العنوان مصلحون رحلوا في ديسمبر.. الشايع والخطيب وصقر
الكاتب عبده دسوقي
تاريخ النشر الأربعاء 01-ديسمبر-2021
مشاهدات 54
نشر في العدد 2162
نشر في الصفحة 44
الأربعاء 01-ديسمبر-2021
الشايع.. اهتم بفقراء المسلمين بالهند وأقام لهم أعمالاً خيرية وكان سفيراً صامتاً للإسلام بخلقه وصدقه
الخطيب.. كان وطنياً مدافعاً عن كل أوطان الإسلام وجاهر بمعاداة الفرنسيين والبريطانيين والغرب المحتل
صقر.. عرف بـ «الداعية المهاجر» فكان شغفه بدينه دافعاً لعمله الدعوي في كل مكان حلَّ فيه
عبده دسوقي
باحث في التاريخ الحديث
رحل العديد من العلماء والمصلحين والمحسنين بعدما سطروا بثباتهم وعملهم من أجل دينهم ونهضة بلادهم، سطوراً من معاني الرجولة الحقيقية التي تفنى من أجل رفعة هذا الدين، فصدق فيهم قول الله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 23)، وممن توفاهم الله تعالى في ديسمبر:
العم صالح الشايع.. المحسن الأديب
في حي المرقاب بالجهة الجنوبية من الكويت، عاشت أسرة الشايع (التي تنحدر من نجد) وصنعت لنفسها مكانة، وكان منها العم صالح علي حمود الشايع، الذي ولد يوم الخميس 3 صفر 1329هـ/ 2 فبراير 1911م، وقد حرص أبواه على تعليمه القرآن في صغره؛ فألحقه بالكتاتيب قبل أن يلتحق بالمدرسة المباركية، ثم مدرسة العامر، ثم المدرسة الأثرية، إلا أن التجارة استهوته وحب المغامرة؛ فسافر مع والده إلى الهند في خريف 1926م وعمره لم يتجاوز الـ16 ربيعاً.
تعلم في الهند قراءة الصحف التي تصدر باللغة الإنجليزية؛ ونمت عنده رغبة المطالعة باللغتين العربية والإنجليزية، كما كان يطالع صحيفة «الأهرام» المصرية أسبوعياً؛ ما عمل على زيادة ثقافته وإدراكه السياسي.
ظل يعاون والده في تجارته حتى استلم العمل من والده عام 1931م الذي عاد ليستقر في الكويت، فطور تجارته، ووسع من علاقاته بالمسؤولين الذين كانوا يفدون لمدينة مومباي الهندية.
مع اهتمامه بتجارته اهتم بفقراء المسلمين في الهند، وتابع أخبارهم، وأقام لهم العديد من الأعمال الخيرية؛ فبنى عدة مدارس مثل «مدرسة عائشة أم المؤمنين»، ومساجد في أنحاء الهند، بل وفي سيلان (سريلانكا)، وكان يهتم بمدارس البنات بصورة أكثر؛ لأنهن لم يأخذن حظهن من التعليم هناك في ذلك الوقت، كما كان معيناً للشباب المقبل على الزواج بمساعدتهم.
انتقل إلى لبنان، وأسس فيه عدة شركات قبل أن يعود للكويت عام 1951م ويستقر بها؛ وعُرضت عليه الوزارة إلا أنه اعتذر.
كان له مجلس يعقد دائماً يشهد فيه الأدب والشعر، وكان يعتز بأهل الصلاح في ديوانه، ويقرب العلماء، ويحب مجالستهم، كما كان يتحسس أخبار من غاب عن المجلس خاصة الشباب ويسأل عن أحوالهم وظروفهم.
كان أساس نجاح عمل الشايع في الهند (كما يذكر) الصدق والأمانة التي تحلى بها وظهرت لجموع من تعامل معه؛ فكان سفيراً صامتاً للإسلام بخلقه وصدقه في البيع والشراء.
ظل محافظاً على مجلس العلم والخير حتى رحل يوم 18 من ذي القعدة 1427هـ/ 8 ديسمبر 2006م، عن عمر ناهز الـ94 عاماً.
ورثاه السيد يعقوب يوسف الإبراهيم بقوله: «سنفتقد جلساته وحديثه بصراحة وامتلاكه ناصية الكلام ينتقي من الشعر أطيبه ومن الحديث أفضله».
محب الدين الخطيب.. العالم الأديب
من العلماء والمصلحين من يوفقهم الله للقيام بأعمال تتعدى أعمارهم، ومن هؤلاء العالم المصلح الشيخ محب الدين الخطيب، الذي حمل هَمَّ دينه وأوطانه أينما حل أو رحل.
ولد محب الدين الخطيب في حي القيمريّة بدمشق في رجب 1303هـ/ مايو 1886م، ويمتد نسبه إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني ببغداد حيث نزحت أسرته إلى الشام، كما أنه خال الشيخ علي الطنطاوي.
كان والده مدرساً وواعظاً بالجامع الأموي، وهو ما كان سبباً في نشأته الدينية، إلا أن والديه توفيا وهو صغير.
تعلم القراءة والكتابة، وحفظ كتاب الله، ثم التحق بمدرسة الترقي النموذجيّة، واستمرت مسيرة التعليمية حتى سافر إلى إسطنبول والتحق بكليتي الحقوق والآداب معاً، وكان مولعاً بالقراءة، وتأثر بكتاب «طبائع الاستبداد» للكواكبي، كما كون جمعية النهضة العربية لنشر اللغة العربية والحفاظ عليها.
التحق بوظيفة مترجم في القنصلية التركية باليمن، وأنشأ مدرسة كانت تعد الوحيدة في الحديدة، وذلك قبل أن يشد رحاله إلى مصر حيث رحابة العلم والعلماء خاصة بعد دخول فرنسا لدمشق، ووصلها عام 1920م، فعمل صحفياً في صحيفة «المؤيد»، وذاع صيته خاصة في مجال محاربة التبشير والحركات التنصيرية، وكان باكورة أعماله كتاب «الغارة على العالم الإسلامي»، كما أسس المكتبة السلفيّة ومطبعتها.
وحينما اجتمع كوكبة من العلماء في مصر عام 1927م لمواجهة التنصير، واتفقوا على إنشاء مجلة «الفتح»، اختير الشيخ محب الدين الخطيب رئيساً لتحريرها، قبل أن يساهم معهم في نشأة الشبان المسلمين.
توطدت علاقته بالشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، ووالده، حتى أصبح أول مدير لتحرير مجلة «الإخوان المسلمون» التي صدرت عام 1933م، وكان يرى في جماعة الإخوان ومرشدها القاطرة التي تجمع كل المخلصين للعمل الإسلامي والوطني.
كان لمحب الدين الخطيب نشاط لم يبلغه مثله حتى وصفه د. محمد رجب بيومي بقوله: «إن محب الخطيب كان أمة في واحد»، وكان وطنياً مدافعاً عن كل أوطان الإسلام حيث جاهر بمعاداة الفرنسيين والبريطانيين والغرب المحتل وتعرض للحبس بسبب ذلك.
أوقف مجلة «الفتح» عام 1948م وقال قولته المشهورة بعد اضطهاد حكومة النقراشي لكل توجه إسلامي: «أوقفتها حينما أصبح حامل المصحف في هذا البلد مجرماً يفتَّش ويعاقَب»، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة «الأزهر» لمدة 6 سنوات في الفترة من 1952 – 1958م.
تفرغ في آخر حياته للتأليف، وظل كذلك حتى توفاه الله يوم الثلاثاء 21 شوال 1389 هـ/ 30 ديسمبر 1969م، بمستشفى الكاتب بالدقي عن عمر ناهز الثانية والثمانين عاماً، ودفن بمصر.
عبد البديع صقر.. ورحابة الدعوة
أطلق عليه «الداعية المهاجر»؛ حيث كان شغفه بدعوته ودينه سبباً في عمله في كل مكان حلَّ فيه من أجلها.
ولد عبد البديع صقر في بلدة بني عياض التابعة لمركز أبو كبير بمحافظة الشرقية بمصر عام 1334هـ/ 1915م، وكان لوالده أكبر الأثر في تنشئته تنشئة إسلامية.
حصل على البكالوريا عام 1935م، وعمل بعدها في محال البن، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ليلتحق بكلية الآداب.
عرف الإخوان عن طريق رسالة «نحو النور» في بلدته، وحينما انتقل إلى القاهرة عام 1936م تعرف إلى حسن البنا وبايعه على العمل للإسلام، ولازمه 12 عاماً، وقدم له الإمام كتابه القيم «كيف ندعو الناس؟»، وأصبح واحداً من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين وعضو الهيئة التأسيسية للجماعة الذين عملوا لدينهم ووطنهم أينما حل.
كان صقر شديد التواضع، تغلب عليه النشأة الريفية التي لم تفارقه طيلة حياته؛ فلم يكن يحب التكلُّف لا بالقول، ولا بالعمل، وكان معروفاً بالصراحة والنصح بكلمة الحق.
تعرض للمحنة والاعتقال حينما حُلت جماعة الإخوان عام 1948م قبل أن يخرج مع بقية إخوانه، وبعد ثورة يوليو واشتداد الصدام مع عبدالناصر رحل إلى قطر عام 1954م، وعُيِّن مديراً للمعارف بقطر، ثم مديراً لدار الكتب القطرية، ثم مستشاراً ثقافياً لحاكم قطر، وعرض مشروع إنشاء روضات إسلامية على حكام الإمارات عام 1969 فرحبوا بالفكرة وسهلوا إنشاءها، ومنها مدارس الإيمان.
عُرف بين الجميع في منطقة الخليج بمواقفه وعلمه ولباقة حديثه، حتى إن أمراء الخليج كانوا يكنون له التقدير.
انتقل، رحمه الله تعالى، إلى جوار ربه، مساء السبت 12 ربيع الأول 1407هـ/ 13 ديسمبر 1986م، في مصر؛ حيث توجه إلى مدينة بلبيس بالقرب من الزقازيق لإلقاء محاضرة، وبعدها ركب سيارته قاصداً الزقازيق، فمات وهو يقود السيارة، فانحرفت به إلى جانب الطريق، وسقط في مجرى مائي، ولم يدركه الناس إلا في وقت متأخر؛ حيث حُمل إلى المستشفى، وغُسِّل، ودُفن ببلدته.
المصادر
1- فرحان عبدالله الفرحان: المدرسة والأب (1911 – 2006م)، 29 ديسمبر 2006، https://bit.ly/3jX6xv9
2- محمد مطيع الحافظ: تاريخ علماء دمشق وأعيانها في القرن الرابع عشر الهجري، جـ2، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1986.
3- حيدر قفه: وفقيد آخر (الداعية الإسلامي الكبير عبد البديع صقر كما عرفته)، مكتبة المنار للطباعة والنشر والتوزيع، 1989م.