; معالم على الطريق- عبيد الله، أم عبيد الصهاينة؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق- عبيد الله، أم عبيد الصهاينة؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001

مشاهدات 41

نشر في العدد 1453

نشر في الصفحة 45

السبت 02-يونيو-2001

بقلم: د. توفيق الواعي. 

     تجربة الإسلام في إزاحة الباطل من المعمورة، وتجربته في تحرير الإنسانية من العبودية- تجربة فريدة وعجيبة في سرعتها وحكمتها والاستجابة لها، وخطته في بعث الركام الهامد، والغثاء الفارع، فغرت الأفواه، وأصابت عقول كثير من الباحثين بالدوار، وما ذاك إلا لأنها إكسير الوحي، وشفاء التنزيل الحكيم والذكر المبين، وقد عبر عن ذلك (توماس كارديل) أصدق تعبير فقال: خرجت جيوش رعاة الأمس تقتحم الأرض شرقًا وغربًا باسم الدين الجديد، وفي خلال قرن واحد من الزمان قضت على القوى العظمى، وملكت الأرض من تحت أرجلهم إنها معجزة، ولولا أنها حقيقة تاريخية لقلت إنها خرافة أو خيال، لقد كانت صيحة محمد أشبه ما تكون بشرارة ملتهبة وقعت لا على كثبان كسولة من رمال الصحراء، ولكن على جبال من البارود الذي تفجر مرة واحدة، فعم نوره الآفاق من هضاب الهند حتى سهول الأندلس، نعم، لقد أفاض الإسلام على الدنيا وعلى العرب -خاصة- نعمًا لا تحصى، وشاد لهم مكانة، وبنى لهم مجدًا ما كانوا ليبلغوه لولا الرسالة التي أخلص لها الأباء، وعرفوا العالمين بشعارها وشرائعها، ولهذا كانت الأمة دائمًا تتواصى فيما بينها بالثبات والاعتزاز بكتابها وعقيدتها ودينها.

     قال عامر بن مطر: قال لي حذيفة في كلام كيف أنت يا عامر بن مطر: إذا أخذ الناس طريقًا، والقرآن طريقًا، مع أيهما تكون؟ قال عامر: فقلت له مع القرآن أحيا، ومع القرآن أموت، قال له حذيفة: فأنت إذن أنت؟ قال ابن حزم الذي روى الخبر في محلاه معلقًا على هذا: اللهم إني أقول كما قال عامر: أكون والله مع القرآن أحيا مستمسكًا به، وأموت إن شاء الله مستمسكًا به، ولا أبالي بمن سلك غير القرآن، ولو أنهم أهل الأرض غيري.

      فأمة الإسلام قوتها في عقيدتها، وتماسكها في ثقافتها، وسطوتها باستمساكها بمنهجها، وإذا ما تركت الأمة الإسلامية عقيدتها، وتخلت عن غذائها الروحي، وعمقها الإيماني، فإنها تصبح كريشة معلقة في مهب الريح، يقول الشيخ الغزالي -رحمه الله-: كيف يتبرأ البعض من الانتماء الإسلامي أو يتبرم به، ويقدم عليه غيره، تملكني الدهشة عندما أرى اليهود في المجامع الدولية يملؤون أفواههم بالانتماء إلى الصهيونية، وعندها تتغاضى هذه المجامع عن الآثام التي يقترفها أولئك الصهاينة لا في حق العرب فقط، بل في حق الرجال الكبار الذين يمثلون هذه المجامع.

      في سنة ١٩٤٨م قتل الكونت برنادوت وسيط هيئة الأمم لحل مشكلة فلسطين، وكان لاغتياله دوي واسع، وعرف الناس أن اليهود هم قتلته لأن مقترحاته لم تعجبهم، ونشرت صحيفة «أفتونبلات» السويدية تحقيقًا دقيقًا أكدت أن الوثائق التي جمعت بعد مقتل الوسيط الدولي أظهرت -بما لا يدع مجالًا للشك- أن إسحاق شامير رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق كان أحد الصهاينة الثلاثة الذين أطلقوا النار على برنادوت، كما أن مناحم بيجن رئيس وزراء الكيان الصهيوني قبل شامير اشترك مع آخرين في وضع خطة اغتياله.

     وأوردت الصحيفة تصريحًا لرئيس الحكومة السويدية الأسبق «أولوف بالمه»، قال: فيه إن السويد لن تنسى مهما طال الزمن أن رئيس وزراء الكيان الصهيوني -يقصد إسحاق شامير- كان وراء جريمة اغتيال الكونت برنادوت، وأوردت الصحيفة أن شامير اعترف أمام الحكومة الصهيونية المؤقتة سنة ١٩٤٨م أنه قرر مع زملائه التخلص من الوسيط الدولي السويدي؛ لأنه كان متعاطفًا مع العرب، وذهب مصرع رجل الأمم المتحدة مع الصدى فلم يرث له أحد، وطويت صحيفته ومقترحاته في سكون، لماذا؟ لأن وحدة اليهود وتمسكهم بهويتهم، وأقدامهم الراسخة في ميادين العلم والمال والفن والإعلام أخرست الأعداء، وجعلتهم قوة لا يستهان بها، أما نحن فانتماؤنا الإسلامي ضعيف، وإذا قوى فإن وسائلنا في الإبانة عن نفسه قاصرة فاترة، وكان لهذا الضعف وذلك الفتور نحو الإسلام أثر كبير في ميادين التربية والتوجيه والقوة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، رغم أن المسلمين يبلغون ثلث العالم تعدادًا، ولكنهم يعيشون في تيه وفقدان للهوية: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ﴾ (سورة الحشر: ۱۹).

      ومن أغرب ما سمعت أن أعرابيًا في إحدى البلاد الإسلامية تزوج امرأة وأنجب منها غلامين، وفي يوم ما عاد إلى بيته فلم يجد أحدًا، وبحث في جوانب البيت الخالي فوجد كتابًا من زوجته تخبره أنها يهودية، وأنها سافرت إلى تل أبيب لتقيم بها مع ابنيها، وأن له الحق إذا شاء أن يلحق بها، كان الزوج التائه يحسبها مسلمة هل رأها تصلي؟ أو تقرأ قرآنًا؟ أكان هو يصلي أو يصوم؟ لقد نجح الاستعمار الثقافي في إنشاء كثير من هذا النوع الخرب، وقد يصل هذا النوع إلى مناصب الحكم ودفة القيادة العليا، فماذا يكون موقفه من الإسلام ومن المنتمين إليه والعاملين في حقله؟ لقد سمعنا عن حاكم كبير يقول: إن علماء الإسلام قد يطعمون أكلة دسمة من أحد الناس، فيصدرون الفتاوى لمصلحته، وقال حاكم آخر متحدثًا عن عالم انتقده: إنه الآن مرمي في السجن كالكلب، وهل سمعنا في طول الدنيا وعرضها عن حكام يصفون علماء دينهم الرسميين بهذه الكلمات الوضيعة؟

      هؤلاء وغيرهم من الذين لا هوية لهم ولا غاية يكونون عبادًا لمصالحهم وأهوائهم، ويفتقدون القوة الروحية والعزيمة الإسلامية، أتراهم بعد ذلك يصلحون لمنازلة العدو، أو حماية الديار، إن الكيان الصهيوني يهدد كل يوم دولنا، ويعربد ويقتل ويحتل مقدساتنا، ويفعل الأفاعيل، ولا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا.

     ويختبئون وراء اختيار السلام المزعوم تذرعًا واستمسكًا بالسراب، وإبقاء لماء الوجه الذي فقد الماء من زمن، وإذا شفنا الوجد ووخذنا المصاب استنجدنا بأمريكا راعيتنا وحاميتنا، ونحن نعلم تمام العلم أن أمريكا عبدة للصهاينة والخادم الأمين لهم، فقلت -سبحان الله- إن فقدنا لهويتنا وانتمائنا الإسلامي جعلنا عبيدًا لأمريكا التي هي عبدة للصهاينة، ويوم كنا عبيدًا لله ملكنا هذه الدنيا قرونًا، فهل نكون عبيدًا لله، حتى تدين لنا الدنيا، أم نكون عبيدًا لعبيد الصهاينة، فأي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا؟ 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل