العنوان مصر ومجريات الأمور رسالة القاهرة – أحد الغرباء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 476
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 15-أبريل-1980
● تشيخ السادات يزيد الحركة الإسلامية في مصر قوة وصلابة
● أقباط مصر يدركون أن انتهاز هذه الفترة لا يُعوض أبدًا
● انتقال الخلاف بين المسلمين والنصارى هو من تكتيك الأمن المصري للتغطية علي ما يجري
إن أي كاتب يحمل قلمًا مُجرَّدًا من الهوى والغرض، حين يريد تقويم الأمور في مصر – تستبد به الحيرة، لأنه لا يدري: من أين يبدأ، ولا إلى أين ينتهي؟ سواء أكان الكاتب من المقيمين في مصر، أم من المترددين عليها من وقت إلى آخر، والسبب الرئيسي في هذا، هو أن ظواهر الأمور في أرض الكنانة غير بواطنها، بل إن الظواهر والبواطن على طرفي نقيض دائمًا، وعلة العلل هي أن حكم الفرد المطلق يعتمد على إجادة فن التمثيل، ولا يعتبر الصراحة بحال من الأحوال، لأن الصراحة تعني الشجاعة الأدبية، المرفوضة شكلًا وموضوعًا.
ولا يختلف اثنان على أن السياسة العليا في مصر تابعة بلا حدود أو ضوابط للسياسة الأمريكية، التي تسهم بأكبر قسط في تزييف الحقائق لدى الشعب، وفي مقدمتها حقيقة الجالس على العرش بلا تاج، ربما لهذه السياسة الأمريكية من الولاية على وسائل الأعلام في أمريكا ذاتها، وفي أوروبا الغربية، أما وسائل الأعلام المصرية، فدورها لا يتعدى دور الببغاء، لا لأنها ملك للنظام، بل هذه هي سجيتها التي لا تملك تحويلها ولو أتيح لها ذلك، وبخاصة الصحافة التي لا تجيد إلا فن الإعلان المفضوح عن كل الاتجاهات السياسية الرسمية ولو اتجهت إلى الجحيم، والعجيب أن هذه الصحافة تزعم أنها حرة، بالرغم من اعتقادها أنها غارقة إلى أذقانها في العبودية والرق، ولعل، من المضحكات المبكيات إشاعة أن في أرض الكنانة ديمقراطية، وقد تكون الإشاعة محتملة للصدق، ولكن من حيث اللفظ، وليس من حيث المعنى والمدلول، أي أن الديمقراطية مجرد لافتة وشعار، والثورة منذ أن قامت وحتى اليوم مفرقة باللافتات والشعارات، أما المعاني والتطبيقات فتبصق عليها وتطأها بنعالها وهي تسخر منها، سخرية السكارى أو المعتوهين.
● إن محنة مصر وثيقة الصلة بالعقد النفسية التي تتحكم في الجالس على العرش، السابق واللاحق على السواء، كلاهما فتوة، والفرق بينهما أن فتوة السابق كانت بالطريق المباشر، وفتوة اللاحق بالطريق غير المباشر، طريق التمثيل المسرحي، لم يكن السابق يلوح بشعار سيادة القانون على عكس اللاحق الذي يطنطن بمناسبة وغير مناسبة بهذا الشعار، فمثلًا فصل جمال عبد الناصر زهاء خمسين عضوًا من أعضاء مجلس الشعب بإشارة منه وبجرة قلم، أما السادات فقد حال دون دخول مجلس الشعب كل الوجوه المعارضة لسياسته، عن طريق تدخل أجهزة الأمن في الانتخابات، بل حدث أن صدر قرار من مجلس الشعب بفصل بعض أعضائه، أمثال كمال الدين حسين عضو قيادة الثورة، والشيخ عاشور، والأستاذ عبد الفتاح حسن الوزير الوفدي السابق، وهذا ما لم يحدث في أحلك عصور الأباطرة والأكاسرة.
وواضح أن السياسة الأمريكية تعتمد كثيرًا على التحليل النفسي لقطع الشطرنج من الحكام الذين قبلوا أن يكونوا أذيالًا لها، فالجالس اليوم على عرش مصر، لم يكن شيئًا مذكورا في عهد عبد الناصر، ولذلك أراد أن يكون بعده كل شيء، وكان قبل الثورة يحيا حياة دون المتوسط، وفي عهد عبد الناصر حياة وسطا لم يكن يتمتع بأكثر من مسكن واحد، ثم أصبح اليوم تضيق به سائر القصور الملكية التي ورثها، والاستراحات الملكية أيضًا، بالإضافة إلى أكثر من خمس وعشرين استراحة جديدة مخصصة له، وقبل الثورة وفي عهد عبد الناصر، لم يكن يتمتع بأدنى مركز أدبي أو اجتماعي، واليوم هو الرئيس الأعلى أو الشرفي لسائر الهيئات والاتحادات من الهيئة القضائية حتى الروتاري واتحاد الكتاب، وقد سعت أمريكا لمنحه جائزة نوبل للسلام، وعشرات أخرى من جوائز السلام في العالم، وعشرات من الدكتورات الفخرية من جامعات العالم.. وتقبل بصدر رحب كلمات الشيخ متولي الشعراوي في مجلس الشعب.. «لو كان الأمر بيدي لاعتبرت السيد الرئيس في مرتبة الذي لا يُسأل عمَّا يفعل» وكلمات مدرسة في المدرسة الثانوية في عيد المعلم الماضي.. «إن الله يقول: الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض» وأنا أقول: الذين يتفكرون في خلق السموات والسادات».
***
هذا التمهيد ضروري لكي نتوصل إلى حقيقة مجريات الأمور في مصر اليوم: لندع جانبًا مأساة الصلح مع إسرائيل، وحسبنا أن الأيام أثبتت وأكدت أن اليهود ليسوا أهلًا للصلح معهم، حتى ولو حصلوا على كل شيء ولم يتركوا لنا أدنى شيء.. ولندع موقف السياسة الساداتية العدوانية من ثورة إيران.
واستقبال شاه إيران ضيفًا على مصر محملًا بكل أوزاره وجرائمه، وأرواح الشهداء التي تطارده؛ مُتحديًّا مشاعر العالم المتقدم والمتخلف الذي رفض الترحيب بالشاه.
ولندع محنة الشعب المصري، وحياة الضنك التي يحياها، ومعاناة اليأس القاتل، حتى أصبح محرومًا من أحلام الرخاء التي وعد بها الرئيس المؤمن.
ولنتوقف عند مسار الحركة الإسلامية في مصر، وتمثيلية الفتنة الطائفية التي اصطنعوها، وليتخذوا منها قاصمة الظهر لضرب الحركة الإسلامية، بل وربما لإلغاء الوجود الإسلامي برمته في دولة العلم والإيمان والأزهر العتيق، ومن خلف الستار يحرك التمثيلية العم سام وأوروبا الغربية بما يملكون من وسائل إعلام، ولنبدأ القصة من أولها:
قبل الاحتلال الإنجليزي لممر١٨٨٢م لم يكن هناك شيء اسمه.. الفتنه الطائفية بين المسلمين الأكثرية والأقباط الأقلية الضئيلة، الذين كانوا يعرفون أقدارهم، ويقفون عند حدودها، ولم تكن وداعة الأقباط عن إيمان أو رضى منهم، بل لأنه لم تكن أمامهم فرصة ينتهزونها لكي يتنمروا أو يستأسدوا، وكان الاحتلال الإنجليزي الصليبي فرصة، حيث أعلن المعتمد البريطاني الطاغية اللورد كرومر السياسة الاستعمارية القائمة على: «فرق تسد»، وبدأت الفئران تطل برؤوسها من جحورها، ولأول مرة يعين رئيسًا للوزراء في مصر مسيحي، بطرس غالي، جد وزير الخارجية المصرية الفعلي اليوم، وقد قتل رئيس الوزراء بيد الورداني عام ١٩١٠ جزاء خيانته لمصر، بشأن المعاهدة التي أبرمت بين مصر وبريطانيا، وفيها تنازل مصر عن السودان، واستغل الاستعمار الإنجليزي الحادثة فأشعل النار، بالرغم من أن الدافع إلى قتل بطرس غالي الخيانة، وليس لأنه مسيحي، وفي ظل النفوذ البريطاني يعقد لأول مرة مؤتمر المبشرين برئاسة زويمر في أوائل هذا القرن، وفي منزل الزعيم الراحل أحمد عرابي بالقاهرة، والهدف واضح، وفي ظل الحماية البريطانية بدأت الفئران تتحول إلى قطاط متنفخة الأوداج.. وتولى سلامة موسى كبر إثارة الفتنة عن طريق كتاباته في جريدة مصر.. القبطية.. وكثير من مؤلفاته، وإعلانه الحرب على الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين، وفي الأربعينيات صدر أول كتاب مسيحي مثير للفتنة عنوانه «أقباط ومسلمون» واسم مؤلفه الشامي المسيحي «جاك تاجر»، ولكن الملك فاروق أمر بمصادرة الكتاب، وطرد مؤلفه على عجل من مصر، ومن المضحك أن الرئيس المؤمن في لقائه منذ عامين بعلماء الأزهر وعلى رأسهم شيخة الشيخ عبد الحليم محمود، والقساوسة وعلى رأسهم البابا شنودة، الذئب في مسوح الرهبان، في هذا اللقاء الذي نصب الرئيس فيه نفسه معلمًا، استشهد بعبارات من هذا الكتاب على سلامة الوحدة الوطنية.
وفي الخمسينيات شكل حزب مسيحي تحت رعاية البطريرك الراحل، تحت اسم «حزب الأمة القبطية» كرد على حركة الاخوان، وقد اعتقل بعض أعضاء هذا الحزب إبان اعتقال الإخوان أواخر عام ١٩٥٤، كنوع من التغطية، مع الفارق الشاسع في المعاملة، فبينما كانوا هم مدللين تمدهم الكنيسة بالغذاء والكساء والمال، كان معتقلو الإخوان يعانون الأمرين، وأسرهم خارج الأسوار تُسلَّط عليها الحرب النفسية، ومن كان يتبرع لأسرة معتقل ولو بعشرة قروش يحكم عليه بالسجن عشرة أعوام.
إن فكرة الأمة المصرية القبطية تراود أحلام الأقباط؛ ولا سيما الشباب كانوا يحلمون بأن تبدأ الأمة المزعومة، بفصل الشطر الجنوبي من مصر لتكون العاصمة أسيوط مركز الثقل بالنسبة لهم، وفي عهد البابا المدلل شنودة تغيرت الخطة، وصارت أحلامهم تحوم حول حيازة الشطر الشمالي لتكون العاصمة «الإسكندرية»، للتمكن من الالتحام مع إسرائيل. وقد منحهم الرئيس المؤمن آلاف الأفدنة في وادي النطرون في الشمال الغربي من الدلتا يسرحون فيها ويمرحون، والخدعة الكبرى التي يعيشونها، هي أن مصر دولة قبطية غزاها العرب واحتلوها، ويجب أن يعيد التاريخ نفسه، وأما المسلمون فقد أطلق عليهم البابا شنودة في أحد منشوراته السرية.. العرب الغزاة…
وقد وعد في نفس المنشور: أنه خلال خمسة عشر عامًا يتساوى عدد الأقباط مع عدد المسلمين العرب الغزاة... ومن أجل هذا يدخرون السلاح، ومنذ أكثر من عام ضبطت ترسانة الأسلحة في محافظة قنا بالصعيد يملكونها، ولكن أجهزة الأمن أعلنت أنها ضبطت هذه الأسلحة لدى المطاردين والهاربين من تنفيذ الأحكام..
● وجاءهم التدليل اليوم من كل مكان:
من السذاجة أن نعتقد: أن هؤلاء من الهوان بمكان، في عهد ما قبل الثورة كانوا مسالمين، وفي عهد عبد الناصر كانوا شبه مسالمين، أما في عهد الرئيس المؤمن فهم متطاولون متحفظون، ومتحفزون في نفس الوقت، كأنهم الأكبر «البابا شنودة» تخرج من كلية الآداب ودرس التاريخ والفلسفة وعلم النفس، يجيد كيف ينتهز الفرص، وهو أذكى من يستغلون نقاط الضعف ليرسم ويخطط، ومنذ تواردت أخبار شبه متواترة على أن الإخوان سيأخذون مكانهم الطبيعي والرسمي، وأن السادات سييسر لهم ذلك... وكان أن عقد اجتماع شهده ممدوح سالم رئيس الوزراء، وموسى صبري الذي تربع على عرش أخبار اليوم، ومع البابا شنودة في الكنيسة المرقصية استمر حتى منتصف الليل: وفوجئ الرأي العام بالصحافة تتحدث عن الفتنة الطائفية في الإسكندرية وبعض مدن مصر، وكان واضحًا أن هذه الأحداث طُبخت في مطبخ أجهزة الأمن، إثر اجتماع الثلاثي المشئوم، وكان أن ماتت الأفكار عن الإخوان.
إن البابا شنودة يُدرك تمامًا أن وضع مصر اليوم فرصة لا تُعوَّض، وبعد أن تحولت مصر إلى ولاية تابعة لأمريكا، حامية الصليبية في العالم، والتي أصبحت تأمر وتنهي في مصر، بلا أدنى تحفظ، وبإشارة من هذا البابا أعلن الأقباط معارضتهم في وقاحة لمشروع تطبيق الشريعة الإسلامية الذي لا يزال يتعثر، بل ما هو أدهى أن البابا شنودة يُعد مشروعًا للأحوال الشخصية تحدثت عنه جريدة «وطني» الناطقة بلسان الكنيسة، خاصًّا بهم وينتظر عرضه على مجلس الشعب لإقراره.
وليس المطلعون على بواطن الأمور وحدهم هم الذين يعلمون أن هذه الفئة من الفئران والقطاط قد تحولت في عهد الرئيس «المؤمن» إلى أسود ونمور وذئاب، وأن كارتر المسيحي المتعصب الذي سأل البابا شنودة خلال زيارته لواشنطن عن عدد الكنائس في القاهرة لكي يطمئن قلبه، لن يتخلى عن هذه الفئه، وأن أمريكا منذ أمد تراودها فكرة إيجاد مركز ثقل للمسيحية في الشرق الإسلامي، ليتعاون مع مركز الثقل الصهيوني في إسرائيل، التي تعلن بحاجة أنها لن تتوانى في التدخل في لبنان لحماية المسيحية، وقد اتجهت الأنظار إلى لبنان لتكون مركز الثقل، ولكن الأحداث خيَّبت آمالهم، ولم ننسَ بعد ما صرح به الموارنة والكتائب من أن لبنان مستعد لاستيعاب نصارى البلدان العربية، في مقابل جلاء المسلمين عن لبنان، فهل يا ترى تحولت الأنظار اليوم إلى مصر؟ لا نظن أن معاهدة كامب ديفيد أو تطبيع العلاقات مع إسرائيل سوف يحول دون ذلك، وإنما الذي يحول دون ذلك شعب مصر المسلم بشبابه وكهوله معًا، لقد قال البابا شنودة موجهًا كلامه إلى الشباب القبطي في بعض منشوراته السرية: «ثقوا أن العالم كله معكم» أما الشعب المصري يعتز أن الله معه..
● وبعيب كلمة لابد منها:
هل ما ينشر من وقوع أحداث بين الشباب المسلم والشباب المسيحي صحيح؟ وهل ما ينشر من وقوع اعتداءات على الكنائس صحيح؟ إن المبالغة في هذه وتلك واضحة، ولكن الذي لا يخفى على أحد أن كل شيء من تدبير أجهزة الأمن، للتغطية على معارضة الشعب المصري المسلم لسياسة الرئيس المؤمن، فأعصاب هذا الشعب التي لا تزال متوترة بشأن الصلح مع إسرائيل، يتحداها الرئيس المؤمن باستقباله لشاه إيران المخلوع، والرئيس المؤمن يتوهم أنه يمكن أن يضرب عصفورين بحجر واحد، أن يشغل الشعب بهذه الأحداث المفتعلة عن فشله السياسي من ناحية، ومن ناحية أخرى: أن يضرب الحركة الإسلامية في مصر؛ حتى يُعطِّل مسارها، وربما يتجاهل الرئيس المؤمن أن هجومه المتواصل في كلٍّ من خطبه على الحركة الإسلامية في مصر، لم يؤثر في مسارها؛ بل زادها قوة على قوة، لم تستجب لإرهابه ولا إرهاب أجهزة أمنه.. فالحركة الإسلامية ماضية في طريقها لن تتراجع لأن الله معها!!
أحد الغرباء
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل