; حسابات الإيمان في سمع الزمان!! | مجلة المجتمع

العنوان حسابات الإيمان في سمع الزمان!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993

مشاهدات 61

نشر في العدد 1071

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 19-أكتوبر-1993

حسابات أهل الإيمان ومقاييس العقيدة

لأصحاب الأرض حسابات ومواقف، ولأهل الإيمان حسابات ومواقف، لا يختلطان ولا يتداخلان، فلكل وجهة هو موليها، فليست حسابات الإيمان هزلًا ولا هزرًا، وليست عزماته صفقة قابلة للأخذ والرد، بل هو أعلى من هذا وأجل وأسمى من ذلك وأرفع.

فمتى آمن القلب بالله خلص من تلك المؤثرات الأرضية، ذلك لأن العقيدة لا يجوز لها أن تكون موضع مساومة، أو مفاصلة وحسابًا للربح والخسارة، لأنها أمر عظيم وحزم قويم لا هوادة فيه ولا ترخص معه، ورغم ثمنها الفادح وتبعات القيام بها الباهظة، فإنها لا بد وأن تستعذبها القلوب وتهش وتبش لها النفوس!!

وتتسارع الأحداث في دنيا الناس وتتعدد المواقف، وموقف أهل الإيمان يكون مزهرًا ومضيئًا دائمًا، لأنه يمتاز بشيئين:

 1- البصر والقوة والعمق والثقة والإصرار.

 2- التوكل والإيمان بالنصر والفوز «بعد استكمال الأسباب وإجادة الوسائل».

ثبات بلال رضي الله عنه

وحسابات أهل الإيمان يظنها الناس خيالية، وهي ليست كذلك، ويحسبونها غامضة، وهي واضحة كل الوضوح، ولكن لكل مقاييس ومنطلقات وحسابات، قد تعجم على الآخرين، وتغيب عن الباقين، ولكنها حقيقة على كل حال، تظهر في الحياة وتقر في النفوس والمجتمعات ويتحدث عنها التاريخ!!

فيوم كان الكفار يعذبون بلال الحبشي لإسلامه، ويطوفون به على الرمضاء المحرقة ويمتهنونه وهو العبد المملوك المستباح الدم، كان يحس أنه الأقوى والأعظم والأفضل، وأن العاقبة له، وكان كلما اشتد عليه الغيظ الكافر، وعظم على جسده البلاء المشرك، يرفع صوته ويقول: أحد، أحد.. فإذا أمعنوا في البلاء وزادوا في النكال على ذلك الصامد القوي يقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها. فرد واحد يريد أن يغيظ أمة مشركة ويذهب أحلامها، وقد استطاع.

هرقل وخطاب رسول الله ﷺ

وتظهر هذه الحسابات جلية واضحة بين طرفين في حادثة واحدة، يحكي لنا التاريخ موقفًا يستحق التأمل والنظر، لما انتصر هرقل عاهل الروم على الفرس الذين استعبدوا بلاده بضع سنين، وانتزعوا الصليب الأعظم من كنيستهم، وفي زهو هذا الانتصار العظيم لهرقل في يوم مشهور بدأ فيه جلال النصر وهيبة الدين وهيبة الدولة وغطرسة الجنود، جاء هرقل خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام يحمله دحية الكلبي، وسلم إليه الكتاب.

وربما كانت هذه الدعوة في مثل هذا اليوم في نظر الكثيرين جرأة وانقيادًا للوهم والخيال، وظهر ذلك الأثر على أحد الأعراب الذين كانوا يجالسون هرقل عند تسلمه الخطاب وهو الحارث الغساني، وكبر عليه أن يكتب عربي من نجد مثل هذه الدعوة، فاستأذن هرقل أن يقود حملة يؤدبه بها على جرأته هذه، فلم يأذن له.

وكان هرقل رجلًا عاقلًا، فلم يشأ أن ينغص حفله الرائع وبهجة الأمة الغامرة، أو أن يلتفت إلى جماعة من البدو، ويشتبك بهم بعد أن انتصر على دولة عظمى مثل الفرس، ولكنه بعد انفضاض الجموع فكر وهو الرجل العاقل في أن يعرف حقيقة الأمر، فأمر بالبحث عن أحد عنده علم بأمر محمد ودعوته، وعثر على تجار من مكة فيهم أبو سفيان بن حرب.

حوار هرقل وأبو سفيان

فأخذ يلقي عليهم الأسئلة تلو الأخرى، ليستبين صدق الرسول، بعلامات ومقاييس يعرفها عن هذا الأمر، ويجيبه أبو سفيان إلى أن فرغ من أسئلته ثم أخذ يترجم نتيجة اللقاء فقال: «سألتك كيف نسبه فيكم فقلت هو فينا ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا، ولو كان لقلنا رجل يتأسى بقول قيل قبله».

«وسألتك هل كان في آبائه من ملك فذكرت لا، فلو كان، قلت رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله».

وما زال هرقل يعمل المقاييس الإيمانية بعقله حتى أوصلته إلى نتيجة لا يتصورها أحد غيره ممن حوله فقال: «فلئن كنت صدقتني، ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين، ولوددت أني عنده أغسل عن قدميه».

وبعد: هل يعرف أهل الإيمان اليوم حسابات النصر في مواجهة حسابات الخداع والزهو التي ربما تنهزم من هامشيين ينتسبون إلى عقيدة في الصومال، فما بالنا بإيمان صحيح واع منظم مشبوب، وهل نفهم الدرس وهل يفهمه الفلسطينيون وغيرهم من شعوب التبعيات، والركع السجود لغير الله!!.


انظر أيضا 

تحليل مضمون ‏أسئلة هرقل لأبي سفيان.. ‏قراءة جديدة للتاريخ!

الرابط المختصر :