العنوان الأسماء الفلسطينية.. دفتر أحوال وهموم شخصية ووطنية..معبر ونضال وحاجز وجنين في انتفاضة من أجل التحرير!
الكاتب صباح محمد
تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005
مشاهدات 106
نشر في العدد 1651
نشر في الصفحة 33
السبت 14-مايو-2005
قبل ولادة أي طفل يختار والداه – غالبًا – اسمًا له، البعض قد يحرص على اسم مميز خرجت يضاهي به آخر صرعات الأسماء الحديثة، والبعض يختار اسمًا تيمنًا باسم شخصية ما أو جد رحل عن الحياة.. ويظل الحال في فلسطين يتمتع بخصوصية مغايرة، فقد حرص الفلسطينيون على أن تكون أسماء أبنائهم الشخصية سجلًا لموقف أو حادثة أو ذكرى، سجلًا يحملونه بكبرياء وفخر أينما وجدوا، وقد تصل هذه الأسماء إلى حد الغرابة، كمعبر وحاجز، أو أسماء المواطن أو شخصية عزيزة كفلسطين، أحمد، ياسين، جنين.
رغبة في النضال: في أحد ممرات الجامعة الإسلامية سمعت صوتًا ينادي: فلسطين.. فلسطين. تلفت إليها وبسرعة البرق شددت خطايا نحوها أسألها عن سبب تسميتها بفلسطين؟ قابلت سؤالي بابتسامة ثم أردفت: «حين أسماني أبي فلسطين كنا خارج البلاد مغتربين بل نازحين في تونس، ونظرًا لشغفه وولعه بوطنه الذي لا يضاهيه وطن أسماني فلسطين لكي لا يغيب عنه الوطن الذي آثر الرجوع إليه في أول فرصة سنحت له، لقد عمق هذا الاسم داخلي رغبة في النضال من أجل استعادة حرية الوطن، ولا شك أنني سعيدة جدًا به وأشعر بالفخر والاعتزاز لأني أحمله».
كما يسمى بعض الآباء أبنائهم بأسماء أشخاص كانوا في حياتهم الأقرب إليهم، ويظهر ذلك جليًا في أسماء أطفال الشهيد سهيل أبو نحل الذي آثر تسمية أطفاله بأسماء أصدقائه الشهداء يحيى عياش، ومحيي الدين نسبة إلى صديقه الشهيد محيي الدين الشريف، أما الأصغر فأسماه صلاح شحادة نسبة إلى القائد العام لكتائب عز الدين القسام، لكن الوفاء للصديق سهيل أبو نحل كان باقيًا بعد أن استشهد، حيث آثر صديقه سعيد أبو حمام تسمية ابنه باسمه.
معبر جنين!
في فترة السنوات الأربع الماضية لم تتوقف اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي على مسافري معبر رفح الحدودي، فكانت تغلق هذا المعبر لأيام عديدة في وجه الفلسطينيين أو تمنعهم بالمقابل من العودة عبره إلى قطاع غزة، وفي إحدى هذه المرات احتجزت مواطنة من خان يونس على المعبر منى زكريا الأسطل «32 عامًا» وكانت حاملًا في شهرها الأخير، فأهدت اسم طفلها لذكرى المعاناة التي عاشتها وأربعة آلاف فلسطيني آخرين احتجزوا قرابة الشهر عند الحدود المغلقة، لتسمي مولودها «معبر»، فيصبح ثلاثيًا «معبر محمد الأسطل».
تقول منى: «رغم أنني وضعت طفلي في ظروف قاسية إلا أنني آثرت أن أسجل هذه التجربة المريرة على معبر رفح بتسمية طفلي بهذا الاسم، وعندما سألت أهلي مانعوا وقالوا لي كلما ناديته ستتذكرين هذه الأيام المريرة، فكنت أجيبهم: ولماذا لا أتذكر في اسمه ظروف التحدي والصمود الذي ولدته فيها؟»، أما والده محمد الأسطل، وهو أب لثمانية أطفال أكبرهم حسونة، 13 عامًا، فيقول إن زوجته كانت توجهت إلى مصر مؤخرًا لإجراء عملية جراحية لابنتها «5 أعوام»، وبعد خمسة أيام عادت إلى المعبر الذي كان مغلقًا واضطرت للمبيت مع طفلتها في صالة الوصول المصرية فيه، وبهذه المعاناة لم يمانع في تسمية الطفل بهذا الاسم.
حالة ثالثة أبت إلا أن تسمي طفلها باسم المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق سكان مخيم جنين التي راح فيها مئات الشهداء أطفالًا وشيوخًا ونساءً لم يقترفوا ذنبًا سوى أنهم فلسطينيون يقطنون المخيم الأبي المقاوم، السيدة مها قالت: «أردت تخليد ذكرى أليمة في حياتي وهي خروجي من المخيم قسرًا مع الذين خرجوا فارين بأرواحهم التي باتت مستهدفة من قبل قناصة الاحتلال ورشاشاتهم»، وتتابع: «حين خرجت كنت أعاني من آلام الوضع، وحين وضعت الطفلة أسميتها جنين لتكون شاهدًا على المجزرة التي أحيكت لأبناء المخيم ودمرته بكل ما فيه».
أما مروان المواطن الفلسطيني الذي يبلغ من العمر 42 عامًا ويعيش في غزة، فقد دفعته وطنيته، على حد تعبيره، إلى اختيار أسماء أبنائه من القضية الفلسطينية، ليسمي ابنه بمنتفض، يقول مروان: «قمت باختيار أسماء أبنائي إيمانًا مني بهذه الأسماء التي أعتز بها كثيرًا ولها في نفسي شيء عظيم»، ويشير مروان إلى رغبته الشديدة في تسمية أحد أبنائه باسم انتفاضة، ولكن بسبب ضغط الأهل واعتبار مثل هذا الاسم غريبًا، قرر تسميته «منتفض»، أما الطفل منتفض فقد كان سعيدًا باسمه أو على الأقل لأنه موضوع حديثنا مع والده، يقول منتفض: «الجميع يسألني لماذا هذا الاسم؟ أنا أحبه كثيرًا».
المجتمع الفلسطيني يعشق قياداته، وما إن يستشهد أحد القادة إلا وتجد عشرات الفلسطينيين يطلقون الاسم المركب لهذه الشخصية أو تلك على مواليدهم، وقد كان الشيخ الجليل أحمد ياسين، رحمه الله، أحد أبرز هؤلاء القادة على الأقل في الفترة الأخيرة، فالمواطن خليل الحمامي حظي بأن يكون اسم مولوده «أحمد ياسين» الأول في الضفة الغربية، تقول والدة الطفل أحمد ياسين: «أنا أحببت هذا الاسم، حتى قبل أن يستشهد الشيخ أحمد ياسين، أدعو الله العلي القدير أن يبارك في طفلي وأن يكون له شأن في خدمة المسلمين».
وكان أيضًا من بين هؤلاء المواطن الفلسطيني مازن أحمد النجار من نابلس الذي أطلق على طفليه التوأم «ياسين والرنتيسي»، وذلك بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والجدير بالذكر أن الأبوين كانا يرغبان في تسمية أحدهما عز الدين القسام نسبة إلى الشهيد عز الدين القسام، لكن بعد استشهاد ياسين والرنتيسي قررا تسميتهما بذلك، فيما تمنت سمر النجار أم الطفلين أن يكون ابناها على قدر من العزم الذي حمله كل من الياسين والرنتيسي.