; أحبوا أعداءكم.. باركوا لاعِنيكم | مجلة المجتمع

العنوان أحبوا أعداءكم.. باركوا لاعِنيكم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 25-يونيو-2004

مشاهدات 57

نشر في العدد 1606

نشر في الصفحة 47

الجمعة 25-يونيو-2004

من اخترعوا هذه المقولة كانوا أول من هدمها، وصاروا أبعد الناس عنها، وأصبحوا صقورًا تتغذى على لحوم البشر، وتشرب دماءهم، وتفضح أعراضهم، ولكنهم -وللعجب- يريدون منا أن نتربى عليها، ونجعلها أسلوب حياة، ومنهج مجتمع ومعالم ثقافة، يريدون منا أن نعيش مخنثين بلا رجولة، وضائعين بلا كرامة، ومستضعفين بلا كيان أو هوية، وخانعين بلا عزة.

يريدوننا عبيدًا للخدمة، وإماءً للهوى والمتعة، يريدوننا بدون ألسنة تنطق، أو عقول تفكر، أو عزائم تفعل، أو حتى إحساس يتألم وعرق ينبض، يريدوننا أن نتجرد حتى من كل صفات الإنسانية، فلا نغضب من ظلم أو نبتئس من قهر أو بغي، أو حتى قتل، يريدوننا بدون مشاعر، أو رغبات، أو تمييز، أو ألم يخالف هواهم، أو يصادم متعهم وأطماعهم وشهواتهم.

ومما يجعل الأمر أكثر كارثية وأفدح جرحًا، أن تربيتنا في بلادنا تعمل على هذا الطريق، وتحضّر لهذا التوجه، وتؤسس لهذه الثقافة «لا تقاوموا الشر بالشر، من ضربك على خدك الأيمن فأدِر له الأيسر، من سخرك لتسير معه ميلًا فسر معه ميلين، ومن أخذ قميصك فأعطه إزارك!».

ثقافة تحضير الأمة للاستعباد والخنوع وتحمل المظالم، بتحلل الرجولة وضياع الشخصية وفقدان الكرامة، وضياع الإحساس، فالأمة التي تفعل ببنيها ما يفعله الأعداء بهم، أمة خاطئة قد ضلت الطريق، وتنكبت الجادة، فضياع الحريات وتكميم الأفواه وسياسة «اعصب عينيك، وسر وأنت أعمى» سياسة كارثية تحطم كل الطاقات، وتدمر كل الرجولة، وتبدد كل العزائم ولا تبقي إلا جسد العبيد المناكيد، وعقول الخانعين المراذيل، ولا ترتد على الجميع إلا بالوبال والدمار.

وها هي أساليب التعذيب المهينة الوحشية وفظائع الأعداء في العراق في سجن «أبو غريب» تسير بها الركبان، وضحاياها هم شعب مسلم ذاق العذاب على يد جلاديه البعثيين وصدام، ويذوق اليوم على يد الأمريكان مثله، وعليه مزيد، ولكنني أقف ولو قليلًا عند أساليب التعذيب بالعري وما يتبع ذلك من مخاز، فأقول: إذا أراد الأمريكان أن يقوموا بذلك الانتقام من المعذبين، الذي ما أظن أن يقوم به إلا مخنث أو امرأة كما بثته وسائل الإعلام المختلفة، فكيف تقوم به سجون عربية مع شعبها؟ أتشابهت قلوبهم وصفاتهم وأعمالهم وطباعهم؟ ولا غرابة، فهناك من تغربوا عن أممهم، رغم أنهم يسكنون فيها، ومن تخلقوا بغير أخلاقهم وإن كانوا من جلدتنا وأعراقنا.

ولكنهم - للأسف - صاروا في الصدارة والذوابة، ولا ندري لم كان هذا ويكون! وإنا لله وإنا إليه راجعون. وللأسف الشديد، ما كانت هذه من ثقافة العرب ولا ثقافة الإسلام، لأن الثقافة العربية مليئة بالرجولة والإقدام والشجاعة وإباء الذلة والهوان، وليس بالاستجداء ولا بالخنوع، ولا بالصبر على ضرب الخد والذل تكون الكرامة عند العرب، وإنما بالرجولة والشجاعة وقوة الشكيمة، التي نسمع قول شاعرهم يقول عنها في قصيدته:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

بغاة ظالمين وما ظُلمنا

ولكنا سنبدأ ظالمينا

ونشرب إن وجدنا الماء صفوًا

ويشرب غيرنا كدرًا وطينا

إذا بلغ الرضيع لنا فطامًا

تخر له الجبابر ساجدينا

وقد يقال عن سادتهم إنهم إذا غضبوا قامت الدنيا ولم تقعد، وقيل في أحدهم: إنه إذا غضب غضب له مائة ألف سيف لا يسألون فيما غضب، حتى قال قائلهم:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النائبات على ما قال برهانا

هذه هي الثقافة العربية في إثبات الرجولة وحفظ الكرامة، يحفظها تاريخهم وترويها أيامهم، فهل هؤلاء عرب أم عجم، أم أنهم خلق مشوه آخر؟

أما ثقافة الإسلام فإنها شيء آخر، ثقافة احترام الإنسان وحفظ كرامته ورجولته وديانته وحقه في الحياة الكريمة، «الأخوَّة العامة»: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَفْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلَنَاكُمْ شَعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّْ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيم خَبير﴾ (الحجرات: 13).

ومع هذا فهي ثقافة الدفاع عن الحق في مواجهة الباطل، ومقاومة الباغي والوقوف أمام الظلم بغير خنوع أو جبن أو خوف، ﴿وَجزَاء سيئةٍ سيئة مَثلها﴾ (الشورى: ٤٠)، فإن رجع الباغي وأقلع ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرَهُ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالمِينَ ﴾ (الشورى: 40)، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبتم به﴾ (النحل: ١٢٦)، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٠)، فطبيعة المسلم تأبی الذلة والمسكنة مع الأعداء، ولا تستريح للظلم أو البغي والعدوان ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير﴾ (الحج: 39).

هذه ثقافة الإسلام، فأين نحن منها؟ وليس منها بالطبع ما يُفعل بالمؤمنين المسالمين الذين يقولون ربنا الله في سجون الظلم والبغي والعدوان والتعذيب الذي تمارسه الأجهزة الأمنية في المعتقلات، والذي ترجمه القرضاوي في قصيدته النونية المشهورة، ومنها:

أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه

حتى يرى في هيئة البالون؟

أسمعت بالإنسان يشعل جسمه

نارًا وقد صبغوه بالفزلين

أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي

حتى يقول أنا المسيء خذوني؟

إن كنت لم تسمع فسل عما جرى

                         مثلي، ولا ينبيك مثل سجين 

هذه هي السياسة الكارثية التي ينقلب الناس بعدها إلى أي شيء، ولكنهم لن يحبوا أعداءهم أو يباركوا معذبيهم!!

الرابط المختصر :