; مشكلة النازحين في السودان | مجلة المجتمع

العنوان مشكلة النازحين في السودان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1988

مشاهدات 76

نشر في العدد 857

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 08-مارس-1988

تدور في جنوب السودان حرب شرسة تقوم بها مجموعة من العصابات من قبائل الجنوب وقبيلة الدينكا على وجه الخصوص. هذه الحرب الضارية أدت إلى هجرة أعداد كبيرة من جنوب السودان إلى وسط وشمال السودان وعاصمته.

 زادت هذه الهجرة شدة عوامل الجفاف والتصحر. وفي أول الأمر، كان النزوح قليلًا وهينًا. منذ عام 1983، كان هناك استقبال للمسلمين النازحين من بحر الغزال إلى أماكن مثل الميرم وخلافها، وكان العدد محدودًا أمكن استيعابه في كثير من مدن غرب السودان والعاصمة، ولكن في العامين الماضيين وبالتحديد منذ 1985، زادت هجرة الجنوبيين إلى العاصمة بأعداد كبيرة ونزحوا من غرب السودان إلى وسطه وشماله وشرقه.

ولا توجد مدينة في شمال السودان اليوم إلا وبها أعداد تصل إلى الآلاف من أبناء جنوب السودان. ومن ناحية عامة، فلا تستطيع السلطات أن تمنع مواطنًا سودانيًّا من النزوح من أي مكان في القطر إلى مكان آخر.

فإذا أخذنا مثالًا، فالمدن والقرى ما بين ملكال والرنك جميعها الآن قد هُجرت. مدنٌ وقرى رحل أهلها شمالًا إلى الرنك، حيث توجد بعثة لمنظمة الدعوة الإسلامية.

نتج عن ذلك أن خلوة "الروضة" صار عدد الطلاب بها 1000. وجاءت عوائل كاملة تسكن في مدينة الرنك ثم نزحت أعداد منهم شمالًا إلى مناطق ربك والجزيرة؛ بحثًا عن العمل، ووفدوا إلى مصانع سكر كنانة وعسلاية، ثم استمروا في الهجرة إلى مصانع سكر غرب سنار فـ الجنيد فـ الخرطوم.

وفي الخرطوم، التقى الرافد برافد آخر من الجنوبيين القادمين عن طريق غرب السودان والميرم والضعين حتى كوستي ومنها إلى الخرطوم. وبدأ النازحون يشكلون حزامًا بشريًّا حول العاصمة السودانية.

وحول العاصمة السودانية اليوم حوالي المليون نسمة قادمين من خارج العاصمة. هذا الحزام البشري غريب على العاصمة، غربة حقيقية.. غربة الوجه واليد واللسان والدين والتقاليد. فالمدينة الكبيرة لا تسعه، وهو يجهلها ويجهل مداخلها ولا يعرف كيف يكسب عيشه فيها.

وفي أول الأمر، ظن كثيرون أن حضور هذه الأعداد سيكون خيرًا كثيرًا، فهؤلاء الجنوبيون يتعرضون لأول مرة للأثر العربي الإسلامي المباشر ولأثر الإسلام والدعوة إليه، وبما أن الإسلام أصلًا في جنوب السودان يُنشر في المدن دون الريف، فقد كان الظن أول الأمر أن عملية النزوح هذه ستكون محصلتها إيجابية وتخفف العبء علينا بدلًا أن تنتقل إلى قراهم وأماكن تواجدهم، فقد جاءوا للوسط المسلم والمدن المسلمة. ولكن النزوح استمر وتكاثرت الأعداد بطريقة فاقت كل وسائل استيعابهم ومساعدتهم خصوصًا في خدمات الصحة والتعليم والأمن والماء والغذاء.

وقد بدأت كل المنظمات الإسلامية في مساعدتهم؛ وذلك بفتح العيادات الطبية والإغاثة بالطعام، وكذلك بالتحصين لأطفالهم وفتح خلاوي القرآن "الروضة" ومدارس ابتدائية، ولكن كانت منافسة الجهات الكنسية شرسة. ولكن المؤسسات الإسلامية العاملة استمرت في كفاحها وعملها في محاولة جادة لاستيعاب هؤلاء الإخوة على الرغم من أن الكنيسة كانت تحرص على مقابلة الأسر النازحة. وإذا قامت المؤسسات الإسلامية بتقديم وجبة الطعام، فالكنيسة تقدم الطعام ومعه الحذاء والكساء، وصار الآن في كل كنائس السودان يتم تقديم ملابس الرجال والأطفال والنساء.

واستمر النشاط التبشيري النصراني تقوم به 80 كنيسة في مقابل المؤسسات الإسلامية الآتية التي تعمل في الحقل:

1.     منظمة الدعوة الإسلامية.

2.     الوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة.

3.     الإغاثة الكويتية ولجنة مسلمي إفريقيا.

4.     الهلال الأحمر السعودي.

5.     المركز الإسلامي الإفريقي.

ثم بعد ذلك ظهرت صورة لم تكن في الحسبان؛ هذه الصورة هي التي تبشر وسط المسلمين وأماكن الضعف الإسلامي وسط المعلمين.

أما في القرى النائية أو وسط البدو فتتم مساعدتهم إما بالغذاء أو تحصين المواشي ودراسة أمراض النخيل وإيجاد حل لها بواسطة جامعات غربية أو شتول جديدة أو مشاريع أخرى مشابهة لها.

