه. ويمكن -بل ينبغي- أن ترصد مكافآت سخية للممتازين ممن يسهمون في هذه الأنشطة، وعلى سبيل المثال -لا الحصر- نذكر النماذج التالية: 

أ- عمل فهارس متنوعة لمحتويات المجلات الجادة التي تصدر في هذا البلد، وهي مهمة ضخمة وعمل نافع يتطلع إليه كثير من الباحثين الذين يكثر رجوعهم إلى تلك المجلات، مثلًا نحن بحاجة إلى فهرس هجائي موضوعي لأعداد مجلات: المجتمع، الوعي الإسلامي، العربي، عالم الفكر وغيرها منذ أول عدد حتى الآن، وأظن أن الشباب الناضج الجاد -بعد قدر يسير من التوجيه والتدريب- يمكنه القيام بهذه المهمة وفي وقت قصير إذا وزع العمل على عدد منهم.

ب- نحن في حاجة إلى مجموعة من الإحصاءات تتصل بالقرآن الكريم، بعضها يتصل بمحتوياته من الموضوعات أو بألفاظه ونوعياته من الوجهة اللغوية، وهما مجالان واسعان وميسوران للشباب المؤمن الواعي إذا تلقوا قدرًا معقولًا من التوجيه وعملوا تحت إشراف بعض المتخصصين.

ثانيًا: مقترحات بمشروعات تتولى تنفيذها جماعات المواطنين:

يجب على كل فرد يقطن حيًا من الأحياء أن يحس بأنه مسئول عن خدمة هذا الحي في مختلف جوانب الحياة، ومسئول أيضًا عن شباب وشابات هذا الحي وحمايتهم من التعرض للضياع.

 ومن هنا فإن من واجب السكان في كل منطقة أن يتجمعوا ويتشاوروا إخوة فيما بينهم للتعاون على البر والتقوى، وإذا كان في كل حي من تجمعوا وساهموا في إقامة جمعية تعاونية وما يتصل بها من خدمات، فلم لا يجتمع هؤلاء وغيرهم من سكان نفس المنطقة للنظر في مصلحة شبابهم وشاباتهم واستغلال طاقاتهم الهائلة فيما يعود عليهم وعلى منطقتهم بخير أكثر؟ أهو الربح المادي الذي يحركهم لإقامة الجمعيات؟ إن الشباب ونفعهم، ثم ما عند الله من أجر عظيم للمتعاونين على البر والتقوى لهو أعظم وأبقى، لينهض أهل الخير في كل منطقة لعقد اجتماع موسع لضم الآباء والشباب للنظر والبحث ووضع الخطط التي تضمن للشباب، وللحي أيضًا، عطلة مثمرة بريئة من شرور الفوضى والفراغ الذي يهدد فلذات الأكباد وأمن الآمنين.

ومن باب المشورة والتعاون على الخير أقدم الأفكار التالية:

1- لجان خدمة البيئة:

يمكن أن تكون من كل منطقة أو حي جماعة أو أكثر من الشباب مع إشراف واحد أو أكثر من الآباء للعمل على خدمة البيئة وتحسينها واستكمال ما ينقصها، من نحو تشجير المناطق الخالية، والفراغات المحيطة بالمساجد، التعاون لضمان نظافة الحي وغير ذلك مما تكشف عنه المناقشات الواقعية.

2- تطوير الديوانيات:

تحويل بعض الديوانيات الكبيرة والمشهورة في الحي إلى منتديات راقية يقدم فيها زاد نافع من علم وأدب ودين يفيد منه الكبار والصغار بدلًا من أن تكون مقتلة للوقت ومجلبة للذنوب، لقد كانت بيوت الكبار وأهل العلم والفضل في الماضي مدارس تخرج فيها الكثيرون ومن جلساتها انبثقت الأفكار والتيارات، فمتى تصبح لنا هنا أسماء مشهورة ومتميزة: ديوانية فلان لدروس الدين... وديوانية علان للأدب... وفلان للغة... و... إلخ؟! ويعرف الحي كله موعدًا ثابتًا واتجاهات متميزة لكل ديوانية، ولا بأس أبدًا من أن تستضيف الديوانيات بعض البارزين في ميادين الثقافة من حين لآخر، فتكون فرصة لرواد الديوانية أن يسألوا ويناقشوا ويستفيدوا.

3- مجلات الحي:

إنشاء مجلة أو نشرة تحمل اسم الحي وتوزع على أهله تنقل إليهم ما يهمهم معرفته أولًا بأول مع شيء من بحوث الدين والثقافة، ومناقشة لمشاكل المنطقة ومقترحات التحسين والخدمة... وغير ذلك... ويتولى الشباب بأنفسهم -تحت الإشراف- إعداد موادها وإخراجها، وقد توزع مجانًا أو بثمن ضمانًا للجدية، وهي فرصة طيبة لتدريب الشباب وتربية ملكات الكتابة والنقد ونزعات الإصلاح والتوجيه فيهم.

4- محو الأمية ودروس التقوية:

محو الأمية بين الكبار والشباب أيضًا رجالًا ونساء، عمل من أعمال الخير والإصلاح والشباب المتعلم قادر على الإسهام في ذلك، وكذلك الشابات مع الأميات من جنسهن، وبالمثل دروس التقوية للمتخلفين أو الضعفاء من أبناء الحي، ويا حبذا لو ركزت دروس التقوية في ميداني الدين واللغة العربية حتى يمكن لكل حي الاستعانة بواحد أو أكثر من أئمة المساجد في الحي.

5- برامج الشابات والنساء:

في بعض ما سبق ذكره من أنشطة سواء تلك التي تقوم بتنفيذها الهيئات أو جماعات المواطنين يوجد مجال أيضًا للشابات ما لم يؤد ذلك إلى اختلاط بين الجنسين، أما عند الاختلاط فيجب البحث عن بديل يتيح للشابات والسيدات ميدانًا لنشاطات تخصصهن يمارسنها وحدهن، فللشابات والسيدات كامل الحق والمسئولية أيضًا في كل ما يدور في البيئة، وعلى ذلك يمكن أن تحدد -بعد المشورة والدراسة- أماكن خاصة في أيام معينة للقاءات يتدارسن فيها الدين ومشاكل الأسرة... أو تقام لهن مكتبة خاصة لا يختلط معهن الشباب فيها، أو تنظم لهن دروس في المساجد... إلى غير ذلك ...

تلك هي المقترحات التي يسرها الله لي... ولا شك أن الشورى والتعاون المخلص سيفتح لكل جماعة مجالات أخرى أرحب وأكثر فائدة... لكن المهم هو الإحساس الواعي الشامل بالمشكلة والتصميم على تلمس الحلول وتنويع المجالات والأنشطة في النوع وفي المستوى تلبية لمختلف الاتجاهات والتطلعات والطاقات عند الشباب. وإذا كانت هذه الدعوة لم تأت في وقتها المناسب بل تأخرت قليلًا، فلست أرى أن الفرصة قد فاتت... وما لا يدرك كله، لا يترك جله... وعطلة الصيف طويلة تسمح بقدر من التخطيط ثم التنفيذ ولو لبعض هذه المقترحات، على أن نبدأ من الآن -فعلنا شيئًا هذا الصيف أو تكاسلنا- في الإعداد الهادئ والمخلص لمشروعات الصيف القادم وما سيتلوه من أصياف، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

عبد الوارث سعيد

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 31

77

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

هذا الأسبوع (31)

نشر في العدد 77

100

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

هذا الأسبوع (العدد 77)

نشر في العدد 116

97

الثلاثاء 05-سبتمبر-1972

أكثر من موضوع (116)