العنوان معارك المولد ومعارك الكرة
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1986
مشاهدات 61
نشر في العدد 760
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 25-مارس-1986
* في الوقت الذي تضيع فيه فلسطين يُراد لشباب الأمة المسلمة أن ينشغل حتى العظم بمباريات كرة القدم ومتابعة المسلسلات!
* أي موقف وقفه علماؤنا الأجلاء من المعارك التي يذبح فيها أبناء الإسلام.
* أين علماؤنا من القوانين الوضعية التي تبيح الخمر والزنى والربا.
الكثير من شباب هذه الأمة أو الأكثر مشغول بمباريات كرة القدم ومتابعتها والتحمس لهذا النادي أو ذاك.
ونبدأ فنقول إننا لسنا ضد الرياضة بل نحن من الداعين لها، ومن القائلين بأن العقل السليم في الجسم السليم، وأن ارتفاع نسبة مرض السكر في منطقة الخليج بصورة خاصة إلى درجة وبائية هو نتيجة عدم الحركة وعدم الرياضة.. وأن أمراض القلب وانسداد الشرايين التاجية والذبحات الصدرية وجلطات القلب ناتجة عن عدة عوامل أهمها التدخين وعدم الرياضة.
ولكن الاهتمام بالرياضة وممارستها شيء، وهذه الحالة المرضية من الجنون بالكرة شيء آخر، وأغلب المصابين بلوثة الكرة ليسوا من الرياضة في شيء.. فهم لا يتحركون ولا يتريضون إلا قليلًا.
وتساهم انفعالاتهم الباثوليجية في حدوث ارتفاع في ضغط الدم وزيادة الإدرينالين والكروتيزول في دمائهم مما يشجع مع جلوسهم الساعات الطويلة وهم يشاهدون المباريات ويدخنون في إصابتهم بضيق الشرايين التاجية وتصلب الشرايين في القلب والدماغ.. كما تزداد لديهم نسبة الإصابة بمرض البول السكري نتيجة عدم الرياضة.
إنها من المتناقضات العجيبة التي يزخر بها مجتمعنا أن نجد أكثر من يزعمون الاهتمام بالرياضة والمصابين بهوس الكرة بعيدين كل البعد عن ممارسة الرياضة.
هذا من الجانب البدني وهو أقل الجوانب أهمية ومع هذا فخطورته لا تحد.. أما الجانب النفسي والروحي والأخلاقي والفكري فهو الإسفاف الفكري والفراغ النفسي والخواء الروحي والتدني الأخلاقي الذي أصيب به كثير من الشباب..مما أدى إلى انتشار المخدرات بين صفوف كثير منهم.
وفي الوقت الذي تضيع فيه فلسطين والضفة الغربية يراد لشباب الأمة الإسلامية في مختلف الأصقاع أن ينشغل حتى العظم بمباريات القدم وبمتابعة مسلسلات التليفزيون الغرامية.. وبالتسابق في السيارات في وسط البلد وشوارعها مما جعل منطقة الخليج تحظى بأكبر نسبة حوادث للسيارات في العالم، ومما أدى إليه من وفيات وإصابات جعلت حوادث السيارات القاتل الأول في هذه المنطقة. وقد وجد بالدراسة المتأنية أن من أسباب هذه الحوادث المروعة الاحتفال بانتصار هذا النادي أو ذاك. وفوز هذه الدولة أو تلك في إحدى المباريات.
كما وجد أن ما لا يقل عن خمسين بالمائة من جميع حوادث السيارات ناتجة عن تناول الخمور والمخدرات.
هذا جانب أمل الأمة ومعقد الرجاء فيها وقلبها النابض.
بقي جانب آخر هو جانب عقل الأمة الراشد وفكرها الناضج.. وهداتها ودعاتها إلى الخير..
هؤلاء هم علماء الأمة الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28) وقال فيهم ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11). وقال عز من قائل ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9). العلماء الذين قرنهم المولى سبحانه وتعالى بنفسه وملائكته حيث يقول ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (آل عمران: 18).
العلماء الذين وصفهم الرسول -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- بأنهم ورثة الأنبياء وبأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم.. وأن «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي».
هؤلاء العلماء الذين كانوا نبراس هذه الأمة وهداتها إلى الخير وحماتها من الشر والذين وقفوا ضد الطغاة والبغاة.. وضد الكفرة والمنافقين.. وضد الضالين والمضلين.. والذين جاهدوا بألسنتهم وأقوالهم وأفعالهم.. ولم يكتفوا بذلك بل قادوا عمليات الجهاد العسكري منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم حتى عهدنا القريب حيث قاد الشيخ عبد القادر الجزائري المعارك الجهادية ضد فرنسا.. والشيخ محمد شامل الكمراوي في القوقاس المعارك ضد روسيا والشيخ عمر المختار في طرابلس الغرب في ليبيا.. بل إن ثورة أفغانستان الجهادية يقودها اليوم العلماء وعلى رأسهم عبد رب الرسول سياف الذي ينتسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
ولكن كثيرًا من علمائنا الأجلاء يشغلون أنفسهم اليوم بمعارك صغيرة.. هل يجوز الاحتفال بالمولد النبوي أم لا يجوز؟ هل يقنت المصلي في صلاة الفجر أم لا يقنت؟ هل يضع المصلي يديه على صدره أم على بطنه؟ إلى آخر تلك الأمور الجانبية التي لا تقدم في أمر الدين ولا تؤخر.
ويذكرنا التاريخ بما حدث في القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية آنذاك عندما انشغل أهلها بالجدل العقيم هل الملائكة ذكور أم إناث.. وهل للسيد المسيح طبيعة أم طبيعتان بينما كانت جحافل المسلمين تدك أسوار المدينة.. ويدخلها القائد العظيم محمد الفاتح ليخلصها من الجدل البيزنطي إلى الأبد. ولتصبح القسطنطينية إسلامبول «اسطمبول» عاصمة للدولة العثمانية.
وذلك يذكرني أيضًا بقصة دون كيشوت التي كتبها الأديب الإسباني سرفانتس والتي كانت مقررة علينا في الثانوية باللغة الإنجليزية.
فبعد أن انتهى عهد الفروسية والإقطاع في أوروبا وظهرت الثورة الصناعية الكبرى وتكونت المجتمعات الحديثة قام دون كيشوت بملابس فرسان العصور الوسطى على صهوة جواده يحارب طواحين الهواء.. ينطلق من بلدة إلى أخرى وهو يصيح صيحات الحرب.. وينادي الفرسان إلى المبارزة.. وكلما اقترب من إحدى الطواحين ظنها فارسًا يناديه إلى الطعان فيهوي عليها بسيفه ويهجم عليها برمحه وإذا به مجندلًا في التراب بين ضحكات الشامتين وقهقهات الساخرين.
أفي الوقت الذي تواجه فيه أفغانستان جحافل الروس الذين وصفهم لنا ابن بطلان وابن رسته وابن بطوطة والمسعودي بأنهم قباح الوجوه زرق العيون شقر الشعور أهل غدر وأقذر الأمم قاطبة، أفي هذا الوقت ينشغل علماؤنا الأجلاء عن إذكاء روح الجهاد في الأمة بمعارك صغيرة صغيرة؟
أفي الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل باحتلال الأراضي التي بارك الله فيها وتدنس مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والبقعة المطهرة التي صلى فيها الأنبياء جميعًا يؤمهم سيد الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم- ينشغل العلماء الأجلاء بمعارك المولد والقنوت ووضع اليد أعلى الصدر أو أسفله؟
أفي الوقت الذي تستباح فيه الحرمات وتنتهك المقدسات وتصبح دماء المسلمين أرخص الدماء فيذبحون ذبح النعاج ابتداء من الفلبين، وانتهاء بالحبشة وأوجادين مرورًا بكمبوديا وفطاني ولاوس والهند وما مذبحة آسام والبنغال منا ببعيد.
