; اختراع الثقافات ومحنة الأخلاق إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان اختراع الثقافات ومحنة الأخلاق إلى أين؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1994

مشاهدات 71

نشر في العدد 1085

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 25-يناير-1994

تُخْتَرَعُ لكثير من الدول المتخلفة ثقافاتٌ تدغدغ ملكاتها وتخدر عقولها وتشوش أفكارها، وتفصل لتلك الدول ثقافاتٌ على مقاسها يراعى فيها طفولتها وسذاجتها وبلاهتها؛ كما يراد لتلك الدول أن تظل مكانها واقفة لا تتحرك، وأن تستمر قلوبها واجفة لا تتماسك، وأبصارها خاشعة لا ترتفع، حتى يحل اليأس بهم فيردون في الحافرة قائلين: تلك إذن كرة خاسرة.

والغريب في هذا التوجه المراد، والعجيب في هذا الاختراع المبير، أنه مضاد للثقافة، ومخالف للتوجه العلمي والحضاري؛ لأنه باعث للغرائز، ومهيج للشهوات، وقاتل للفضائل، ومثير للمناشط السفلى للإنسان، فيطرح الثقافة على أنها التبذل، وفنون الرذيلة على أنها فنون الإبداع الفكري والعلمي، ويقدم الثقافة على أنها رواية ماجنة، ورقصة خليعة، وصورة فاضحة، ومناظر جنسية تافهة. وكل يوم يفجع الناس بأمثال هذه الثقافات الفجة الغريبة، وقد فُجع هذه الأيام المجتمعُ الفكري والثقافي العربي بتساؤل لعضو مجلس شعب أمام المجلس لوزير ثقافة عربي عن فضائح باسم الثقافة، وانحلال باسم الإبداع الفني، فقال: ما رأي وزير الثقافة في الصور العارية تمامًا للنساء والرجال والتي ظهرت في الإعلانات المعلقة، والموزعة على الناس، والمنشورة في كتب وزارة الثقافة؟ وما رأي الوزير في الفضائح التي أحدثها ممثلون وقفوا عراة تمامًا في المسرح التجريبي؟ وكذلك العرض الذي وقفت فيه راقصة شابة عارية؟ ثم أضاف: وما رأي الوزير الفاضل في العرض الذي قُدم في المهرجان هذا العام أمام الجمهور لمسرحية عن الشذوذ الجنسي مُثلت فيه المشاهد في المسرح التجريبي؟ «وضجت قاعة مجلس الشعب» وهب نائب من النواب واقفًا وقال: حصل هذا في بلد.. وفيها الصرح الديني.. قال النائب: نعم، وأضاف أن عصر وزير الثقافة هذا تميز بالانحلال، وأطالب بطرح الثقة في الوزير وتعيين وزير جديد، ثم أضاف: «وأنا في رأيي أن يتوكل على الله ولو إن ده مش حيحصل!».

وعقب الوزير على التساؤل فنطق بلاءً وهجرًا قائلًا: أما عن الصور العارية التي عرضت في الصور فهي نماذج للوحات كثيرة، وهذا موجود في كثير من دول العالم، وأما عن مشاهد العري في التمثيليات فقد ورد في الكتب المقدسة مثل ذلك، ولابد أن نعترف بأن هناك غزلًا وشعر غزل، ثم قال الوزير: علينا أن نبعد الأديان والأخلاق عن الثقافة!

هذا الهزر اللامسؤول ما عرفته ثقافة من ثقافات العالم لا في القديم ولا في الحديث، اللهم إلا في أمثال هذه الشعوب المصابة في كل شيء، والتي فقدت كل شيء حتى مجرد الإحساس بأبسط قواعد العلم والفهم والخلق واللياقة؛ لأمة فقدت راعيها والمخلصين فيها إلا من عصم ربك.

ولهذا يحسن بنا أن نتعرض لتعريف الثقافة عربيًا وغربيًا؛ حيث عرفها العرب الأقدمون بأنها التقويم والإصلاح والفهم والتهذيب الذي يكون له ارتباط بارتقاء الإنسان خلقيًا وعقليًا، وعرفها العلماء في العصر الحديث، فقال الدكتور أحمد شلبي: الثقافة هي الرقي في الأفكار النظرية مثل القانون والسياسة والأخلاق والسلوك، وعرفها الفيلسوف مالك بن نبي فقال: هي مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته وينشأ عليها. وأما عن تعريف الثقافة عند الأوروبيين يقول ول ديورانت: الثقافة هي النظام الاجتماعي والتشريعي والخلقي الذي يرتقي بالإنسان. وعلى هذا فإن الأوروبيين والعرب كلاهما يعرف الثقافة بأنها الرقي في الأفكار والأخلاق والقيم الاجتماعية التي يكتسبها الفرد من بيئته أو مجتمعه أو دراسته في المجالات المختلفة، ولا شك أن الثقافة بهذا تقوم على القيم الكريمة وعلى بعث الخصائص العليا التي ينفرد بها الإنسان عن سائر الحيوانات. وقد تختلف الثقافة من شعب إلى آخر ولكن تظل أسسها ثابتة تنهل منها.

أما أن تنقلب الثقافة إلى تفانين شهوانية، أو شطحات شيطانية، أو موبقات خلقية، فهذا هو العجب العجاب في أمم متخلفة تحتاج إلى جمع شتات فكرها، وإحكام نظرات عقلها، واستلهام قبسات خلقها؛ حتى تنهض وتلحق بالركب الحضاري المراد. وأما أن يقدم هذا الغثاء على أنه هو الثقافة، ويردد هذا العبث على أنه النهضة، فهذا هو الأمر الذي يرقى إلى درجة الخيانة، وهو الضياع الذي يرقى إلى درجة الجريمة. إن أمة لها من التراث الثقافي والخلقي والإيمان هذا الكم من الفضائل، وهذا الصرح من الأخلاق، لأمة خليق بها ألا تدع ثقافتها ملعبة لكل منحرف أو عابث أو مشبوه، وما كان العري والعهر والرذيلة والضياع وهتك الأعراض والولوغ في الحرمات سبيلًا إلى ثقافة أمة أو رفعتها، وإنما هي أمراض الثقافات وعاهات الأمم، وما كان ضياع الأخلاق وهدر القيم وتنحية العقائد سبيلًا سويًا لرفعة أمة وتنشئة جيل وتأسيس حضارة، وإنما هو طريق الهاوية والسقوط والفشل.

وبعد: ألست معي أننا في محنة ثقافية وخلقية ليس لها من دون الله كاشفة؟!

الرابط المختصر :