العنوان معالم على الطريق.. مصائر الشعوب بين الصدق والكذب
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1351
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 25-مايو-1999
هناك أفراد وشعوب وقادة تقدس الصدق وتعيشه، وتجعله أسلوب حياة ترتضيه وتقبل به في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتؤسس عليه القوانين، وتراقبه بالدساتير واللوائح والمؤسسات، حتى صار طبيعة مجتمع ونهج أمة سعدت به وفازت وتقدمت وسابقت ونافست، فعزت وسمت، وكان هذا عنوانًا على التقدم، ودليلًا على الرقي والسمو، ودافعًا الوضوح الأعمال، وظهور الإبداعات، وقياس الجهود، وحساب الإمكانات، وهناك أفراد وقادة وشعوب تستطعم الكذب وتمارس الإفك والبهتان وتعيشه، وتكرسه ليكون منهج حكم ونظام حياة تحتمه وتفرضه وتطبع عليه وتختاره في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تطوع له القوانين، وتفصل له الدساتير، وتبرمج عليه المؤسسات حتى تصطبغ كلها بلونه، وتسير جميعها على منواله حتى يكون هو مزاج أمة وفطرة مجتمع، وقوام حكم، فيفسد بهذا الكذب كل شيء في الأفراد والجماعات والأمم، تفسد الطبيعة، وتأسن الأمزجة والفطر، وتنحط النفوس والأفهام والفكر، وتصبح القوانين ملعبة للدجالين والمشعوذين، وتصير الدساتير ملهاة في سيرك» قوامه القردة والأفاكون، وتصبح اللوائح والمؤسسات خيالات وأوهام للخداع والأضاليل والضحك على البسطاء والمساكين، يتعايش مع الكذب المبطلون لأنه يثير ضبابًا يستر الفضائح ويحمي اللصوص، ويعمي على السرقات ويداري الجهل والعجز والغباء، وضعف الإمكانات، كما أنه يخترع التهم للبراء، ويكرس القهر والاستعباد، ويقطع الألسن والأوداج.
لهذا وغيره اعتبر الإسلام الكذب جريمة تنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها، وعن
سلوك ينشئ الشر إنشاء، ويندفع إلى الآثام اندفاعًا مهينًا، يتنافى مع الإيمان، ولهذا قال يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب.
وسئل : أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نعم»، قيل له: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: «نعم»، قيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: «لا».
وهذه الإجابة تشير إلى نوازع الضعف التي قد تعتري المؤمن ثم يتغلب عليها بعد مجاهدة ولكنها تشير مع هذا إلى أن الكذب لا يستساغ من مؤمن قط مهما كانت نوازعه، وفي الأثر ثلاثة لا يدخلون الجنة من بينهم الإمام الكذاب.... .
وها هي الأمة المسلمة اليوم تنسى تعاليمها فتعيش حياة الكذب في كل ناحية من حياتها، وتطرح تعاليمها من وراء ظهرها، بينما أعداؤها يفقهون تلك التعاليم ويعلمون أنها قوانين حضارية لازمة لإصلاح الحياة، وأساليب دستورية وقانونية لابد منها لسير الأمم ونجاح الشعوب في معترك مسيرتها.
فلا كذب في تصريح، ولا في سياسة، ولا في خطة، ولا في انتخاب، ولا في نتائج، ولا في قضاء، ولا في أعمال وأفعال خيرة أو فاسدة ناجحة أو فاشلة، ومن كذب ولو كان على رأس الأمة لابد من أن يتنحى ويتوارى، لأنه قد أصيب بفيروس الفشل، وبأمراض الضياع، ووباء الخيانة التي لا يبرأ منها، فلابد من أن يعزل كما يعزل أصحاب الأمراض المعدية.
ولهذا فقد حذر r من الكذب والتعود عليه أو التمادي فيه، فقال r: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وما يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». (متفق عليه)
إن الفجور الذي هدى إليه إدمان الكذب هو المرحلة الأخيرة لضعة النفس، وضياع الإيمان وحينما يسري الكذب في الحياة العامة، تضيع الثقة، وتختلط المعايير حتى لا يعرف الصالح من الطالح، ويكثر النفاق والمديح الفارغ الخاوي الذي يقطع الأعناق، ويرفع الهابطين فوق الرؤوس، ولهذا فقد روي عن أبي هريرة t أنه قال: «أمرنا رسول الله r أن نحثو في وجوه المداحين التراب»، لأنهم طبقة تساعد على نشر الوباء، ورفع الغثاء، ونصب الأباطيل، وإقامة الخشب المسندة مقام العاملين المخلصين.
ولقد فشت هذه الطبقات في رحاب الكذب والزور، ووجدت لها مكانًا رحبًا في عصور التأخر والأباطيل، وقد نبه الله أمته إلى هذه الطبقة الفاشلة فقال: يكون في آخر أمتي اناس دجالون كذابون يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم!! فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم». وقد حدثت الأمة بما لم تسمع، وانقلب المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وضاعت معالم كثيرة، ولا أظن أن الطريق سيتضح، والسحب القائمة، والأجواء الملبدة بالغيوم سيطلع لها شمس، مادامت الأمة بعيدة عن تعاليمها التي تضعها على الطريق المستقيم، وتحذرها من المهالك، ولا أدري إذا كنا لا نتعلم من هذه القوانين والتعاليم الهادية، ولا من الاتعاظ بالضياع والمهالك التي نمر بها، ولا من الأمم التي صدقت مع نفسها ومع أعمالها وشعوبها فعزت وهنا، وفازت وخسرنا، فبأي شيء سنتعظ.
إننا في الحقيقة نريد الخلاص بالصدق، ونريد السيادة الحقيقية ونريد النجاة بالفرار من الكذب، إننا نتنفس كذبًا، ونأكل كذبًا، ونشرب كذبًا، ويحيط بنا من فوقنا ومن تحت أرجلنا وحوالينا وعلينا، كانه قدرنا قد تبدلت المعايير، واختلت المقاييس:
قد عرف المنكر واستنكر المعروف في أيامنا الصعبة
وصار أهل العلم في وهدة وصار أهل الجهل في رتبة
حادوا عن الحق فما للذي سادوا به فيما مضى نسبة
فقلت للأبرار أهل التقى والدين لما اشتدت الكربة
لا تنكروا أحوالكم قد أتت نوبتكم في زمن الغربة
إن الغربة التي يعيشها المسلم اليوم، غربة طويلة يتخللها اليوم الحسرات والنكبات التي تدع الحليم حيران، والعاقل سكران، فهل من عزمة ترجع الناس إلى الحق، وترشدهم إلى الصواب؟ وهل من رجال صدق صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يقشعون ليل الكذب ويطلعون شمس الحقيقة؟ .. نسأل الله العون والتوفيق والسداد .. آمين.. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل