العنوان مظاهر التدين تزداد لدى المغاربة في رمضان
الكاتب حسن الأشرف
تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009
مشاهدات 59
نشر في العدد 1867
نشر في الصفحة 14
السبت 29-أغسطس-2009
رمضان
شهر التأمل وتجديد الإيمان في دماء المسلمين؛ حيث يشكل فرصة سانحة للكثير من
المغاربة الذين علقت بهم بعض الشوائب، أو غاصت أرجلهم في الآثام والذنوب، كي
ينظفوا دواخلهم من تلك الأدران، ويتخلصوا من تلك الأثقال، فالمتبرجة تعود إلى
رشدها وترتدي الحجاب، والمدخن يجعل من الشهر الكريم علماء يحذرون من «انتكاسة»
فرصة للإقلاع عن التدخين أما تارك الصلاة فيجد نفسه قريبا إلى روحانية بعد انقضاء
الشهر رمضان، فيركع ويسجد لخالقه طالبًا المغفرة والرحمة منه، كما أنه خلال هذا الشهر
تحديدًا تكثر أعمال الخير وصنائع المعروف.
علماء
يحذرون من «انتكاسة» بعد انقضاء الشهر.
الشيخ
الزمزمي: المسلمون عامة يلتزمون بالدين في رمضان لكنهم يختلفون في الاجتهاد والطاعات
ومستويات التدين.
د.
أحمد أبو زيد: انتكاسة بعض الناس دليل على أن صيامهم منقوص.. لأن قبول الطاعة يؤدي
إلى أداء طاعة جديدة.
أحمد
(٣٠ عامًا) شاب مغربي كان يصلي في صغره، لكن ما أن اشتد عوده وقويت بنيته ترك
الصلاة كلية، وتورط في علاقات آثمة غير أن شهر رمضان الماضي كان فرصة عظيمة له؛ حيث
عاد ليتذوق لذة السجود بعد طول حرمان، كما امتنع عن كل المتع الجسدية المحرّمة
وساعده على هذا التحوّل صديق له ألح عليه بضرورة تغيير حياته التائهة بالإضافة إلى
أجواء رمضان العبقة بالنفحات الربانية.
يقول
أحمد: «كانت حياتي خليطًا من الضلال والضياع حيث كان الناس يذهبون فرادى وجماعات
إلى صلاة التراويح في جو جميل في الوقت الذي كنت فيه غارقًا إلى أذني في «وحل»
المعاصي، أحيا مثل أي حيوان هائم.. لكن بحمد الله كان رمضان الماضي محطة غيرت
حياتي كلها بعد أن اهتديت إلى المواظبة على أداء الصلاة وترك المعاصي، فتذوقتُ
حلاوة الإيمان في هذا الشهر الفضيل».
أما
فوزية (٢٠ عامًا) فقد قررت ارتداء الحجاب في شهر رمضان بتوفيق من الله عز وجل أولا
ثم تأثرا بموجة ارتداء الحجاب الهائلة التي تعم نساء المجتمع المغربي في رمضان أو
الاحتشام في اللباس لمن بقين على تبرجهن احترامًا للوضع الخاص ل رمضان كشهر
للفضيلة والستر والتقوى.
وقد
شجع فوزية على ارتداء الجلباب والحجاب ما لمسته لدى صديقاتها، وهن يحرصن على
ارتياد المساجد ليلًا في صلاة التراويح بحجابهن الذي يستر أجسادهن، فكان القرار
بارتداء الحجاب في ليل رمضان كما في نهاره، وأثناءه كما بعده، حتى لا تقع في شيء
من النفاق أو الانفصام في السلوك إذا ما ارتدت الحجاب في رمضان ثم نزعته بعد
انقضاء الشهر الكريم.
أجواء إيمانية
ومثل
أحمد وفوزية، هناك الكثير من المغاربة - ذكورًا وإناثًا - تتغير جوانب من حياتهم
في رمضان؛ فتكون العودة إلى الله تعالى من خلال أعمال البر والخير وتعهد بالمساجد والتزام
بالطاعات، ومنهم من يستمر على هذه الحال الإيمانية، ومنهم من ينقلب على عقبيه
ويعود إلى حياته السابقة!
وتبرز
هذه المظاهر الإيمانية في رمضان تحديدًا، من خلال مختلف المبادرات الخيرة التي
يقوم بها المحسنون لكفالة الأيتام أو المساعدة المرضى بالإضافة إلى المساهمة في
إفطار آلاف الأسر المعوزة.
وتفضي
هذه الأجواء الإيمانية في رمضان بالعديد من الشبان المغاربة إلى التعاطي مع هذه
المناسبة المتميزة بالكثير من الاحترام الفطري، والإقبال على الطاعات، وهو الأمر
الذي يفسر امتلاء المساجد عن آخرها في شهر رمضان المبارك من الشباب وصغار السن
الذين يتصالحون مع بيوت الله، لاسيما في صلوات العشاء والتراويح، والفجر أيضًا،
مما يمكن معه تأكيد أن الصحوة الإسلامية والرجوع إلى التدين يجدان المنطلق أساسًا
في هذا الشهر الفضيل.
مظاهر التدين
الداعية
المغربي الشيخ عبدالباري الزمزمي، رئيس «جمعية البحوث والدراسات في النوازل
الفقهية»، قال لــ «المجتمع»: إن المسلمين عامة يلتزمون بالدين بشكل أفضل في شهر
رمضان كل حسب ما لديه من حرارة الإيمان، فمنهم من تفتُر حرارته بعد انقضاء نصف
الشهر، ومنهم من تظل حرارته الإيمانية بالدرجة نفسها حتى آخر الشهر، وربما تستمر
بعد انتهاء الشهر.. فالناس أصناف وأحوال وهم يختلفون في
الاجتهاد
والطاعات ومستويات التدين.
وأوضح
أن المغاربة متميزون في هذا الباب حيث ينتهي الكثيرون عما كانوا يقترفونه من حرام،
والنساء يرتدين الحجاب بمناسبة حلول شهر رمضان، ومنهن من تقرر ارتداءه طوال العمر،
لكن منهن أيضًا من تتراجع عن ذلك بعد رمضان.. كما أن العديدين يتحينون هذه
المناسبة الإيمانية لبذل المعروف من صدقات وأداء للعمرة وهناك قصص عديدة عن أناس
تابوا إلى الله توبة نصوحًا خلال شهر رمضان.
ويشير الزمزمي إلى كون ظاهرة العودة إلى التدين بشكل ملموس لها أصلها
في القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ
اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا
تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (التوبة: ٣٦).. وأضاف قائلًا: «إن الله تعالى
ميز هذه الأشهر الحرم عن غيرها، وحذر من مغبة الوقوع في المعاصي فيها، ورغم أنه
يجب عدم اقتراف المعاصي خلال الأشهر جميعها وفي كل وقت، إلا أن التأكيد كان أكثر
على الأشهر الحرم، ويُقاس عليها أيضًا شهر رمضان».
ويوضح أن هناك حديثًا نبويًا يدل على أن لظاهرة العودة إلى الدين خلال
رمضان أصلا في الشرع، وهو الحديث الذي جاء فيه: «من شرب مسكرًا لم يقبل الله له
صلاة أربعين يومًا»، فترى بعض الذين ابتلوا بشرب الخمر قد أقلعوا عن شربها قبل
حلول شهر رمضان بأربعين يومًا حتى يُقبل منهم صيام الشهر.
ويصف «الزمزمي» ظاهرة عودة المغاربة إلى التدين والتقرب إلى الله في
رمضان بكونها ظاهرة صحية، رغم الملهيات والمغريات التي تقف في طريقهم لتحقيق هذه
الرغبة باعتبار أن هذا الشهر فرصة لتصحيح السلوك والعلاقة مع الله سبحانه
وتعالى.
وينتقد
الداعية المغربي السلوك المتناقض لدى بعض من يلتزمون بالدين خلال رمضان، وبمجرد انقضائه
يعودون إلى سابق عهدهم وبمجرد من تفريط في حق الله، وتضييع للفرائض، وإبحار في
الآثام بدون رادع ولا وازع. وقال: «إن الانتكاس عن سلوكيات التدين يعد «مسرحية»
يتقمص فيها التائب الشكلي شخصية النادم والعائد إلى رحاب الله، لكنه سرعان ما يبدل
ثوب التدين فور ذهاب الشهر».
ويقول
الشيخ «الزمزمي»: إن من يفعل ذلك كأنه لا يستحي من الله، أو كأنه يعبد رمضان لا رب
رمضان!! وبالتالي فإنه أيضا لا اعتبار له عند الله جل جلاله لأن واجب المؤمن الذي
تاب حقيقة وعاد إلى الدين جديا أن يتمسك بدينه، مصداقا لقول الله
تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:63).
أسباب الأوبة
من
جانبه، يعزو د. أحمد أبو زيد أستاذ علم التفسير عودة المغاربة - والمؤمنين بصفة عامة
- إلى الخير والإقبال على الله عز وجل في شهر رمضان إلى أسباب عدة، في مقدمتها
الجو الروحاني العام الذي يسود المجتمع المغربي خلال رمضان؛ حيث إن المجتمع إذا ما
كانت تسود فيه فكرة أو اتجاه ما، فإن الناس يتأثرون جميعا بذلك.. بالإضافة إلى
عوامل مساعدة يهيئها الله تعالى للمؤمنين مثل ما ذكر في الحديث النبوي: «إذا جاء
رمضان فتحت بواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين».
ويوضح
أبو زيد أن تصفيد الشياطين قد يكون المقصود منه حسيًا أو معنويًا، وفي كلتا
الحالتين يكون تأثير الشياطين على الناس أخف في رمضان، وإذا خف تأثير العدو الأكبر
للإنسان فإنه يعود تلقائيًا إلى طريق الله تعالى كما أن الصيام نفسه يساعد على
الرجوع إلى الله؛ لأنه يتغلب على العدو الثاني للإنسان وهو النفس.
ويقول: إن من فضائل الجوع أنه يرقق القلب؛ فيتأثر المرء بالموعظة وسماع القرآن الكريم، ويكسر شهوات النفس وجموح رغباتها؛ فيسهل على الإنسان الأوبة إلى الله تعالى.
محاذير الانتكاسة
ويفسر
د. أبو زيد الانتكاسة في سلوكيات بعض المغاربة بعد انتهاء شهر رمضان، قائلا: «إن
الجو الروحاني ينقضي، وتعود الشياطين إلى سابق تأثيرها، وتنغمس النفس في غرائزها
مما يُضعف إرادة الإنسان أمام ما يسود في المجتمع من روح تبتعد كثيرًا عن روحانيات
رمضان وانتكاسة بعض الناس دليل على أنهم لم يصوموا الصيام الصحيح؛ لأن قبول الطاعة
يؤدي إلى أداء طاعة جديدة ويبدو أنهم لا يستفيدون جديًا من رمضان؛ بسبب أنهم لم
يستعدوا له الاستعداد اللازم حقيقة».