العنوان أبطال في زمن الجبن والانبطاح
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009
مشاهدات 49
نشر في العدد 1847
نشر في الصفحة 39
السبت 11-أبريل-2009
كلما سمعت قصص البطولة والتضحية التييقوم بها مجاهدو غزة، أقول:سلمتم وسلمت عزائمكم في هذا الانكسار الذليل، الذي تمرغ في عاره الكثير من الناس والعديد من الأنظمة، وقد يذهل المراقبون لهذه التضحيات وهذا الثبات البطولي، وهذه العزائم والأماني التي تحتل صدور الشباب والشابات، فقلت: من بعث هذه الطاقات من جديد لتصل الحاضر بالماضي، والبطولات السابقة باللاحقة، تأملت تاريخ الشهيدة البطلة «سناء قديح» الفلسطينية الباسلة التي أرجعت تاريخ البطولات الفذة، واستنطقت من جديد أم عمارة، والخنساء، وخولة بنت الأزور لتبعثهم على ساحة التي يقوم بها مجاهدو غزة، أقول: سلمتم المشهد الفلسطيني المجاهد.
إنها نموذج مقدسي يثبت أن الأمة لم تمت وغير عاجزة عن إنجاب المرأة القادرة على صناعة المجد، كتفا بكتف مع الرجال الرواحل الذين يمتطون صهوة العز لإنتاج مشروع حياة للأمة مشوبا بدم الشهداء وأنفة الكبرياء.
زوجها «باسم قديح».. رفيقها من ثلة القساميين الذين يرابطون في الثغر المقدسي الأسير.. قائد صلب لا يلين ولا يعرف خنوع الاستسلام، حاصره القتلة من قريظة في منزله في فجر ٢٠٠٤/٣/٢١م.. قال له أخوه عزام قديح أثناء الحصار: لتستسلم يا أخي!... لكن أسود القسام لا يعترفون بهذه الكلمة، ولا يقبلون أن يدرجوا كلمة الاستسلام في سيرهم أو في معجم ثقافة المقاومة التي تربوا في مساقات عزتها وعنفوانها.
وتجري المعركة بين الشهيدة وزوجها من جانب، والصهاينة من جانب آخر في تمام الساعة الثانية من صباح يوم الأحد الموافق ۲۰۰٤/٣/٢١م قامت قوات الاحتلال الصهيوني باجتياح قريتها قاصدة بيتها لاعتقال واغتيال زوجها الشهيد «باسم قديح» أحد قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام.
عندما اكتشف المجاهدان «باسم وسناء» القوات الخاصة الصهيونية بجوار منزلهما انطلقا كالأسود من عرينهما لمقاومة القتلة والسفاحين بكل ما يملكان من عدة وعتاد فكانت بداية المعركة بتفجير عبوة ناسفة تم زرعها مسبقا بجوار منزلهما.
عندما اشتد حمى المعركة بين قوات الاحتلال وبين المجاهد باسم، وعندما أيقن أن موعده مع الشهادة قد حان، طلب من زوجته الخروج من المنزل مع أبنائها ليستمر في المقاومة وحده.
ولكن الزوجة المؤمنة المخلصة سناء أبت إلا أن تشاركه في معركة العز والكرامة ضد جنود الاحتلال المعتدين، ففضلت البقاء لتنال الشهادة على الحياة الدنيا ومتاعها.
ضغطت سناء بإصبعها الرقيق على الزناد، وذلك بعد أن تلقت التدريب على السلاح من قبل زوجها الشهيد لتزرع رصاصًا في صدر العدو الصهيوني الجاثم على صدر شعبها ولتشفي صدور المؤمنين.
ضاق الحصار على العرين.. وخرج الجميع من المنزل، وظل الأسد القسامي يقاتل ولكنه لم يكن وحيدًا.. بل كانت زوجته المرأة الفولاذية «سناء» بجانبه تضغط بأصبعها الرقيق-الذي تمرد على ألوان «المناكير»- على زناد رشاشها ليحصد من إخوان القردة والخنازير عددًا يخجل رجولتنا المعلبة.
وتحت سحب الدخان وأزيز الرصاص، حاول أخو زوجها «عزام» أن يقنعها بالانسحاب معهم إلى منطقة آمنة لتترك الأسد القسامي وحده.. لكنها وفي لحظة الوداع التي لا يطيقها حتى الرجال. احتضنت أطفالها: عاصم وعلاء وإسلام ومصعب وقبلتهم واحدًا واحدًا ليخرجوا مع عمهم، ولتقول بعنفوان سلفي فريد متعلق بما عند الله تعالى: «وما العيش إلا عيش الآخرة».
بعد ساعات من القتال الضاري ضاق الحصار على العرين أكثر فأكثر، وظل رشاش «سناء» يزغرد في الأفق المقدسي وسط صمت القبور في عواصم الليل العربي «وباسم» يجند لهم واحدًا تلو الآخر.. ثم قفز عليهم من فوق منزله المحاصر ليفجر جسده الطهور ولتتحوّل أشلاؤه رسائل موت تمزق أرواحهم الشريرة.
وظل رشاش «سناء» يزغرد بالرصاص حتى قذفتها مروحية صهيونية لعينة مزقت جسدها لترتفع إلى عليين.. فماتا زوجين كما عاشا زوجين، وفي جنة العلا الملتقى بمشيئة الله تعالى عند المليك الأعظم جل شأنه.
هذه ليست الحكاية الأخيرة في الرواية الفلسطينية الطويلة، فسيتبعها حكايات أخرى ما دام الجرح المقدسي مفتوحا على ضفتيه، وهذا ليس تخمينا، فقد أجرى «برنامج غزة للصحة النفسية بين الأطفال» دراسة في قطاع غزة أظهرت أن 25% من الأطفال ما بين ٩- ١٧ سنة يريدون أن يكونوا شهداء، منها نسبة كبيرة من الفتيات تصل إلى 32.2%، بينما وصلت النسبة بين الفتيان إلى 68.8% ، وتشير الدراسة ذاتها أن أحلام الطفل الفلسطيني غدت خالية من مطالب اعتيادية كبيت جميل أو رحلة ممتعة أو ملابس جميلة، لتتحول إلى أحلام قومية ووطنية تتركز على طريقة الانتصار على اليهود القتلة.
دائمًا أبدًا تكون سيناريوهات المجاهدين هي الأقوى مع الصبر ومواصلة الكفاح، وإن كانت هي الطرف الأضعف في بدايتها، وصدق الله حيث يقول: ﴿كَم مِّن فِئَة قَلِيلَةٍ غلبت فِئَة كثيرة بإذن الله وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (البقرة:249)