; التاريخ للكفاح الوطني واجب | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ للكفاح الوطني واجب

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995

مشاهدات 61

نشر في العدد 1166

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 12-سبتمبر-1995

فترات الكفاح ضد الاستعمار الأجنبي والاحتلال الوطني يجب أن تأخذ حقها في التدوين والتأريخ، لأنها أيام تحمل الكثير والكثير من الآلام والأشجان، والمحن، ضل فيها من ضل، وزل فيها من زل وثبت فيها من ثبت وعلا فيها رجال، وصمد فيها أبطال، ودفعوا من سعادتهم، وأوقاتهم ودمائهم، بل وحياتهم الشيء الكثير الذي يجب أن يوضع على دروب السالكين وسبل القاصدين وطرق المكافحين.

مرت على الأمة حوادث، ووقائع ومهازل يجب أن تنتفع بها، وأن تعتبر منها حتى تصحو على نهار لا على ليل وتستيقظ على ضياء لا على ظلمات والوقائع والدروس خير معلم وأفضل رائد، فطريق البغي واحدة، وأساليبها مكررة وزبانيتها متشابهة، وجلادوها على كلمة سواء، ترى الظالم الأجنبي أو الوطني يراوغ ليخدع ويمكر ليضلل يتظاهر بالعدالة، وهو أس الظلم، والحيدة وهو القاضي والمدعي أو الجاني والحكم، وقد أرخ الوطنيون لكثير من المحاكمات الهزلية، والجلسات العسكرية التي استعملت في أعصر متفاوتة لإجهاض الكفاح ضد المظالم، ووأد النهضات وكبت الحريات، ولنضرب أمثلة في العصر الحديث لرجال أرخوا لتلك الفترات.

فنرى الشاعر «أحمد شوقي» الذي كان شاهدًا لواقعة دنشواي وللمحاكمة الهزلية العسكرية التي ألفها المستعمر من قضاة اشتراهم بالمال والمناصب، وكان رئيس قضاة تلك المحكمة، «أحمد فتحي زغلول» كان قاضيًا لمحكمة ابتدائية، فرُقي بعد المحاكمة إلى وكيل وزارة الحقانية وأٌعطى الباشاوية بأمر اللورد «كرومر» حاكم مصر الإنجليزي، لأنه حكم بأمر الإنجليز على المصريين بالإعدام، فأرخ لذلك «شوقي» قائلًا: 

يا دنشواي على رباك سلام                         ذهبت بأنس ربوعك الأيام
شهداء حكمك في البلاد تفرقوا                    هيهات للشمل الشتيت نظام
مرت عليهم في اللحود أهلة                        ومضى عليهم في القيود العام
كيف الأرامل فيك بعد رجالها                    وباي حال أصبح الأيتام 
«نيرون» لو أدركت عهد كرومر                  لعرفت كيف تنفذ الأحكام 
السوط يعمل والمشانق أربع                     متواجدات والجنود قيام
والمستشار إلى الفظائع ناظر                      تدمى جلود حوله وعظام
وعلى وجوه الشاكلين كآبة                          وعلى وجوه الثاكلات رغــــام 

وكان عمر الظالمين قصيرًا، فقامت ثلة وطنية بقيادة «مصطفى كامل»، واستطاعت أن تفضح ظلمه فعزلته إنجلترا عن حكم مصر، فشيعه شوقي بقصيدة من المطولات منددًا، قال فيها:

أيامكم أم عهد إسماعيلا؟                          أم أنت فرعون يسوس النيلا؟
أم حاكم في أرض مصر بأمره                        لا سائلًا أبدًا ولا مسؤولًا
لما رحلت عن البلاد تشهدت                     فكأنك الداء العياء رحيــــلًا 

وتمضي الأيام ويخرج الإنجليز ويستبشر الناس بحكم وطني، ويتنفس الناس الصعداء، فإذا بهم يصابون بخيبة أمل وانتكاسة قهر وردة بغي وظلم، وتقام المحاكم مرة ثانية، وتكبت الحريات وتقطع الألسن، وتمتلئ السجون، وتنصب المحاكمات الهزلية، ويؤرخ لتلك الفترة الكئيبة شهود اكتووا بنيرانها فيقول الدكتور القرضاوي مؤرخًا:

قالوا محاكمة فقلت رواية                          أعطوا لمخرجها وسام فنون
هي شر مهزلة ومأساة معًا                           قد أضحكتني مثل ما تبكيني!!
الخصم فيها مدع ومحقق                          وهو الذي يقضي بلا قانون
إلا هواه.. وما يدور برأسه                          من خلط سكير ورأي أفين
أرأيت محكمة ترأسها امرؤ                          يدعوه من عرفوه بالمجنــــون؟ 

ثم يقص ما كان من محاكمة للأبرياء ومن تعذيب وتقتيل وإعنات وأحكام هزلية، ثم يختم قصيدته بقوله:

 تالله ما الطغيان يهزم دعوة                       يومًا وفي التاريخ برد يميني
ضع في يدي القيد الهب أضلعي                  بالسوط ضع عنقي على السكيني
لن تستطيع حصار فكري ساعة                  أو نزع إيماني ونور يقيني 
فالنور في قلبي وقلبي في يدي                      ربي وربي ناصري ومعيني 
سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي                 وأموت مبتسمًا ليحيـــــــا ديني 

ثم تعوي المحاكم العسكرية هنا وهناك، ويكشر العسكر عن أنيابهم، وتفعل الدكتاتوريات فعلها في الربوع والوديان ويعطل القضاء ليرضي أهواء الطغاة ويشفي نهمتهم:

 وكانوا كذئب السوء لما رأى دما                          بصاحبه يومًا أغار على الدم

وإلا فقل لي بربك كم مقتول في العراق؟ ومن على شاكلته رأي محكمة عادلة، أو محاكمة منصفة وهكذا حين يغيب القانون، وتموت الشعوب، ويتحكم السفاحون، ولهذا ننظر إلى قول الشاعر في هذه المحاكمات الهزلية:

الحر يعرف ما تريد المحكمة!!

وقضاته سلفًا قد ارتشفوا دمه 

لا يرتجي دفعًا لطغيان رماه به الطغاة 

المجرمون الجالسون على كراسي القضاة 

كذبوا وقالوا عن بطولته خيانة 

وأمامنا التقرير ينطق بالإدانة 

أما حكايتنا فمن لون الحكايات القديمة 

تلك التي يمضي بها التاريخ دامية أليمة 

وشريعة لم تعترف بالعدل أو شرف الخصومة!!

وهل سيظل التاريخ يحكي والوقائع تتكرر؟ أم أن الزمن والأمة ممكن أن تتخطى ذلك؟ أظن أو لا أظن، ولنا بعد لقاء، وإن غدًا لناظره قريب..

الرابط المختصر :