العنوان رجال بلا أفئدة.. هل يفلحون؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 54
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 04-يناير-2000
الشعور والإحساس والأعماق البشرية، أشياء يتمايز بها الناس كما يتفاوتون بالعقول والقلوب، ومن أفضال الله ومننه أن وهب هذا لخلقه جميعًا، ولم يحرم من ذلك أحدًا، ولكن هل يستفيد الإنسان من تلك النعم، وهل يستطيع استغلال تلك الأفضال؟ وحينما تكلم القرآن عن الحواس والمدارك الإنسانية أرجعها جميعًا إلى الله تبارك وتعالى إنشاءً وخلقًا، فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة النحل: آية: 78)، أخرجنا الله سبحانه إلى الحياة قطعًا من اللحم المصور، ثم بعد ذلك من على العين أن تبصر، وعلى السمع أن يسمع، وعلى الفؤاد أن يعقل، ولم تذكر الآية سائر الحواس اكتفاءً بذكر الأهم منها، وقد اقترن الفؤاد بالسمع والبصر لأنهما من أدواته، وإن كان للفؤاد رؤية تخالف رؤية العين، وسمع يخالف سمع الحس، وأنه مختص بمعرفة تخالف تلك التي سبقت لقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (سورة النجم: آية: 11) ﴿بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (سورة الحج: آية: 46) فهناك إذن مقابل الحواس الظاهرة حاسة باطنة لها خاصية الفقه والسمع والبصر، وكونها باطنة في مقابل الحواس الظاهرة يقتضي أن سمعها وبصرها والمرئي والمسموع بالحواس الباطنة أمر غير حسي، أي معنوي، وهذه الحاسة تتفاوت تبعًا لعلو الإنسان وانحداره، فقد تنعدم عند قوم حتى تتلاشى إنسانيتهم وتظهر حيوانيتهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (سورة الأعراف: آية: 179)، والواقع أننا نشاهد كثيرًا من الناس بدون قلوب أو بدون أفئدة، ينظرون إلى مادية الأشياء ولا ينظرون إلى روحانيتها وشفافيتها، ينظرون إلى ما فيها من نفع أني ولا ينظرون إلى ما فيها من حكمة وعبرة وإبداع، ينظرون إلى أنانيتهم الزائلة بقتامة مظلمة، ولا ينظرون إلى عبقرية غيرهم بأنوارها الباهرة، ولهذا تنفصم صلة الأشياء في نفوسهم بخالقها، وتبتعد عن دلالتها وأهدافها، رغم مظاهرها الحسية ورغم سلامة الحواس الإنسانية، وقد حكى القرآن دلالة ذلك في أقوام مضت فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (سورة الأحقاف: آية: 26).
يقول الإمام ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ (سورة الأعراف: آية: 179): أن هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس عندها، إلا في الذي يقيتها من ظاهر الحياة الدنيا، وهم أضل من الحيوان، لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا زجرها، ولأنها خلقت كذلك فهي تفعل ما خلقت له بخلاف الإنسان، فقد خلق ليعرف الله تعالى ويعبده والنظر بالحاسة الباطنة وهي القلب يسمى التفكر، قال الإمام الفخر الرازي: «التفكر طلب المعنى بالقلب، وبما أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة من الانكشاف والجلاء وهي تقلب الحدقة إلى جهة المرئي، فكذلك الرؤية بالبصيرة هي حالة مخصوصة من الانكشاف والجلاء، فيعلم من ذلك أن فاقدي الأفئدة لا يرون سببية الله في الأشياء، ولا آياته فيها وحكمته منها ويتكلمون عنها تكلم الغريب ويتعاملون معها تعامل المتنافر، ولذلك تكون الكائنات هادية لقوم مهلكة لآخرين، لأن هذا تعامل معها بفكر سليم، وذاك تعامل معها بحس سقيم» وصدق الله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة يونس: آية رقم 101)، فقد يرى أناس الجنابة في الماء والحدث في الهواء، ولا يرى غيرهم الجبل الأشم، والشمس الساطعة، والطريق المستقيم وهؤلاء وهؤلاء لا يضيرون الحقيقة في شيء.
ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة
أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
وقد تصاب بأناس ينكرون عليك الحق، ويشوشون عليك الرؤية لا لشيء إلا لقصر همهم وكلال بصائرهم، وضعف عزائمهم، وضحالة معارفهم، وصدق من قال:
إذا كنت بالمعارف نمرأ ثم أبصرت حاذقًا لا تمارى
وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
ولهذا كان تاريخ دعوة كل رسول من رسل الله لقومه تبيين عن مواجهة تامة بين عقليتين مختلفين عقلية اليقين القائم على صدق الإيمان بالله ونور البصيرة، ممثلة في شخص الرسول الداعية، وعقلية الحس المحض المحجوب عن صدق المعرفة، ممثلة فيما للمدعوين من حسية الإدراك والانحراف عن القصد، وما كان لكل قوم منهم من فهم لمعنى الحياة وقيمها وغاياتها، وعلى هذا يجري الحوار المتبادل بين الطائفتين: ففي بني إسرائيل يقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (سورة البقرة: آية: 247)، فيكون الجواب: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ (سورة البقرة: آية: 247)، وفي الحوار مع عيسى -عليه السلام- طلب منه قومه نزول مائدة من السماء بقولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (سورة المائدة: آية: 112) ونفس الأمر كان مع رسول الله ﷺ، إذ قال قومه: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (سورة الزخرف: آية: 53)، ويقولون: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ﴾ (سورة الفرقان: آية: 8)، ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (سورة الإسراء: آية: 48) والحقيقة أن الحسية تعلو وتهبط بوجود الإيمان وعدمه، فإذا وجد الإيمان زالت الحسية أو كادت واستنارت البصيرة، وانقشعت العماية، وإذا انعدم الإيمان لم يبق إلا البهيمية الكاسة والحيوانية المسلطة التي تطفو على لسان الإنسان وفعله، ولهذا فكل ما نراه اليوم من حب الذات وإيثار المنافع الشخصية لمنصب زائل أو جاه كاذب، ومن فقدان للقيم وتناسي للأخلاق ومحق للفضيلة، ومن انعدام العواطف والإحساس، ومن مظالم وبغي على الحقوق والحريات ومحادة لله ورسوله، ومعاداة للمصلحين والنابهين، وتلمس التهم للبراء وقساوة للقلوب وترويع للآمنين، إنما هو من عمى البصيرة، وظلمة القلوب وفقدان الأنوار اليقين وحلاوة الإيمان، فهل يتصور أن إنسانًا سويًّا يعيش بهذه الحيوانية، ويحيا بدون قلب أو إحساس أو ضمير يستطيع في يوم من الأيام أن يسعد نفسه، فضلًا عن إسعاد الناس، ويصلح خطوة فضلًا عن إصلاح سير الآخرين، إنني أتصور هذا الحيوان الإنسان، سيعيش كما عاش من قبله، يأكل ويتمتع كما تسرح النعم والدواب ثم ينفق كما ينفق البعير فتتلقفه مزابل التاريخ ولن يكون في الآخرة أسعد منه في الأولى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (سورة الإسراء: آية: 72) نسأل الله السلامة ونور البصيرة. أمين.