أترانا نسينا أو تناسينا مذابح دير ياسين.. ومذابح صبرا وشاتيلا ولما تجف دماء الأطفال والشيوخ والنساء.. ولا يزال مدبرها المجرم شارون يصول ويجول في جنوب لبنان..
أي موقف وقفه علماؤنا الأجلاء من هذه المعارك الحقيقية التي يذبح فيها أبناء الإسلام..؟ أين هم من عبد الله بن المبارك؟ أين هم من العز بن عبد السلام؟ أين هم من إبراهيم بن أدهم؟ أين هم من شقيق البلخي الذين لم يجاهدوا بألسنتهم وأقلامهم وخطبهم بل حملوا سيوفهم ورماحهم وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في وقت كان الإسلام فيه عزيزًا.. ولم تكن أرض الإسلام مهددة ولا محتلة.. بل كان الإسلام ينداح فيه فيشرق على الأرض بنوره.. ولم يكن الجهاد آنذاك فرض عين بل فرض كفاية قام به العديد من شباب الإسلام..
بل أين علماؤنا الأجلاء من الشيخ محمد شامل الكمراوي والقاضي محمد الغازي الكمراوي اللذين قاما بالثورة الجهادية الكبرى في الداغستان والقوقاز.. أين هم من نجم الدين غوتسو الذي قاد الثورة الإسلامية ضد لينين يشاركه في ذلك رفيقه أوزون حجي العالم الرباني الذي قام يجاهد وهو في التسعين من عمره، فقاتل حتى نال الشهادة التي كان يطلبها طوال عمره المديد.
أين هم من ثورة عبد القادر الجزائري العالم الرباني الذي قاد ثورة الجزائر ضد فرنسا حتى اضطر أعداؤه إلى الاعتراف بفضله وبطولته رغم هزيمته.
أين هم من عمر المختار والسيد محمد السنوسي اللذين قاما بمجالدة الفاشيين الإيطاليين حتى نالا الشهادة التي يبغيانها..
أين علماؤنا من قائدة ثورة الريف العالم المجاهد عبد الكريم الخطابي؟ بل أين هم من علماء أفغانستان اليوم وعلى رأسهم عبد رب الرسول سياف وهو أحد العلماء وهم يجاهدون أكثر دول الأرض طغيانًا وبغيًا؟
أين علماؤنا من الفساد الذي استشرى ودخل كل بيت في صورة جهاز الفيديو والتليفزيون؟ أين علماؤنا من الربا الذي دخل كل جيب ومن لم يأكل منه أصابه غباره؟
أين علماؤنا من سوق المخدرات والخمور التي انتشرت وأصابت قلب هذه الأمة النابض فأصبح على وشك الإصابة بذبذبات أذينية وبطينية تكاد تنهي حياته؟
أين علماؤنا من الخنا والفجور الذي لم يعد مستورًا خافيًا بل بلغت به الوقاحة حد الإعلان عنه في الصحف والمجلات؟
أين علماؤنا من القوانين الوضعية التي تبيح الخمر والزنى والربا؟ أفي هذا الوقت العصيب والليل المدلهم الذي أحاط بالمسلمين إحاطة السوار بالمعصم ينشغل بعض العلماء الأجلاء وورثة الأنبياء بمعارك طاحنة فيما بينهم، بلغت حد السباب والقذف والاتهام بالشرك والكفر من أجل إقامة مولد أو عدم إقامته؟
أيجوز في هذا الوقت الذي تتوالى فيه النكبات وتتوالى الضربات واللطمات على أمة الإسلام أن ينشغل الهداة القادة بمعارك دون كيشوتية فتمتلئ الساحة من البحرين والكويت شرقًا حتى المغرب في أقصى الغرب بكتب ومقالات تهاجم المولد او تدافع عنه.
إنها لمأساة.. مأساة مروعة.. أن ينشغل أمل الأمة وقلبها النابض بمعارك الكرة.. وأن ينشغل فكرها الناضج وعقلها الراشد بمعارك المولد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل