العنوان مصارحات في الدين والفكر والسياسة (٤)- أمريكا وإسرائيل والإرهاب
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003
مشاهدات 49
نشر في العدد 1564
نشر في الصفحة 42
السبت 16-أغسطس-2003
الجرأة على الوقوف أمام النفس ومحاسبتها بشجاعة على الجليل والتافه من شؤونها، دليل على روح اليقظة، وشارة على الضمير الحي.
وهذه وقفات أمام النفس، تصلح لأن تكون مقدمة لنقاش جاد في قضايا الدين والفكر والسياسة.
على إثر تعرض أمريكا للهجوم على رموز سيادتها في 11 سبتمبر ۲۰۰۱م، تساءل الرئيس الأمريكي في ذهول: ما السر في هذا الهجوم؟ وكان جوابه سريعًا: إنهم يكرهون الحرية ويكرهون أمريكا... وكان يعني جماعات إسلامية ثبت تورطها في منطق العدل الأمريكي دول دليل واضح.
أمريكا التي يتحدث عنها «بوش الابن» لم تزك ضميرها أبدًا على ترادف آلام الشعوب في منطقة الشرق الأوسط، وجميع مواقفها وأفعالها في القضية الفلسطينية لا تدل إلا عن قصد الدفاع عن اليهود، وحماية أعمالهم العدوانية، وتثبيت قواعد الاستعمار وتحقيق أغراضه.
ودلت سياسة أمريكا الاقتصادية حتى اليوم على أن دول الشرق الأوسط، لم تنل بمجموعها من المساعدات الأمريكية ما يمكن أن يقاس بالمبالغ الضخمة التي نالها الكيان الغاصب بمفرده.
إن الأمة الإسلامية والعربية، تعتبر أن أمريكا مسؤولة عن كارثتها العظمى في فلسطين وتراها شريكًا لبريطانيا في مقارفة تلك الجريمة الإنسانية. فإذا كانت بريطانيا قد مهدت لارتكاب تلك الجريمة بإصدار وعد بلفور عام (۱۹۱۷م) فإن أمريكا هي التي نفذت فعلًا هذه الجريمة، ووضعت الخنجر المسموم في يد القاتل اليهودي بمساعداتها السياسية والمالية والعسكرية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
كانت الولايات المتحدة أول دولة في العالم تعترف بدولة العصابات اليهودية بعد دقائق فقط من إعلان قيامها، رغم افتقارها إلى الاعتبارات والمقومات التي تجعل منها دولة تستحق الاعتراف الدولي.
هل تستحق أمريكا أن يحبها العرب والمسلمون وهي على هذه السياسة المريبة؟!
إن اليهود في أمريكا وأوروبا، هم ملوك ورؤوس الأموال، وقادة وسائل الإعلام، ولهم سطوة شبه مطلقة في توجيه الفنون وصناعة السينما.
واليهودية العالمية متغلغلة في مراكز القرار السياسي الأمريكي، ونفوذ رجالها بعيد المدى وإن بدا غامضًا، يتحرك بحقد ديني أعمى كانت مأساة فلسطين ثمرته الأولى، بيد أن هدفه الأكبر العصف بالإسلام كله، ووأد أي نهضة له، وتشريد أتباعه وأنصاره وطمس ذكرهم، وإحداث ضجيج هائل من السخافات المحلية والعالمية ليتم هذا المصير الرهيب تحت عنوان محاربة الإرهاب!!.
وهب أن نية أمريكا نظيفة في محاربة الإرهاب والتصدي له حفاظًا على سلام العالم ومستقبله. فلماذا تفعل ذلك معنا، وتسكت سكوت القبر عن العصابات اليهودية التي تمارس الإرهاب علناً ضد العزل في فلسطين؟ اليس ما يفعله اليهود في فلسطين؟ غلوًا وعدوانًا وإرهابًا؟! أم أن الكره للإسلام والضن على أهله بالحياة هو السبب!!
إن المحاولة تتعدد لتضييع أمة الإسلام وطي صفحتها، ثم يطلب من أهلها أن يكونوا حمائم سلام؟! ما هذا السخف!!
أدركت بعد بلاء وتمحيص، أن تفوق اليهود علينا في جميع المجالات، ليس قدرًا قاهرًا لا يمكن رده.
إن العيب الأًول فينا نحن، والعناوين المزورة لا تغني شيئًا عن الحقائق الكريهة.. فلنكن صريحين.
ولست عاشقًا للازدراء على أمة أنا منها، آمالها آمالي، وآلامها آلامي.. إنما هي الرغبة في تشخيص العيب كي ننأى عنه، فإن لتجاهله ثمنًا فادحًا!!
إن القرآن الذي مازال بين أيدينا نتلوه وصف لنا بدقة الرذائل التي جعلت بني إسرائيل يتدحرجون قديمًا من شعب محترم ترعاه عين الله وتؤيده، إلى شعب تافه مشرد في الآفاق.
وانقل هنا كلامًا جيدًا للأستاذ محمد الغزالي، وهو يعرض بضاعتنا المغشوشة التي صنعها الخداع، ويستقصي الرذائل التي أسقطت غيرنا، ثم فروا منها وتهاوينا نحن فيه إلى الأذقان.
يقول: إن القرآن عاب على اليهود قديمًا أمورًا معينة، فقد وصف تخوفهم من الخلق مع جرأتهم على الله بالمعصية، فقال: ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ (الحشر:13)
ووصف تقطع أواصرهم بالهوى واختلاف قلوبهم بالضغائن فقال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر:14)
ووصف طمعهم في أموال الناس وحرصهم على أكلها سحتًا فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾(آل عمران: ۷5)
ووصف غرورهم بالانتساب إلى الله وأمنية عامتهم في نيل النعيم المقيم دون عمل وبذل فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78)، ووصف تحاسد العلماء وغمطهم لصاحب الكفاءة وتحقيرهم لما أتاه الله فقال:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: ١٠٩).
ووصف تحجر طبائعهم ونضوب الرحمة في قلوبهم ولعبهم بالنصوص التي نزلت لهدايتهم فقال:﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ (المائدة: ١٣).
يقول الغزالي استقص هذه الرذائل التي أسقطت غيرنا، ثم سل نفسك: أليست لها نظائر بيننا؟
نظائر؟ إنها بعينها..
فر اليهود الأخلاف منها، وتهاوينا نحن فيها..
فإذا التقينا بهم في صدام عنيف، فكيف يديل الله لنا منهم؟....
وأضيف سببًا آخر من أسباب هزيمتنا أمام اليهود، وهو أولئك النفر من الحكام الذين ابتليت بهم الأمة.. هؤلاء الذين كانوا القشرة الغضة في كل أدوائنا والسبب المباشر في هزائمنا.
دأبت وسائل الإعلام الغربية على تسمية الجماعات الإسلامية التي تحمل السلاح دفاعًا عن حقوقها بجماعات الإسلام المسلح، وهي لا تفرق في ذلك بين الجماعات التي رفعت السلاح دفاعًا عن كرامتها وعرضها وأرضها، وبين عصابات تدعي الإسلام وفي نفسها مآرب غير نظيفة.
لقد كنت أحس غصة وأنا أقرأ وفيات الشهداء تجيء من فلسطين وكمشير وأفغانستان سيلًا لا ينقطع، وأقرأ إلى جانبها دعوات إلى التعاون الدولي من أجل القضاء على «الإسلام المسلح» والإرهاب!.
قلت لمحلل غربي متخصص في شؤون «الإرهاب»: ماذا عسى المسلم في كشمير أن يفعل وهو يرى عبدة الأبقار، ينكرون عليه حق الحياة، ويثبون على إيمانه بربه.. أليس من حقه الدفاع عن نفسه؟
قال بخبث: ولكن الإسلام يدعو إلى القتال ويحض عليه، فهو دين دموي في الأصل. قلت نعم، فإن الإسلام يدعو إلى القتال ويحض عليه، ولكن ليس في طبيعته رغبة في إراقة الدماء.
قال، وماذا إذن؟
قلت كيف تتصرف أنت إذا ما تعرضت فجأة لضربة خائنة.. أتترك نفسك فريسة سهلة لهذا الهجوم الخسيس؟
قال... لا، طبعًا.
قلت: ما تفعل؟
قال: سأدافع عن نفسي.
قلت: ولماذا تستغرب إذن أن يحض الإسلام على القتال دفعًا للظلم!!
إن الإسلام يحذر من سفك الدماء، ويحث المسلم على أن يكون مصدر سلام حيث حل، وألا يكون مبعث أذى لأحد، ولكنه يعطي في نفس الوقت المسلمين إذنًا بالدفاع عن أنفسهم إذا ما هوجموا فيقول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج:39).
قال: ولكن الإسلام قديمًا هو الذي أعلن الحرب على الكافرين به.
قلت: لم يعلن عليهم الحرب لأنهم كفار، يجب أن يهتدوا إليه بالسيف.. كلا، ولكن لأنهم حاربوه، وفرضوا عليه القتال.
قال: وما معنى الحرب التي دارت قديمًا بين المسلمين والروم؟
قلت: لتقرير حرية الاعتقاد، وليس لحمل الروم على الدخول في الإسلام بالإكراه.
إن المعركة في فلسطين معركة حياة أو موت، وقتال يريد إبادة جنس من الناس، وبحث الفلسطينيين عن أي سلاح يدفعون به الصائل الظلوم، فرض عين لا محالة، والنكوص عن ذلك سرب من الخيانة لله وللرسول وللوطن.
والذين يريدون خلق عقدة نفسية بين الإسلام والسلاح، إنما يريدون أن يتعرى المسلمون من القوة وأسبابها، وبذلك يستطيعون التسلط عليهم والنفاذ إلى صميمهم دون مقاومة.
إن على المسلم ألا يفرط في ذرة من دينه رهبة من بطش أو خوفًا من عدوان، ومن رفع صوته بعد ذلك بالصياح بأن الإسلام دين عنف وإرهاب، فهو يخوض حربًا نفسية نحن نعرف مآربها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل