; معالم على الطريق.. هل ممكن أن تبعث أمة من دون مثل؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. هل ممكن أن تبعث أمة من دون مثل؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004

مشاهدات 56

نشر في العدد 1632

نشر في الصفحة 45

السبت 25-ديسمبر-2004

أمتنا أمة تعشق البطولة، وتهوى النصر والعزة، وتهفو إلى الفوز والسيادة، وتستبشر بالفتح والريادة، علم الله منها ذلك وسجله في محكم كتابه فقال: 

﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: 13)

أمتنا أمة تهيم بالرجولة الحقة، والعزيمة الصادقة، والثبات الراسخ، والتضحيات العظيمة في سبيل الحق وصدق الله:

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23)

 أمتنا أمة المجد والنزال والتحدي، والشجاعة، والبأس، والرباط والصبر، والصمود ومقارعة الخطوب، والاستعداد والاحتساب وقال الله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ (الأنفال: 65)

وقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22) 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الأنفال: 60)

أمتنا أمة تتعبد ربها بالفتوة وبذل الجهد ودحر الظلم، النفرة للحق من صميم عقيدتهم،  ومنازلة الباطل لب رسالتها: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ( التوبة: 41) نستعيذ بالله من العجز والكسل والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال.

أمة فريدة في المنهج، عظيمة في الوجهة غنية بالأبطال والمثل السامقة، وحيدة في تاريخها المضيء وطريقها القويم، ودربها المستقيم، أمة حملت الأمانة، وتقلدت التبعات وأخذت على عاتقها لتنفيذ منهج الله في الأرض، وتبليغه الأبيض والأحمر، وتعبيد الناس لربهم، ودحر عبادة الأصنام البشرية والحجرية، وكشف اللثام عن جوهر الأديان ولب الرسالات بعد أن لوثتها نزغات الشياطين من الجن والإنس، وبعد أن استعبدوا الناس بها واشتروا بها ثمنًا قليلًا: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٩) برزت هذه الأمة بأبطالها ورجالها الميامين، فبعثت تعاليمها وأظهرت رواءها وأطلعت شمسها ليتصل اللاحق بالسابق، ويتحد النور بالضياء، وينهل الجميع من النبع الأصيل والمورد العذب السلسبيل: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13)، أمة نادت الجميع إلى الخير، ودعت الأديان إلى التآخي على الحق، وفتح  البصر والبصيرة وإعمال العقل، والعيش في  ظلال العدالة الربانية إخوة متساوين لا ظلم ولا بغي ولا استعباد ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64)

أمة بهذا الحجم لا يمكن أن تهزم، ومنهج بهذه القوة يستحيل أن يباري، وتاريخ بهذه العظمة يستحيل أن يزول من الحياة أو يمحي من الوجود، وحق له أن يظل خفاقًا رغم زخم الباطل  ومحن الشياطين، ورغم النماذج الهابطة التي ألحقت به ونسبت إليه، منهج  بهذا الحجم سيظل يخوف أعداء البشرية ويرعبهم، لأنه يخفت ولا يموت، يصارع ولا يغلب، وستكون العاقبة دايمًا له، والنتيجة حقيقة في صالحه.. وصدق الله: ﴿كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ (الرعد:17)

ومبدأ بهذا الصدق وتلك السطوة وهذا الإبهار، لابد وأن يخرج النماذج الفريدة من الرجال، والعمالقة الأفذاذ من القادة، والمبدعين  الكبار بناة الأمم، والبحور الزواخر من العلماء العاملين، والمفكرين النابهين.

ولا يهولنك اليوم ما تراه من حالنا البئيس،ومن أوضاعنا المزرية، فنحن في الحقيقة في تيه غامر ونوم سادر، وموت دماغي وفكري وتاريخي، نعم قد استغفلت الأمة زمنًا، واستغلت أزمانًا ومازالت، ولكنه استغفال فترة، واستغلال نومة، لابد من يقظة بعدها، ومن فجر عقب ظلامها، قد بدت تباشيره ولاح إصباحه.

هذا التراث الضخم، يعمل اليوم عمله بعد أن التفت دعاة الصدق إلى حال الأمة، فوجدوا أنه لا ينقذها من وهدتها ولا ينتشلها من كبوتها إلا رجوعها إلى منهجها وتراثها ومدرستها القرآنية النبوية، التي بعثت جاهلية العرب وموات قلوبها وعقولها وصدق الله: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ( الأنعام: 122)، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24)

واليوم نريد من شبابنا أن يتتلمذوا من جديد على هذه المدرسة، وأن يدرسوا تلك النماذج التي نهلت من هذا النبع الصافي وطافت برحيقه الدنيا، مبشرة داعية، فاتحة، وهم جم غفير، وعدد وفير يستحيل أن يوجد في أي أمة أو يخرج من أي منهج أو فكر مثله، فحق للإسلام أن يسمى باعث الأمم، وباني الصروح، والأمة الإسلامية محفوظة بهم وبهذا الجمع الكبير من العظام المغاوير، ولكن من يأخذ بأيدي الشباب ليتعرفوا على آبائهم وأجدادهم وأبطالهم وأساطيرهم المبهرة؟

إن من أوجب الواجبات اليوم بعث تاريخ هؤلاء الرجال الصدق، والكماة الكرام، حتى تفتح الأعين على القدوة الصالحة والبيئة الطاهرة، فتتمثل الجموع نهجهم وتتلمذ على أيديهم وتأخذ من عزمهم وتنصرف عن تلك النماذج الهابطة. والعاهات الساقطة، التي تملأ الأجواء وتزكم الأنوف، وتجلب العار والدمار، ولقد قرأت بعض المؤلفات لإخوان لنا تحدثوا وكتبوا عن تلك المثل الباهرة، فدعوت الله لهم وقلت: لم لا تتوجه دورنا الثقافية وقنواتنا الفضائية ودراساتنا المدرسية والجامعية، إلى هذا المجد الغابر، بل التآمر عليه ومحاولة طمسه وإخفاء روائه إرضاء لأعدادنا؟ نسأل الله السلامة.. أمين.

الرابط المختصر :