العنوان معذرة أيها المعتصم
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2006
مشاهدات 60
نشر في العدد 1695
نشر في الصفحة 43
السبت 01-أبريل-2006
نادي الشعب الفلسطيني حماس فلبت النداء، ولم تكسل ولم تتبلد، ورفعت اللواء ولم تنحن ولم تتعثر، وفرح الفلسطينيون وفرحت الأمة العربية، وانتشت الأمة الكسيرة لتقدم الأبطال وبروز العزائم، وارتفاع الهمم، والكماة يُعرفون في الشدائد ويظهرون في الخطوب، والبواسل يُختبرون بخوض الغمرات، وصدق البأس، ورباطة الجأش وجرأة النجدة،
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت
لدى المجد حتى عُد ألفٌ بواحد
هذا، ورغم فرح الشعوب، وانتشاء الأمة، صُعقت بعض السلطات من هذا الفوز وذلك الصمود، وعملت جاهدة على الكيد له ووأده والتآمر عليه، والتهوين من شأنه؛ لعجز فيهم سيفضح، ووهن عندهم سينجلي ويظهر والأشياء أخرى كثيرة ومؤلمة.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
كذبا وزورًا إنه لدميم
ولكن الناس لا يعمون عن الضياء، أو يستغفلون عن الليل البهيم، والظلمات الحالكة السواد:
فهبني قلت هذا الصبح ليل
أيعمى العالمون عن الضياء؟
فهؤلاء قد فضحوا أنفسهم، وأذوا شعوبهم، وما أظنهم سيفلتون يومًا من العقاب، ومن الغريب الذي يصطف في خانة الكوارث، أن السلطة الفلسطينية التي تحتاج إلى تلك العزائم، وهؤلاء الفوارس قد اصطفت بجانب الصهاينة وانبطحت أمام العدو، وتعمل على شق الصفوف، وتعطيل المسيرة واستغلال المواقف الصعبة لتوهين ليوث العرين، وإخوة الغمرات، حفاظًا على مناصب كرتونية، واستحلالات مالية، وشهوات دونية، تاركين شعبهم الفلسطيني يقاسي الهوان والذل والجوع، وتهدم على رأسه البيوت، ويضرب بالمدافع والصواريخ، ويقصف بالطائرات، وكل همهم بعد ذلك إرضاء المعتدي، وكبح المظلوم، والدلالة على عوراته، والعمل على ملاحقته، فأين ضمائر هؤلاء؟ وأين قلوبهم ورجولتهم؟ ولكنهم وقد تبلدت نفوسهم، وتمرسوا على الإيذاء والنهب والسلب أصبحوا سباعًا على أقوامهم، نعاجًا على أعدائهم:
من السباع الضواري دونهم وزر
والناس من شرهم ما دونه وزر
كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع
وما نرى بشرًا لم يؤذهم بشر
كم في الشعب الفلسطيني من أبطال لم تهزم نفوسهم، أو تضعف قلوبهم، ويريدون الفرصة لملاقاة عدوهم الجبان، واستخلاص حقهم الضائع، والانتصار لعزتهم المهانة وأعراضهم المراقة.
إن الصهاينة ما تركوا بيتًا إلا وخربوه، ولا شجرًا إلا قطعوه، ولا شابًا يافعًا إلا سجنوه، ولا امرأة حرة إلا ألقوها في غياهب السجون والمعتقلات، وللحقيقة ما نالوا من عزائم حتى النساء، ونضرب المثل وما أكثر الأمثلة العظيمة، بفتاة من هؤلاء المكافحات، وصورة من البطولات الفذة في العصر الحديث:
في قاعة محكمة عوفر العسكرية، دخلت فتاة فلسطينية تبلغ من العمر ٢٥ عامًا، وقد أعياها الإرهاق والتعب، وبدا عليها آثار التعذيب، إنها الأسيرة قاهرة السعدي ابنة مخيم جنين، فحجم الحراسات من جيش ومخابرات وحرس حدود، كان يشير إلى حجم قضيتها، حيث أُدخلت إلى المحكمة مكبلة الرجلين واليدين.
قاهرة أم لأربعة أطفال، وتقول سلطات الاحتلال إنها تنتمي إلى كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لحركة فتح)، وشاركت قبل عامين في العملية العسكرية التي نفذتها الكتائب في القدس المحتلة، وأدت إلى مقتل وإصابة العشرات من الإسرائيليين بجراح.
وأمام المحكمة العسكرية التي حكمت عليها بالسجن الفعلي ٣ مؤبدات و ٣٠ عامًا أخرى، خاطبت قاهرة المحكمة قائلة إنه من حقها أن تقاوم الاحتلال، مؤكدة أن المحكمة باطلة غير قانونية، لأن الاحتلال باطل أصلًا.
وأضافت قاهرة أمام القضاة الإسرائيليين:
إن سبب مقاومة الفلسطينيين هو سيطرة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية وممارسته جرائم ضد الشعب الفلسطيني، وأكدت أن ما قامت به عمل بطولي ستفخر به أمام الأجيال والتاريخ.
وأمعنت الشابة الفلسطينية في تحدي الاحتلال حينما أكدت أنه رغم الاعتقال والحصار والتنكيل سينتصر الشعب الفلسطيني في النهاية.
اعُتقلت قاهرة السعدي من منزلها وتعيش ضمن عائلة قدمت الكثير، فزوجها لايزال معتقلًا، وشقيقا زوجها استشهدا على يد القوات الإسرائيلية، كما استشهد أربعة آخرون من أقربائه، وقد أنجبت أربعة أطفال يعيشون في حضن جدتهم داخل المخيم.
وفي رسالة بعثت بها لنادي الأسير الفلسطيني، قالت قاهرة إنها تعرضت لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، كما هددها المحققون أكثر من مرة باغتصابها، فيما هُددت في مرات لاحقة باعتقال أطفالها دون أن تراهم، ووضعت في عزل تام، وحرمت من زيارة ذويها لها عدة أشهر، لإرغامها على الاعتراف بالاتهامات الموجهة إليها.
من جانبه، قال رئيس نادي الأسير عيسى فراقع:
إن الأسيرات الفلسطينيات يعشن ظروفاً صعبة، ويتعرضن للمهانة والتهديد باغتصابهن والحرمان من رؤية أطفالهن.
وبعد.. أما تسمع هذه القيادات الخائنة، والسلطة المتخاذلة في القيادة الفلسطينية والعربية هذه القصص وهذه الأفعال، وتلك البطولات ؟!، إن هذه البطولات تستحق حكومة بطلة وسلطة على مستوى الأحداث والتطلعات، وأمة تعيش على هذه البطولات وتربي أطفالها على سير هؤلاء العمالقة. كم نادت هذه الأسيرات سلطاتها المشغولة عنها والملتفتة إلى النهب والتنازلات والانبطاحات، في الأيام العجاف والليالي النحسات، ولكنها لم تصادف نخوة المعتصم. يحكي لنا التاريخ أن امرأة أسرها الروم، فنادت من معتقلها.. «وامعتصماه»، فعلم ذلك الخليفة المعتصم فلبي النداء بجيش استخلصها وأنسى الروم وساوس الشيطان. ونحن نعتذر إلى الأسيرات وإلى المعتصم، لأننا اليوم بلا معتصم، ولعله يخرج من رحم الأمة معتصم جديد، ويكون من حماس، وما ذلك على الله بعزيز، ولكن هل تترك تلك الأنظمة ذلك المعتصم؟ وهل تؤازره؟، نسأل الله ذلك آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل