; الكوارث الطبيعية والسياسية والمستقبل | مجلة المجتمع

العنوان الكوارث الطبيعية والسياسية والمستقبل

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

مشاهدات 44

نشر في العدد 1367

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

قد تأتي الكوارث الطبيعية فتكون نقمة من الله وعذابًا للقوم الظالمين كما حدث لكثير من الشعوب التي بغت وتجبرت، وعاثت فسادًا في الأرض، قال تعالى في قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ (القصـص: 81)، وقال تعالى في آخرين ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40)، وقال محذرًا من بغي البغاة، وظلم الطغاة: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (النحل: 46 - 45)، ولكن.. هل يعتبر هؤلاء أم يذهبون في التاريخ كأمس الدابر؟

والكوارث الطبيعية التي تحل بالمسلمين في هذه الأيام مفزعة ومروعة، أكثر من نصف مليون قتلى هنا في تصفيات عرقية، وآلاف هناك، وزلازل هنا وهناك تدمر مدنًا بأكملها، وتدفن الناس تحت الأنقاض بالخمسين ألفًا، ولا يعلم أحد إلا الله كمية المدفونين تحت الأنقاض للآن، كما في زلزال تركيا الذي فجع كل مسلم، وتمنى أن ينبش كل مسلم الصخر بأظفاره ليخرج الناس من تحت الأنقاض، أهذه بعض عقوبات لذنوب اقترفناها، وتحديات لله ورسوله فعلناها، ومظالم لعباد الله المؤمنين ارتكبناها.. وما أكثرها وأعظمها واجراها وأجرمها، حتى صارت حديث الركبان ومضرب الأمثال؟ 

وقد تضار أمة بأكملها لفعل طاغية، وظلم دكتاتور، وإجرام عصابة: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (الزخرف: 54)، وقد تحل الكارثة بشعب بُلي بملحد غليظ الكبد، قاسي القلب، فاسد الضمير، خبيث النفس، يحارب كل إصلاح، ويبيد كل شرف، ويستأصل كل مبدع، ويهدم كل فضيلة، ويدمر كل خلق، يسمح للإلحاد أن يسود، ويشجع الكفر كي يسيطر، ولا يبيح للإيمان أن يتنفس، ولا للإصلاح أن يعيش، ولا للطهر أن يرى النور، حتى أن حجاب امرأة مسلمة في وسط برلمان ذي حصانة يقيم الدنيا ولا يقعدها، كراهية وحربًا لله ورسوله وكتابه في دولة مسلمة.. أهذه سلطة تنال بركات من الله، أو تلتفت إلى إصلاح، أو اقتصاد، أو زراعة أو تجارة، أو تصنيع أو رخاء؟ أهذه قيادة تشغل نفسها بالرخاء أو الفلاح أو النهضة، أو تربية اللبنات، وإعداد الكوادر؟

وقد تكون الكوارث الطبيعية قضاءً وقدرًا.. والقدر كما يقول العلماء يدفع بالقدر في الأمم الواعية، والأفهام الذكية والعقول المنيرة.

 قال ابن القيم: «يرد القدر بالقدر، وهذا فعل أصحاب العزائم»، وهو معنى قول الشيخ عبد القادر الكيلاني: «الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا، نازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعًا للقدر، لا من يكون مستسلمًا مع القدر».

ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض، فكيف في معادهم؟ والله سبحانه وتعالى أمر أن تدفع السيئة وهي من قدر الله بالحسنة، وهي من قدر الله، وكذلك الجوع من قدر الله، وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدر الله، ولو استسلم العبد لقدر الجوع مع قدرته على دفعه بقدر الأكل حتى مات، مات عاصيًا، وكذلك البرد والحر والعطش كلها من أقداره، وأمر بدفعها بأقدار تضادها.

وقد أفصح النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى كل الإفصاح إذ قالوا: يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتُقى نتقي بها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله»، وفي الحديث الآخر: «إن الدعاء والبلاء ليعتلجان بين السماء والأرض»، وإذا طرق العدو من الكفار بلدًا إسلاميًا طرقوه بقدر الله، أفيحل للمسلمين الاستسلام للقدر وترك دفعه بقدر مثله، وهو الجهاد الذي يدفع به قدر الله بقدره، والله سبحانه وتعالي يلوم على العجز، فإذا غلب العبد وضاقت به الحيل ولم يبق له مجال أو حيلة فهناك الاستسلام للقدر.

 فإذا كان الزلزال التركي من قدر الله، فماذا فعلت الحكومة التركية وقد حذرها العلماء من زلازل مدمرة؟ حذرها أحد خبراء الزلازل الأتراك من سلسلة زلازل ستضرب إزمير وإسطنبول، وتدمر أقوى مبانيها، وتطيح بالسكان هنا وهناك، وبقيت تحذيرات الخبير تجر عليه الزجر والتأنيب، ولكنه بتواضع العالم أكد تحذيراته بكل شجاعة قبل شهر من وقوع الزلزال الأخير، وكان الرد الرسمي هو التحذير من قول الرجل وتحذيراته العلمية واتهاماته بأنه مغرض يريد أن يضرب موسم السياحة في تركيا، وتوالت التحذيرات من أخصائيي الجيولوجيا الذين رسموا عام 1997م مخططات زلزالية تضرب شمال الأناضول وشرقه بقوة قد تزيد على 6.7 درجة على مقياس ريختر.

 وخلص كذلك فريق بحث بقيادة الدكتور روس ستاين من مركز مسوحات الجيولوجيا الأمريكية، إلى أن مدينة إزميت وميناءها هي الأكثر عرضة لحدوث زلازل قوية في الوقت الذي حدث فيه الزلزال بالتحديد، وسخرت السلطات من هذا الحديث وتلك الدراسات وتجاهلت التحذيرات مجددًا، وكانت الحكومة في لهو طوال العام الماضي والحالي، وشنت حملات شرسة على كل مظهر إسلامي، وظلت تحذر من الإسلام أكثر مما تحذر من الصهيونية التي أفسدت كل شيء في تركيا، تسجن وتقدم للمحاكمات كل من ينتمي إلى العمل الإسلامي، أو يصرح بالالتزام به، وشغلت نفسها بقهر الناس، والتمكين للعلمانية ورؤوس الفساد، ولم قول هذه الدراسات والتحذيرات أي اهتمام، ولم تتفقد أحوال المباني القديمة، أو تحذر الناس، وتأخذ الاحتياطات اللازمة لمثل هذه الكوارث، حتى حلت الكارثة وشكل الزلزال فاجعة بكل المقاييس، وتجاوزت الخسائر البشرية كل التوقعات، وحلت بالبلاد كارثة اقتصادية تتجاوز 30 مليار دولار، وتلقت الصناعات التركية ضربة موجعة، وفشلت السلطات العسكرية والحكومية على كل الأصعدة، والمسؤولون مذعورون، والخطط الوقائية غائبة، والاستعدادات معدومة، وما زال الناس تحت الأنقاض، وقد عم الخراب هنا وهناك، وكشف الزلزال كل مستور في تركيا من الغش، والإهمال، والتفسخ، والعجز التام، حتى أن هناك أكثر من 76 ألف عمارة في محيط مدينة إزميت نفسها قد هدمت فوق أصحابها، وتصدعت معظم بنايات إسطنبول، ولا يعلم أحد إلا الله كم من الكوارث الطبيعية قد أعدت لنا، وكم من الكوارث السياسية قد بليت البلاد بها في شرق الأمة وغربها، وهل سيؤدي هذا إلى إيقاظ النائم في الأمة، وتحريك الأغبياء في الشعوب فتتعامل مع القضاء بالدعاء والابتهال إلى الله أن يكشف الغمة، وتتعامل معه بدفعه بالاستعداد وعمل ما يجنب البلاد والعباد أخطار تلك الكوارث، فتؤسس المباني لتقاوم تلك الكوارث التي يحذر منها الأخصائيون، وتتعامل مع ساستها بما يليق وما يجب أن يكون حتى تتفادى الكوارث السياسية وتستعد لمستقبل واعد؟ نسأل الله ذلك. 

الرابط المختصر :