; إذلال هنا وهناك.. وعنتريات على الشعوب!! | مجلة المجتمع

العنوان إذلال هنا وهناك.. وعنتريات على الشعوب!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002

مشاهدات 56

نشر في العدد 1514

نشر في الصفحة 47

السبت 17-أغسطس-2002

الكلُ يسألُ ما العمل، وما الحل لتلك النكبات التي يشترك فيها القاصي والداني والعدو وغيره من بني جلدتنا، والشعوب تقف على مفترق الطرق، وتسام الخسف والهوان من الطامعين والمستعمرين، ومن المغامرين والعابثين والمراهقين من بعض أولي الأمر في بلاد العرب والمسلمين، وكان السماء أمطرتنا بالرواجم والرعود في كل مكان، وفي كل برهة من ليل أو نهار، وكان الجماد، والجبال والوديان تبكي من حالنا، وتنتحب لبلوانا ونحن لا نشعر بأنفسنا.

يُبكَى علينا ولا نبكي على أحد

فنحن أغلظ أكبادًا من الإبل

العدو الصهيوني يعمل ما يشاء لا يردعه رادع اللهم إلا فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى ولولا هؤلاء الفتية الذين برزوا من وسط الحجارة التي أقضت مضاجع صهيون وتعلموا كيف يروعون الغزاة كما روعوهم، ويبكونهم كما أبكوهم.

لولا هؤلاء الذين يعملون في وسط الرعود والصواعق بين غدر اليهود والاجتياح بالدبابات والرواجم والطائرات والجند المدججين بالسلاح وسلطة متربصة تجمع الكثير من الخونة والعملاء، وبين أنظمة عربية، بعضها يصفهم بالإرهاب، ويريد أن يبيعهم بالجملة والمفرق للأعداء وأعوانهم من الخاسرين وأجهزة المخابرات الصهيونية والأمريكية، وتلك العربية التي تنسق معهم-حتى إنك لتسمع وترى العجب العجاب، ترى صمت الأنظمة، فلا مساعدات ولا اعتراضات، ولا حتى سياسات حازمة، وإنما تشاهد أرتال المخابرات تذهب وتجيء تتلمظ تلمظ الأفاعي ويسيل منها السم الزعاف تتحين لدغ مجاهد أو كشف أمر مدافع عن حرمات مقدساته وعرضه وحماية بنيه- نقول: لولا هؤلاء لصفيت فلسطين وأصبحت أثرًا بعد عين.

ومن غريب أن بعض الصحف يتحدث عن الاتهامات العربية لبعضها البعض فتحاول أن تجعلها كالشمس في رائعة النهار، فتنقل صحيفة العرب اليوم عن صحيفة المنار-التي تصدر في القدس-أن العلاقات بين "إسرائيل" ودولة عربية بلغت مستوى التنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية الخاصة بالمنطقة، وأوضحت أن "إسرائيل" دربت مجموعات من تلك الدولة في تل أبيب للعمل ضد دول عربية أخرى، وأن عشرات "الإسرائيليين" يجولون بالمنطقة بجوازات سفر لتلك الدولة.

وكذلك تحكي صحف أخرى وأخرى عن بلاد عربية أخرى وأخرى وهذا إن صح كان كارثة بكل المقاييس ونحن نربأ بالدول العربية المذكورة عن ذلك كله، ونعتبر هذا من قبيل الدس عليها، والله أعلم، والأخبار عندنا مغيبة سواء كانت صحيحة أو كاذبة والحريات عندنا من المحرمات بل من الكوارث، وهذا ما ينشر البلبلة والصيد في الماء العكر، وكان الله في عون الشعوب التي أصبحت ضحايا الشك والظن في كل شيء، وربما تتكشف لها الحقائق بعد ذلك، فترى أن من كان يقال له المجاهد العظيم، ظهر أنه الخائن الحقير، ومن كان يوصف بالخيانة والعمالة والفساد انقشع الغبار فظهر معدنه الأصيل وسجاياه الكريمة، ووطنيته الباهرة، وذمته الطاهرة، ولكن كان يعيش وسط اللئام:

إذا أعطشتك أكفُّ اللِئام

                             كفتك القناعةُ شِبعاً وريّاً

فكُن رجلاً رِجله في الثَرى

                       وهامةُ همتهِ في الثُريّا

هذا وبعض الأنظمة المراهقة أنفقت على نزواتها الكثير حبًا في التصابي والعنتريات وأضاعت مقدرات الشعوب وأجاعتها وجلبت إليها الخراب والدمار بدعاوى الوطنية والتحررية ومحاربة الاستعمار، وانتهى بها الأمر إلى احضانه أو الهاوية والخوف والصغار، وفي كل الحالات فإن الأمة هي الضحية، ماذا سيفعل صدام حسين بعد الضربات المتتالية، وبعد الضغوط المتلاحقة؟! لماذا لم يعمل هو وأضرابه على تجميع الأمة حول هدف؟ لماذا لم يستعد هو وأمثاله-وعندهم المال-ليوم كهذا، طغت فيه «إسرائيل» وتنمرت فيه أمريكا، وتربص فيه العالم بنا طمعًا في ثرواتنا وديارنا؟

لماذا ظلت ليبيا تحت الحصار، وتعرضت للضربات الأمريكية، وما نفعها ولا دافع عنها صلتها بالجيش الأحمر الياباني، ولا بكارلوس ولا الجيش الجمهوري الأيرلندي، ولا أعلى كعبها في العالم ملف لوكربي، ولا الأزمات مع بريطانيا ولا تفجير مقهى «لأبيل في برلين»، وإنما لاحقتها التعويضات والقضايا التي تخشى ليبيا أن تطول الرئاسة نفسها، والآن طلقت ليبيا رفاق السبعينيات والثمانينيات بمنظماتهم وقنابلهم وعنترياتهم وطلقت القيادة الليبية الوحدة العربية، وحتى قضاياها، وهاجرت إلى الديار الإفريقية، وفي الوقت نفسه سلمت ليبيا بأن كل هذا التاريخ له ثمن لابد من دفعه، أي ثمن مادي أو معنوي بعد أن رأت حلقات الأغلال تطبق على الأعناق، لأن الساحة ما أصبحت تصلح للمغامرة، فأفغانستان منكوية، وصدام محاصر وكاسترو يقاوم وحيدًا على جزيرته، وأصبح ثمن المراهقات باهظ التكاليف قد يكلف ضياع الحكم بل الحياة نفسها والعمر ليس بعثرة، كما يقولون.. والنوم الهادئ في أحضان الثروات والملذات أفضل ألف مرة من التهديد والغارات والملاحقات.

ومع أن الكثير من السلطات قد تهذب وتأدب وتخلى حتى عن مطالبه المشروعة، إلا أنه لم يتخل عن ظلم بنيه وشعبه وسجنهم وكبت حريتهم، ولم يزل يمارس العنتريات عليهم، والقهر والبغي ضدهم، وهذه السلطات تظن بذلك أنها ترضى أعداء الإسلام وأعداء الأمة وتوجهاتهم، وتسكت عنها صوت الإصلاح والعدالة فتنام قريرة بحماية أعدائها، هنيئة بقهر بنيها وخنق أصواتهم، وهذا هراء. 

فالشعوب هي الأهم. والسلطات بشعوبها لا بأعدائها. وهناء السلطات من حب الشعوب. 

يا راقدَ اللَّيلِ مسروراً بأوَّلهِ

إنَّ الحوادثَ قدْ يطرقنَ أسحارَا

لا تفرحنَّ بليلٍ طابَ أوَّلهُ

فربَّ آخرِ ليلٍ أجَّجَ النَّارا

فهل من لفتة إلى الشعوب وفيها الخير والبركة والقوة والمنعة، وعندها الحل الأكيد؟! نسأل الله الهداية والتوفيق أمين.

الرابط المختصر :