وحيثما حل الجنوبيون فقد بنت المؤسسات التبشيرية مكانًا من الطين أو القش ووضعت عليها الصليب دون إذن السلطات المحلية. وفي أماكن أخرى، تبني غرفة من مواد بسيطة وتفتح كعيادة للمرضى وتتحول إلى كنيسة كل يوم أحد وتقدم تقريرًا لإدارة الدعوة بمنظمة الدعوة الإسلامية. ولوقت من المركز الإسلامي الإفريقي طاف الإقليم الشمالي اتضحت أمور جديدة منها:

1.     وصلت هجرة الجنوبيين إلى كل مدن شمال السودان.

2.     الهجرة لم تكن كما في ظاهرها عفوية؛ ولكنها منظمة من قبل جهة ما؛ هذه الجهة تنظم الهجرة بل وتأخذ اشتراكًا شهريًّا من النازحين الذين يعملون.

3.     الشباب من النازحين في العاصمة السودانية احتكروا تجارة السجائر لا سيما سجائر السوق الأسود لوحدهم، ولا يمكن لمجموعة كبيرة أن تحتكر هذه التجارة بسرعة وجرأة ونظام ما لم تكن هناك جهات ممولة ومنظمة.

4.     في مدن أخرى مثل دنقلا، احتكروا العمل في "كمائن" مصانع الطوب المحروق.

5.     النساء الجنوبيات يعملن في صناعة وبيع الخمور البلدية والزبائن أغلبهم طبعًا من المسلمين. والجنوبيون الآخرون على مستوى القيادات من أهل العلمانية يقولون: إن الخمور البلدية هذه هي جزء من التراث الثقافي والشعبي لهذه القبائل فيشجعونهم على ذلك.

6.     وبهذا أصبح السودان جميعه مهددًا، وتصريح كبار رجال الفاتيكان بأن فرصة التبشير بالمسيحية عادت كبيرة في السودان له ما يسنده مما جعلهم يؤملون في أن يرثوا السودان على أساس أنه بلد إفريقي وليس عربيًّا ومسلمًا. وإذا علمنا مأساة المسلمين في إندونيسيا، فوجب أن تنقل المنظمات الإسلامية جزءًا كبيرًا من نشاطها من أماكن عملها في جنوب السودان إلى عاصمة السودان ومدن السودان الوسطى والشمالية.

إن تغيير خطوط العمل والاستراتيجيات بحسب الحقائق الجديدة التي فرضت نفسها على الساحة، فلا بد إذن من نقل العمل والتبشير الإسلامي حيثما حل الجنوبيون وأينما ذهبوا.

وإذا كان الخطر في الماضي يقتضي التخاطب مع هذه المجتمعات في موطنها بتقديم العون الغذائي أو العلاجي أو التعليمي وتقدم معه الدعوة المباشرة، إذا كان هذا أمرًا ما زال قائمًا فالوضع الجديد يحتم إعادة العمل وانتشاره أفقيًّا في كل أنحاء القطر السوداني، يضاف للحلول السابقة الحلول الجديدة الآتية:

•       أن يشترك مجتمع المسلمين في المسجد والمصلى في الاهتمام بالمسلمين الجدد، وبذلك يسهل استيعابهم ومتابعتهم وقبولهم في مجتمع المسلمين.

•       تقوية المسلمين الجنوبيين وتقوية كياناتهم التقليدية من سلاطين وعمد ومشايخ ومحاولة إيجاد فرص كسب العيش الشريف لهم. ولقد تم والحمد لله تصديق مشروع زراعي لمجموعة منهم في حدود 200 مسلم لتزرع وتنتج، وإن شاء الله تعالى في العام القادم سيقفون على أرجلهم.

•       العمل على زيادة البعثات والمنح الدراسية وسط النازحين وأماكن الضعف الإسلامي، وكذلك الاستمرار في فصول الإعادة الحالية؛ وهي فصول تنموية لتمكينهم من الدخول للجامعات والمعاهد العليا.

•       توعية السلطات السودانية بالخطر الديني الأمني والمنظم من قبل الكنيسة، والذي بدأته الدولة، وذلك بطرد 3 هيئات تبشيرية نصرانية تعمل تحت اسم الإغاثة، وهي:

o      مؤسسة كروس (Cross) وتعني تجمع المؤسسات المسيحية لجنوب السودان.

o      وورلد فيجن (World Vision)، الرؤية العالمية، وهي نصرانية تبشيرية تعمل في الإغاثة وحفر الآبار.

o      لوثر (Luther)، الكنيسة اللوثرية: وهي مؤسسة تنصيرية قديمة ولها فوق ال100 عام، احتفلت بها في تنزانيا ودار السلام باحتفال حضره مندوبون من دول أوروبا وأمريكا.

الثلاث مؤسسات قُبض عليها وهي تهرب السلاح والغذاء إلى جيش التمرد في جنوب السودان، فزيادة نسبة التنصير كانت لها مخالفات أمنية واضحة.

11 هيئة أخرى تنتهي مدتها في آخر هذا العام، ولكن رأس الحية وهو مجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس السوداني ومجلس الكنائس الإفريقي جميعها تعمل بانتظام ولم تتأثر حتى الآن؛ وذلك لأن مجلس الكنائس العالمي وضع الاستراتيجية والتنسيق والسياسات العليا للمنظمات الأخرى الأمريكية والأوروبية هي التي تغامر.

 

الرابط المختصر :