العنوان فضيحة الموساد تتفاعل.. مطالبات بنقل صلاحيات الموساد إلى الاستخبارات العسكرية
الكاتب صالح النعامى
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1272
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
- ماذا يقول خبراء الأمن الإسرائيليون عن الإسلاميين؟
في الثلاثين من شهر يوليو الماضي وبعد العملية الاستشهادية الأولى في سوق «محني يهودا» في القدس التفت بنيامين نتنياهو في أعقاب اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي الطارئ إلى رئيس الموساد داني ياتوم وقال له: «أريد هدية ثمينة لعيد رأس السنة العبرية، يجب أن نرفع معنويات جماهيرنا لا مناص من ذلك» ولم يقصد نتنياهو حسب ما أوردته الصحف العبرية بالهدية تصفية خالد مشعل وحده، بل كان يوعز بتصفية مجموعة من قادة حماس إلا أن «الموساد» بدلًا من ذلك قدم أكبر نكسة سياسية لنتنياهو جراء فشل محاولة الاغتيال لدرجة أن نتنياهو استقدم «أرثو ملتكشطاين» أكبر خبراء الدعاية والإعلام في الولايات المتحدة من أجل الاستفادة من خبرته في مواجهة حملات الانتقاد اللاذعة التي يتعرض لها من قبل وسائل الإعلام.
وحتى من قبل رموز بارزة في اليمين الإسرائيلي أمثال بيني بيغن ودان ميريدور في وقت قال فيه يعكوف بيري رئيس المخابرات العامة الإسرائيلية المعروفة بـ «الشاباك» السابق إنني أخجل من الانتماء لدولة يحكم فيها نتنياهو، وإن رؤساء الموساد جعلوا من إسرائيل نمرًا من ورق، وكتب طومي لبيد كبير معلقي صحيفة «معاريف» أن نتنياهو الذي أراد أن يسحق حماس قد دفن وللأبد قوة إسرائيل الرادعة التي كانت تحقق النصر حتى بدون أن تشن معركة، بينما تتعاظم حماس رغم أنفنا ويفضل قرار رئيس وزرائنا الصبياني، وإزاء الصدمة التي تعيشها الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية بدأ العديد من كبار المعلقين والمختصين الإسرائيليين في شؤون الأمن بطرح تساؤلات كبيرة حول جدوى عمليات التصفية في مواجهة إسرائيل للحركات الإسلامية وخصوصًا حركة «حماس»، وأخذت تظهر علامات انعدام الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وخصوصًا «الموساد».
يقول «رافي إيتان» الذي كان مسؤولًا عن شعبة العمليات في الموساد حتى العام ١٩٨٦م: «إن الهدف من عمليات التصفية ضد قادة التنظيمات المعادية كان من أجل خلق أجواء رعب وخوف حول رؤوس الإرهاب، ولذا عندما يعلم هؤلاء أن ما يقومون به من إرهاب سيكلفهم أرواحهم سيفكرون ألف مرة قبل الشروع فيها وبالتالي يعدلون عن مخططاتهم، أو على الأقل فإن الإجراءات الأمنية التي يتخذونها من أجل حماية أنفسهم ستعيق قيامهم بمزيد من العمليات الإرهابية»، ويستشهد إيتان بقرار رئيسة وزراء إسرائيل السابقة «جولدا ماتير» بالإيعاز للموساد بتصفية مجموعة أيلول الأسود، بعد أن أوصى بذلك مستشارها لشؤون الإرهاب الجنرال «أهارون ياريف» وذلك في أعقاب مقتل أحد عشر رياضيًّا إسرائيليًّا في ميونيخ في العام ١٩٧٢م، وحسب رافي إيتان الذي يعترف بأنه أشرف على تنفيذ حملة الاغتيالات في صفوف قادة «أيلول الأسود» فإن هذا الأسلوب قد أفلح في إقناع قادة هذا التنظيم بالكف عن مخططاتهم، إلا أن إيتان يقر أن هذا الأسلوب غير فعال في مواجهة الحركات «الأصولية» مثل حماس أو حزب الله فالأمر هنا مختلف تمامًا، ويقول إيتان: «إنه عندما يدور الحديث عن حركات عقائدية فإن قادتها وعناصرها يتميزون بدافعية قوية وصلابة لا تستجيب لعوامل الردع التي تعبر عنها عمليات الاغتيال والتصفية»، أما «كارمي غيلون» الرئيس السابق للشاباك فيرى أن أسلوب التصفيات يناسب الحركات والتنظيمات المعادية الصغيرة نسبيًّا والتي تعتمد على زعيم أوحد ذي قرار نافذ سياسيًّا وعسكريًّا، هنا فإن التخلص من القائد يساهم في تراجع عمل التنظيم العسكري، ويضرب غيلون مثلًا بتصفية الدكتور الشقاقي أمين حركة الجهاد الإسلامي وهو تنظيم صغير نسبيًّا، ويشير إلى أنه ومنذ أن تمت تصفية الشفاقي، فإن التنظيم لم يقم بأي عملية عسكرية ناجحة واحدة حتى الآن، وهنا أيضًا تشذ حماس عن قائمة التنظيمات التي يجدي استخدام أسلوب الاغتيالات ضدها، فكما يقول غيلون فحماس حركة واسعة ذات جذور عميقة في المجتمع الفلسطيني في الداخل والشتات إلى جانب تميزها بوجود قيادة جماعية، كل هذا -حسب غيلون- يجعل من العبث الاعتقاد أن الاغتيال والتصفية يمكن أن تسهم في إرباك عمل حماس العسكري، ويشير غيلون إلى المهندس يحيى عياش -الذي كان له دوره الحاسم في إعداد العمليات الاستشهادية إلا أن استشهاده لم يساهم إلا في زيادة العمل الاستشهادي داخل إسرائيل بصورة لم تشهدها إسرائيل من قبل، وينوه البروفيسور «أفراخ زئيفي» المختص بشؤون الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية إلى أن أحد أهداف عمليات التصفية كان الإعداد لحدوث عمليات سياسية، فمثلًا -كما يقول زئيفي- اعتقدت الحكومة الإسرائيلية أن التخلص من «أبو جهاد» سيفتح الباب أمام منظمة التحرير لإجراء مفاوضات سياسية جادة مع إسرائيل وتقديم تنازلات بعيدة المدى؛ ولذا كانت أحد أهداف تصفية أبو جهاد التمهيد للزج بالقيادة الفلسطينية للسير في العملية السياسية، إلا أن زئيفي يؤكد أن دوائر صنع القرار السياسي والأمني في إسرائيل لا يعتقدون أنه باستخدام هذا الأسلوب يمكن توريط حماس في عملية سياسية يفرض قواعدها ميزان القوى المائل بشكل كبير لصالح إسرائيل ولا يفوت «أوري ساغيه» قائد الاستخبارات العسكرية الأسبق أن يشير إلى معضلة أخرى تواجه إسرائيل في حربها ضد حماس؛ إذ إن عمليات التصفية والاغتيال تتطلب وجود معلومات استخبارية كافية عن قادة التنظيم وهذا يتطلب حدوث اختراقات في صفوف الحركة، وهذا صعب جدًا، ويقول ساغيه: «إنه وبخلاف التنظيمات العلمانية فإن عناصر حماس يتميزون بإخلاص تنظيمي منقطع النظير، وذلك نظرًا لنظام التربية الإسلامي الذي نشؤوا عليه».
إذا كان هذا الوضع الذي يطرحه خبراء الأمن الإسرائيلي، فلماذا اتخذ نتنياهو قرار تنفيذ محاولة الاغتيال، يقول الصحفي «أمنون دانكر» إن هذا القرار يعبر عن يأس وعجز واضحين في مواجهة حماس، فنتنياهو قد رفع شعار «السلام الأمن» في حملته الانتخابية وقد ساعده انعدام العمليات الانتحارية في الأشهر الثمانية الأولى من حكمه على التباهي بقدرته على حفظ الأمن، إلا أن تصاعد العمليات الانتحارية مجددًا قد كشف نتنياهو على حقيقته فظهر عاجزًا بائسًا مثله مثل سلفيه «بيريز ورابين» وقد أظهرت عمليتا القدس الأخيرتان مدى هشاشة شعارات نتنياهو البراقة حتى أصبحت مدعاة للسخرية.
فرقعة إعلامية:
ویری دانكز أن نتنياهو الذي يحاول استرداد مصداقيته قد أوعز للموساد بتصفية «خالد مشعل» من أجل خلق فرقعة إعلامية تسلط الأضواء على جهوده في مكافحة «حماس»، ويتسائل دانكز إن كان خالد مشعل وهو رئيس المكتب السياسي لحماس على علاقة بالعمليات الانتحارية فلماذا تراجع نتنياهو عن المطالبة بتسليم سلفه في المنصب الدكتور موسى أبو مرزوق بعد أن وافقت أمريكا على ذلك، وسمح بدلًا من ذلك لأبي مرزوق بالاستقرار في الأردن إذ إنه يعلم أن وجود أبو مرزوق في السجن الإسرائيلي سيكلف حكومته ثمنًا أمنيًّا كبيرًا جدًا، ولذا يشير جميع المعلقين في إسرائيل إلى أن محاولة الاغتيال ضد «خالد مشعل» حتى لو نجحت لن تسهم في التأثير على الفعل العسكري لحماس، بل على العكس تمامًا، ويشير زئيف شيف كبير المعلقين العسكريين في صحيفة «هاأرتس» إلى الكوارث التي حلت على إسرائيل بعد قيامها باغتيال الأمين العام السابق لمنظمة حزب الله حسن موسوي، فقد تم تفجير السفارة الإسرائيلية ومبنى الوكالة اليهودية في العاصمة الأرجنتينية «بوينس أيرس»، وكانت هذه العملية نقطة تحول بارزة في عمل حزب الله، إذ بدأ بعدها بالشروع في قصف المدن الإسرائيلية الواقعة على حدود لبنان بصواريخ كاتيوشا، لذا فإن الهدف من العملية -كما يقول زئيف شيف- هو رفع أسهم نتنياهو أمام الجمهور الإسرائيلي لم يحدث.
وإن كانت الاعتبارات السياسية التي تحكم قرارات نتنياهو تقلق قادة أجهزة الأمن السابقين إلا أن جميع هؤلاء يشيرون بشكل واضح إلى اهتزاز صورة «الموساد» كذراع الردع الإسرائيلية الطويلة والقوية، وإن كان هذا الجهاز يصنف على أنه أحد أقوى الأجهزة الاستخباراتية في العالم، ليس فقط في تنفيذ المهام الصعبة، بل على صعيد جمع المعلومات الحساسة والمهمة التي على أساسها تقوم الحكومات الإسرائيلية باتخاذ القرارات السياسية الحاسمة، فقد قال يهشوع ساغيه: «الذي شغل سابقًا منصب قائد الاستخبارات العسكرية في تعقيبه على فشل محاولة اغتيال خالد مشعل: «صحيح أنه ما زالت ذراع الموساد طويلة، إلا أنها مرتجفة وضعيفة» ويشير «ناحوم برنياع» كبير معلقي صحيفة «يديعوت أحرونوت» أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارًا إلى عدم دقة التقييمات التي يقدمها الموساد للحكومة، وقد نقل برنياع عن عدد من قادة الأفرع في الموساد معارضتهم تنفيذ محاولة اغتيال مشغل لعدم جدواها والضرر الهائل المترتب عليها، ويتهم برنياع رئيس الموساد بالتواطؤ مع نتنياهو في جلب الخزي لإسرائيل، ويقول: «إنه كان لزامًا على رئيس الموساد تقديم استقالته عندما يطلب رئيس الوزراء تنفيذعملية ميدانية تضر بالأمن الإسرائيلي».
أخطاء جسيمة:
ويذكر المحلل الإسرائيلي عددًا من الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الموساد وورط الدولة في نتائجها مثل قيامه بإقناع حكومات إسرائيل المتعاقبة ببناء تحالف مع موارنة لبنان في مواجهة الأغلبية الإسلامية، الأمر الذي جعل إسرائيل تدفع ثمنًا باهظًا جراء هذا التحالف، فقد تلاشت قوة الموارنة، ولم يعد أمام إسرائيل إلا حزب الله الذي جعلها في وضع لا تحسد عليه، فمن ناحية لا تستطيع الانسحاب من جانب واحد خوفًا من انتقال عمليات حزب الله إلى داخل فلسطين المحتلة، ومن ناحية أخرى عجزت إسرائيل عن تحقيق الحسم العسكري، وكل هذا جراء تقديم الموساد تقييمات خاطئة ومضللة لدائرة صنع القرار السياسي في إسرائيل، وقد وصلت الأزمة إلى حد أن طالب الكثيرون من خبراء الأمن الإسرائيلي بنقل العديد من صلاحيات «الموساد» إلى شعبة «الاستخبارات العسكرية» التابعة لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، كما يطالب هؤلاء بجعل «الموساد» يتبع الحكومة بأسرها وليس فقط لرئيس الوزراء كما هي عليه الحال الآن، كما أن فشل محاولة الاغتيالات أثبتت أن إسرائيل تستخدم سلاحًا كيميائيًّا غير تقليدي في عملياتها، وهذا كما يقول: «أوري سافير» المدير السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية يعطي مبررًا أخلاقيًّا لأعداء إسرائيل وعلى رأسهم «حماس» لاستخدام نفس السلاح في حربها ضد إسرائيل، إلى جانب أن العملية أظهرت إسرائيل كدولة تمارس الإرهاب حتى فوق أراضي دولة تربطها بها معاهدة سلام.
فراسة المؤمن:
حكى البطل محمد أبو سيف الذي كشف منفذي محاولة اغتيال خالد مشعل ونجح في الإمساك بهم بسبب وجوده في مكان الحادث، فقال: إنه لم يكن مع خالد مشعل وقت ذهابه إلى مكتبه، بل كان في سيارته في مكان آخر بعيد وكان صائمًا في ذلك اليوم.
خاطرٌ ألحَّ عليه بضرورة التوجه إلى مكتب السيد/ مشعل، وكلما اقترب من المكان كان الخاطر يزداد إلحاحًا، كان يستشعر وقوع شيء خطير حتى أن إحدى إشارات المرور الحمراء استوقفته في الطريق فتجاوز الإشارة منطلقًا إلى حيث يقع مكتب خالد في ضاحية قلاع العلى بعمان.
كان وصوله في الوقت المقدر بالضبط، ولو وصل قبل ذلك لما جرؤ الشخصان على مهاجمة مشعل لأنهما أمام ثلاثة أشخاص «مشعل والسائق والحارس»، ولو وصل متأخرًا لما أمكنه اللحاق بالمهاجمين، ومن الأقدار أيضًا أنه حين رأى المهاجمين يهربان من مكان الحادث، وجد سيارة أجرة بجواره فاستقلها على الفور ليلحق بهما ولو عاد لقيادة سيارته لما أمكنه اللحاق بالمجرمين، إنها أقدار الله ثم فراسة المؤمن..
محمد أبو سيف وطراز آخر من العرب:
وقف المحللون الإسرائيليون طويلًا أمام الدور الذي قام به مرافق خالد مشعل في إحباط محاولة الاغتيال، ويقول يوسي جينوسار الذي شغل في السابق منصب مدير «الشاباك» في الضفة الغربية وقطاع غزة يجب أن نذكر دائمًا أنه لولا هذا الشاب «محمد أبو سيف» لما كانت إسرائيل الآن في هذا الوضع المأساوي، إن هذا الشاب إنتاج تربية دينية تزرع في نفوس المنتمين للحركات الإسلامية التضحية والإصرار، ويستذكر جينوسار المرة الأولى الذي شاهد فيها معتقلين من حماس في بداية الانتفاضة فيقول: «لقد علمت في ذلك الوقت أننا نواجه أشد أعدائنا على الإطلاق»، أما «دان هامر» المسؤول السابق في الموساد فيقول: «إن الصدفة لم تسهم في الكشف عن منفذي محاولة الاغتيال كما حدث في عمليات سابقة للموساد، بل إن ما قام به مرافق خالد مشعل هو الذي قادنا إلى الوضع المخزي، إنه يجب ألا نتجاهل أننا نقف أمام طراز آخر من العرب!
وفي خضم التعليقات والتقييمات التي يطلقها رجال الأمن والإعلام الإسرائيليين على فشل محاولة اغتيال خالد مشعل قال صاحب بقالة في مدينة تل أبيب لراديو إسرائيل: «إن كان هذا هو النوع من الهدايا الذي يجود به نتنياهو علينا فإنه يحسن صنعًا إن جمع حقائبه وانصرف عنا».