العنوان هل التزوير هو التغيير إلى الأفضل؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2010
مشاهدات 66
نشر في العدد 1929
نشر في الصفحة 35
السبت 04-ديسمبر-2010
التغيير إلى الأفضل، والتقدم والشفافية والريادة، والرفعة، والرخاء... إلى آخر ما يتشدقون به من خداع للناس، هل يأتي به تزوير الانتخابات وسحق المرشحين وطمس لوحات الدعاية، وتمزيق اللافتات والتضييق على المسيرات، واعتقال أنصار المرشحين الآخرين والإرهاب بالرصاص، واستعمال البلطجة وطرد المندوبين والضرب بعرض الحائط الأحكام القضاء، وعدم الاعتراف بتوكيلات الشهر العقاري الصحيحة !!
هل إرهاب الدولة لشعبها مقدمة للتغيير؟ أم الفساد في السلطات والجهل في القيادات، والإثراء غير المشروع للرياسات والأبناء، والتهام أقوات الفقراء والمعوزين، وامتصاص دمائهم هو المحرك؟ أم المظالم واستعباد الناس، وامتهان الحرمات والتلاعب بالقوانين، وتقنين الشهوات والتجاوزات هو الباعث للثورة؟ أم فتح السجون والمعتقلات، وتلفيق الاتهامات، وإقامة المحاكمات الهزلية، وتأليف المحاكم العسكرية، والحكم بالقوانين الاستث الاستثنائية، والأحكام العرفية هو الذي يأتي بالبديل؟
نعم، كل ذلك، وعليه المزيد من أعمال سلطات غير مسؤولة، هو مقدمة لإرهاب طويل، ومؤشرات الإرهاصات التغيير.
مستحيل أن تبقى هنا أو هناك دكتاتوريات لا تحادث إلا نفسها، ولا تسمع إلا طنينها، وتظل معزولة عن الشعب مطرودة من الأمة إلى أمد طويل ويستحيل أن تصمد الحلول الاستئصالية طويلًا أمام مطارق الإصلاح، وفي مواجهة رعود الكلمات الحرة ومطارق الأيدي الشريفة الصالحة، ويستحيل أن تظل الشعوب مخدرة إلى وقت طويل، وأن يظن الغباء الإعلامي الحكومي والمتسكعون في أروقته أنه بسفهه المفضوح، ورسالته الملوثة، يستطيع خداع الشعوب، أو أن يعقد على قفاها غباء مستديمًا والذين يتوارون خلف الجيوش وجنود الأمن دائمًا مهزومون، والذين يأخذون من الأمة دروعًا لهم، دائمًا منصورون.
وفي العصر الحديث وحده، كم سقطت من دكتاتوريات، وأزيلت من طواغيت، والدكت من عروش، وبادت جبابرة، وما أغنت عنهم جيوشهم ولا مخابراتهم، ولا مناصبهم وسلطانهم، ولقد وقفت طويلاً، أمام كلمات رئيس أكبر دولة مسلمة ينهزم وهو سوهارتو الذي أخذ يردد في تنازله عن العرش، وهو مطاطئ الرأس مرتعش الجبين، منكسر النفس تتلعثم الكلمات على شفتيه وتشرد الألفاظ من بين ثناياه، يطلب الصفح من شعبه والعفو من أمته، والمغفرة من الجماهير المحتشدة لتنظر إلى مصرع الطاووس، ودفن الدكتاتورية.
لحظات أليمة تنسيه كل ما مارسه من سطوة ومتع به من جاه، وعاشه من عز ورفاه، بل قد تكون هي القاضية لأنه سيعيش طريدا محقورا محروما من كل شيء، حتى من احترام الناس، فضلا عن شعبه، وكان أول من تنكر له هم زمرته ومنافقوه الذين يبحثون الآن عن منجى لأنفسهم، ومهرب عن عمالتهم ومظالمهم، وقد يأخذون من فضحه سببًا لبراءتهم، ومن كشف عورته للناس ملجأ لحمايتهم ومن لعنه والمطالبة بمحاكمته، وتقديم الأدلة على ذلك تكفيرًا عن ذنوبهم، وعربونا لإخلاصهم، وهذا لا يعفيهم من تاريخهم الأسود، ولا من عواقب ظلمهم المبيد، ولله در القائل:
إذا الظالم استحسن الظلم مذهبًا
ولج عتوا في قبيح اكتسابه
فكله إلى ريب الزمان فإنه
ستبدي له ما لم يكن في حسابه
فكم قد رأينا ظالما متجبرًا
يرى النجم تيها تحت ظل ركابه
فلما تمادى واستطال بظلمه
أناخت صروف الحادثات ببابه
وعوقب بالظلم الذي كان يقتفي
وصب عليه الله سوط عذابه
لقد عاش شعب إندونيسيا وديعا مسالما، ولهذا بغى عليه الاستعمار الهولندي، واحتل أرضه، وأخذ خيره ردحا من الزمان، وما كاد يثور على المستعمرين ويتمكن من إخراجهم، حتى وقع في دكتاتور من بني جلدتهم، هو سوكارنو الذي فعل بإندونيسيا الأفاعيل، وظل يحارب التيار الإسلامي عشرين عاما، ويزرع الهوية الشيوعية بدل الإسلام، وقتل من العلماء والدعاة ألفا وخمسمائة في مدى سنتين من حكمه الشيوعي، ولقد أعلن سوكارنو، سياسته الدموية في خطاب مشهور سنة ١٩٦٥م قائلا إن الاستقرار لن يكون إلا بإراقة الدماء الكثيرة فالطريق نحو هذه الغايات صعب جدا، ولكن يجب ألا تأخذنا الرحمة أو الشفقة، وأخذ يفتخر بماركسيته فيقول إنني ماركسي حتى النخاع، وأفتخر بذلك إنني أؤمن بالفلسفة المادية، ثم أعلن الإباحية وجعل من نفسه القدوة، وكان يقول إن الرجل الذي لا يذوق طعم الهوى والغرام ولا يفتنه الجمال، فهو إما مخنث، أو فاقد للرجولة والإحساس.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد دفعت المظالم والماسي والإبادة ومعاداة الإسلام الشعب إلى الثورة عليه، وتنحى غير مأسوف عليه، وأعلن ذلك في ١٩٦٧/٢/٢٠م بإلغاء رئاسته وتسليم الجنرال سوهارتو، مقاليد السلطة في ١٩٦٧/٣/١٢م، ولكن الأخير لم يستفد من الدرس السابق، وتنكر للإسلام والمسلمين، وأفسح المجال لإرضاء الغرب والكنيسة وفتح مجالات التنصير على مصراعيها، فبنيت آلاف كنيسة وملئت بثلاثة آلاف وخمسمائة قسيس، و ۸۰۰ مبشر، وكان يخدمهم خمسون مطارا، وآلاف المدارس والمستشفيات واستطاعت هذه الإرساليات، كما أخبرت الندوة العالمية للشباب المسلم، تنصير ٣ ملايين مسلم خلال عامين، مستغلين الفقر والإعلام الذي يسيطرون عليه، وكبت العمل الإسلامي، ومحاربته، ثم فتح السوق الاقتصادية للصينيين وعزل المسلمين ليظلوا فقراء، وكان لابد للناس بعد حكم ٣٢ عاما أن يثوروا على هذا الفساد والبغي والدكتاتورية البغيضة والفساد، ونهب أقوات العباد، فبرز الوجه الدموي لسوهارتو»، وكان من ذلك ما يلي:
1- التعذيب حتى الموت حيث عومل الوطنيون والإسلاميون بشراسة، وكانوا يعذبون حتى الموت وتعمل لهم شهادات مزورة على أنهم ماتوا في أحوال طبيعية، وقد ثبت أكثر من مرة تورط رجال الشرطة في ذلك.
٢ - الضرب في المليان، وقتل الخصوم في الشوارع حيث تقول منظمة العفو الدولية: إن مئات الأشخاص قد لقوا حتفهم، ومازالوا على أيدي قوات الشرطة في ظروف مريبة، وظل الغموض يكتنف الكثير من حالات القتل بغير محاكمات، وإذا جرت محاكمات تكون عسكرية أو أشر منها، حتى أن بعض الأشخاص قد استأنف الحكم فزيدت العقوبة.
3- الاختطاف والقتل حيث أثبتت المنظمات الإنسانية الكثير من الحالات التي يتم فيها الخطف وبعد أيام يعثر على الضحية ميتًا.
لعبة الاتهام بالتأمر على الحكم، وازدرائه وقد حكم على الكثير بالسجن أو الإعدام بالتهم الباطلة.
4- انتزاع الأراضي من الفلاحين، وسلب الأموال الحساب السلطة وأقربائها وحاشيتها، وترك الناس جياعًا.
6- خطف الصحفيين وتعذيبهم وقتل البعض الآخر بعد تعذيبه، إلى آخر تلك الماسي.
وبعد هذا دارت عليه الدائرة...
وبعد:
أقول للدكتاتور الراحل وأمثاله، لا ردك الله من سفرك، تلعنك إلى قبرك وما بعده ماسي البلاد والعباد، وضياع أمة يبلغ تعدادها ۲۰۰ مليون من المسلمين، ولكن هل يتعظ خلفه ومن يسير على دربه ؟ أقول: إن الشعوب هي التي تستطيع إذا صحت أن تعظ الجميع، فهي خير واعظ الأمثال هؤلاء وأولئك، ونرجو أن يكون ذلك قبل الطوفان !