; مصر و«حماس».. محطة تاريخية | مجلة المجتمع

العنوان مصر و«حماس».. محطة تاريخية

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2011

مشاهدات 70

نشر في العدد 1952

نشر في الصفحة 11

السبت 14-مايو-2011

 بتوقيع وثيقة المصالحة الفلسطينية في القاهرة الأربعاء ٢٠١١/٥/٤م، سجلت مصر تطوراً تاريخياً في علاقاتها مع القضية الفلسطينية، سيكون الفصل الأبرز فيه ذلك الانقلاب في علاقاتها مع حركة «حماس».. ففي العهد السابق وخاصة في العقدين الأخيرين من عصر «مبارك» انطلقت العلاقات المصرية الفلسطينية من خندق التطبيع والمفاوضات مع العدو ، وفي اتجاه معاكس الخندق المقاومة والانتفاضات المتتالية، وذلك عين ما كان يطلبه العدو الصهيوني، ومع تنامي قوة «حماس» وتزايد شعبيتها ونجاحها في الانتخابات التشريعية وتشكيلها للحكومة تحولت «حماس» إلى هاجس مرعب ليس للصهاينة وحدهم وإنما لنظام «مبارك» وغيره من الأنظمة لأن «حماس» باختصار  هي فكرة إسلامية، ومجرد نجاح نموذجها في المنطقة العربية يغري نجاحات في بلاد أخرى وبالتالي قيام الدولة الإسلامية التي يضع الغرب وسماسرته في المنطقة عندها أكثر من خط أحمر.. ومن هنا، كان تغاضي «نظام مبارك» و«عباس» عن الحرب الوحشية التي شنها الصهاينة على غزة، بل ورغبة «مبارك» في هزيمة «حماس» وسحقها في تلك الحرب - وهو ما أعلنه الرئيس الفرنسي «ساركوزي» عقب لقائه في القاهرة مع «مبارك» خلال تلك الحرب - ثم مواصلة نظام «مبارك» حصار غزة متعللاً الوضع الدولي واتفاقية المعابر، ثم شروعه في إنشاء جدار فولاذي تحت الأرض قطعاً للطريق على الأنفاق الموصلة لغزة و بالتالي إحكام الحصار على أهلها من فوق الأرض وا ة رفح، ومن تحت الأرض الجدار الفولاذي، ومن البحر حيث يتولى الكيان الصهيوني المهمة، وما جرى مع قافلة أسطول الحرية، مثال حي.

كان المفترض - وفق رغبات هؤلاء أن يموت الشعب الفلسطيني في صمت تحت ضربات الحصار القاسية؛ لتتحلل غزة وتذوب معها حركة «حماس»، ويخلو الجو تماما لتيار التطبيع ومع فلسطين.. وتلك كانت تدابيرهم، ولكن تدبير الله كان معاكساً، ﴿ويمكرُونَ ويمكرُ الله وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ   ﴾ (الأنفال)، فقد صمد الشعب الفلسطيني أمام حصار غير مسبوق في التاريخ، وتهاوى نظام «مبارك» بصورة فاجأت الجميع.. وخلال ثلاثة أشهر فقط تهاوي معه الحصار، وذاب الجدار الفولاذي، وتم إنجاز ملف المصالحة الذي تجمد بين يدي اللواء عمر سليمان» سنوات.. وكانت كل تلك التحركات - كما تابعنا - مصرية مائة في المائة، ولأول مرة لم نشتم فيها أي رائحة للدور الصهيوني أو التدخل الأمريكي، اللهم إلا تلك التصريحات والتلميحات الصهيونية الغاضبة. وذلك هو التحول التاريخي إذ تتحرك مصر في الملف الفلسطيني بملء إرادتها.

وأصبحنا في بعد «ثورة ٢٥ يناير » أمام مشهد التأم فيه الصف الفلسطيني كل قواه وفصائله السياسية مع الموقف المصري وأصبح هناك على الحدود المصرية جبهة عربية فلسطينية - مصرية واحدة، بعد أن كانت تلك الحدود عبارة عن خلايا أمنية تحرس استمرار وإحكام الحصار، وتتعامل مع غزة على أنها صديق غير مرغوب فيه، ولا شك أن تلك الجبهة العربية التي تشكلت من جديد على حدود غزة، في وقت التأم فيه الشعب الفلسطيني كل قواه وفصائله من الممكن أن تكون أكثر قوة مع التئام جهود ومواقف عربية أخرى داعمة لتلك الجبهة، والخوف كل الخوف من أن يشكل بقايا تيار التطبيع الرسمي جبهة مناوئة لمصر، تكون مطية للكيان الصهيوني ؛ ليعرقل قدر الإمكان ما يمكن عرقلته. في هذه الأجواء الإيجابية والتاريخية، لا شك أن انقلا باً في علاقات مصر  «حماس» سيحدث صورة إيجابية نحو التفاهم والتعاون، لكن ذلك يحتاج إلى عدة إجراءات من الطرفين على الصعيد الإعلامي والسياسي تزيل ركام التشويه والتضليل الذي صنعته الحملات الإعلامية في عهد «مبارك» ضد «حماس»، وإعادة تقديم «حماس» عبر الإعلام المصري إلى عامة الشعب المصري الذي وقع في فخ إعلام جريدة «روزاليوسف » وأخواتها من الإعلام الرسمي الذي حول «حماس» إلى عدو أكثر خطورة على مصر من الكيان الصهيوني.. المطلوب هو إزالة ذلك الركام وعدل الصورة وتصحيح المواقف؛ لأن من حق الشعب المصري أن يرى الأمور على حقيقتها، ويعرف الأطراف على حقيقتهم، حتى يتجاوب الشعب كامل قواه وطبقاته مع القضية الفلسطينية، ومع حركة «حماس» التي تمثل اليوم رقماً مهماً وكبيراً في تلك القضية.

وفي الوقت نفسه، فإن «حماس» مطالبة طرح إستراتيجية جديدة في العلاقة مع مصر، تعطي مزيداً من الثقة والتمكين للدور المصري، وتفتح الطريق لجبهة عربية واسعة عند الحدود المصرية - الفلسطينية تدعم الموقف المصري أمام التحديات التي ستواجهه من قبل الصهاينة الذين لم يرق لهم - أبداً - ما جرى من تطورات أخيرة، والذين لن يتوانوا عن الكيد لمصر والضغط عليها داخليا بمحاولة العبث بأمنها ووحدتها الوطنية واقتصادها وخارجيا استنفار الغرب وأمريكا ضدها حتى تتراجع عن موقفها الجديد والتاريخي.

لقد بدأت مصر من جديد في تبوء دورها الذي تستحقه، لكن ذلك يتطلب استحقاقات كبيرة وتحديات أكبر، سيكون مطلوب ، من الطرف العربي والفلسطيني وخاصة «حماس» الاصطفاف إلى جوارها قلبا وقالبا، للوفاء تلك الاستحقاقات وقهر تلك التحديات.

الرابط المختصر :