; المجتمع الثقافي.. عدد 1272 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1272

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997

مشاهدات 50

نشر في العدد 1272

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 21-أكتوبر-1997

معرض للكتاب الكويتي في موسكو ملامح عربية واضحة في الأدب الروسي

 يشهد معرض الكتاب الكويتي المقام حاليًّا في قاعة مكتبة معهد العلاقات الدولية في العاصمة الروسية موسكو إقبالًا من جانب الطلاب والمهتمين بقضايا الشرق الأوسط والراغبين في التزود بثقافاتها، وكان السفير الكويتي لدى موسكو فوزي الجاسم قد افتتح معرض «الكتاب الكويتي» في معهد العلاقات الدولية، وأشار الجاسم في كلمته إلى أن المعرض يأتي ضمن الاتفاقيات الثقافية الموقعة بين روسيا ودولة الكويت والتي تستهدف تعزيز العلاقات الثقافية بين البلدين.

يضم المعرض مجموعة من الكتب الدينية والسياسية والثقافية والعلمية، وقد قدم الجاسم مجموعة منها، كهدية لمعهد العلاقات الدولية الذي استضاف معرض الكتاب الكويتي. 

من ناحيته أكد رئيس دائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الخارجية الروسية أندريه فدوفين أن تطوير علاقات روسيا بأي من دول المنطقة لن يكون على حساب دولة الكويت الصديقة، بعد أن اكتسبت العلاقات الكويتية ـ الروسية طابعًا تاريخيًّا -على حد قوله- وأشاد الدبلوماسي الروسي بالتعاون الثقافي بين البلدين، وأبرز أهمية معرض الكتاب الكويتي بالنسبة للمستعربين والمهتمين بتاريخ الشرق الأوسط وقضايا المنطقة من الباحثين الروس.

كما أشاد عميد المعهد الروسي للعلاقات الدولية أناتولي تلكانوف بالعلاقات المتطورة بين روسيا والكويت، مشيرًا إلى أن البلدين سوف يحتفلان عام ۲۰۰۱م بالذكرى المئوية الأولى لافتتاح القنصلية الروسية في الكويت.

وأكد تلكانوف تزايد الاهتمام بالتراث العربي بين الباحثين من الشبان الروس، ووصف معرض الكتاب الكويتي بأنه لمسة حضارية أصيلة، وذكر تلكانوف أن حوالي ١٥٠ طالبًا يدرسون اللغة العربية في معهد العلاقات الدولية. 

وبدوره أكد رئيس قسم بلدان الشرقين الأدنى والأوسط في المعهد الروسي للعلاقات الدولية نويل عثمانوف وجود ملامح عربية في الأدب والشعر الروسيين، منها المجموعة الشعرية لشاعر روسيا ألكسندر بوشكين «المسماة من وحي القرآن» وقصيدة امرؤ القيس للشاعر إيفان بودين. 

 

مستقبل الإسلام  في ضوء الحقائق الثابتة التي يقوم عليها كيان الأمة الإسلامية  عام ٢٠٠٠ م: ١٤٠٠ مليون مسلم بين ٦ مليارات شخص

بقلم: أنور الجندي «*»

يتحدث كتّاب الغرب عن علم دراسة المستقبل، ويحاولون أن يقيسوا حركة الإسلام المتجددة اليوم تحت اسم «الصحوة» على هذه المقاييس والواقع أن الإسلام لم يتوقف عن النماء والتجديد وتصحيح المواقف، وقد كشفت التقديرات التي يقوم بها قوى الإحصاء العالمية على أن عدد المسلمين في عام ۲۰۰۰ م يصبح ١٤٠٠ مليون مسلم، حيث يصبح سكان العالم ٦ مليارات. 

وإن من يراجع تاريخ الإسلام وواقع الأمة الإسلامية خلال هذه المرحلة التي بدأت بالحملة الفرنسية ۱۷۹۸م إلى اليوم يستطيع أن يتحدث عن مستقبل الإسلام في صدق وأمانة كاملة بما يؤكد أن المستقبل للإسلام.

ولقد كان أعظم عطاء الإسلام في هذه المرحلة: تلك القدرة القادرة على استعادة المسلمين إلى الإسلام بعد أن قذفت بهم متغيرات الأمم والعصور والحضارات، وقد جاء ذلك بناء على التكوين النفسي والروحي الذي صنعه الإسلام بالعقول والقلوب على نحو يرى فيه المسلم أن أعظم معطيات الحضارات، والثقافات لا يستطيع أن يرتفع إلى تكامل الإسلام وتوازنه وقدرته على العطاء في مختلف العصور والبيئات، ولقد جاء ذلك كله تحت عنوان واضح هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرسل لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها».

وقد تواترت هذه الحقيقة حتى اليوم دون توقف.

ولقد كشفت الأبحاث التاريخية الصحيحة أن الحملة الفرنسية التي ساقها الغرب عام ١٧٩٨م إنما كانت تقصد الأزهر وذلك بناءً على تقارير وصلت إلى الغرب من سفرائه وخبرائه وقناصله، بأن نهضة جديدة «بعد عصر ابن تيمية وابن القيم» تتنامی بين جوانب هذا الصرح العظيم حين ظهر مجددون في الفقه واللغة من أمثال: الزبيدي والبغدادي والجبرتي الكبير «في مصر» والشوكاني ومحمد بن عبد الوهاب في الأفق الإسلامي بعامة. 

ومن هنا كانت الحملة التي أرادت أن تقتحم هذا المعقل الإسلامي «حين دخلت الخيل الأزهر» ونقض هذا التجمع ومن يومها بدأت حركة اليقظة الإسلامية، التي تنامت بعد سقوط الخلافة وتمزق الدولة العثمانية، وظهر على مدارجها جمال الدين ومحمد عبده ورشيد رضا.

وكان هذا بمثابة علامة فارقة على مستقبل الإسلام الذي اتسع نطاقه ونما في أقطار لم تكن تعرفه؛ حيث ظهرت الدعوتان اللتان وسعتا إفريقيا وهما السنوسية والمهدية اللتين تنامى الإسلام على أيديهما في قلب إفريقيا. 

وكانت قدرة الإسلام القادرة على ابتعاث المصلحين والمجاهدين الذين وقفوا في وجه الاحتلال الغربي والاستعمار الأوروبي حتى شهد بذلك كبار كتاب الغرب الذين أكدوا أن الإسلام كان من وراء حركة المقاومة في وجه الاستعمار على نحو عرف فيه الغرب أن ليس في وسعه السيطرة على هذه البلاد التي تدين بالإسلام بالرغم من كل المحاولات التي قام بها في سبيل حجب الشريعة الإسلامية وتقليص اللغة العربية لغة القرآن.

وإذا كان الغرب قد فرض على المجتمعات الإسلامية قانونه الوضعي وحجب الشريعة الإسلامية وفتح أبواب الربا بمصارفه المسيطرة على الاقتصاد الإسلامي فإن المسلمين الذين شكلهم الإسلام لم يستسلموا إلى مفاهيم الغرب الوافدة التي تعمل على أن يكون الإسلام دينًا عباديًّا قاصرًا على جوانب المسجد دون أن يكون له شأن في تشكيل المجتمعات اقتصاديًّا وسياسيًّا وتربويًّا.

وكانت المرحلة الثانية من حركة التجديد الإسلامي هي إقرار مفهوم أن الإسلام دين ونظام مجتمع وأنه ليس قاصرًا على العبادة واللاهوت على النحو الذي يعرفه الغرب في المسيحية فالإسلام يختلف عن ذلك تمامًا.

ومن هنا ظهرت مقاومة المسلمين للمفاهيم الغربية الوافدة وإرساء مفاهيم الإسلام الصحيحة وكشف أخطاء الحضارة الغربية وفساد المنهج الغربي الوافد.

ثم جاءت المرحلة الحاضرة: مرحلة الصحوة لتكشف الحقيقة التي لم يعد هناك سبيل إلى تجاوزها وهي أن المنهج الإسلامي وحده هو القادر على تحقيق الأصالة وامتلاك الإرادة وإقامة منهج الله وشريعته على المجتمع الإسلامي والامتداد به لتبليغه للبشرية كلها، وقد تكشف عجز الأيديولوجيات الشرقية والغربية التي وفدت عالم الإسلام عن العطاء. 

هذه المرحلة التي يمكن أن تسمى «أسلمة المناهج، وتأصيل القيم والخروج من التبعية» وأبرز معالمها تقديم البدائل للأيديولوجيات التي عجزت عن العطاء خلال أكثر من قرن كامل منذ أن فرضت على المجتمعات الإسلامية حين عززت القانون الوضعي وحجبت الشريعة الإسلامية، فاستطاعت كل الدلائل والأبحاث والمعطيات أن تكشف الحقيقة التي لا سبيل إلى تجاوزها وهي تراجع الحضارة الغربية وعجز الثقافة الغربية أن تعطي للأمم أو أن تكون منهجًا عالميًّا على النحو الذي يدعونه، وإنما هي قد عجزت وتراجعت اساسًا في مسقط رأسها: في الغرب نفسه حين سقطت الشيوعية وتكشف فساد الدارونية والفرويدية والوجودية ومنهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الذي قاده «دوركايم» وجماعته.

لم يعد هناك شك في عجز هذه المناهج واضطرابها، وللغرب أن يفعل ما يشاء، أما نحن المسلمين فإن لنا منهجنا الأصيل الذي حجبته ظلمات السيطرة الغربية ولن تكون عودتنا إليه هي ردة أو تمسكًا بالقديم أو إعلاء للتراث فنحن نعرف أن منهجنا الإسلامي هو منهج رباني أصيل جامع مرن يختلف عن الأيديولوجيات البشرية الوضعية وليس هو التراث الذي كتبه العلماء على مدى العصور، هذا التراث الذي يتغير ويختلف ولكنا نمضي في أصالة لالتماس المنهج الأصيل للإسلام المستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو الذي رسم لنا عملية التجديد والاجتهاد والتعامل مع متغيرات العصور والبيئات والتحرك في دائرتين هما: دائرة الثبات ودائرة المتغيرات.

وهكذا نمضي على الطريق إلى المستقبل بثقة وإيمان فالغرب يعلن تراجع مناهجه، وعلماء أجلاء يتطلعون إلى الإسلام كمنقذ، فعلينا أن نقدم الإسلام للعالم كله كمنهج حياة ونظام مجتمع دون أن نفرضه على أحد، ولكنا نطبقه أولًا في مجتمعنا وتكفيه شهادة علماء الغرب في مجال القانون وفي مجال الحضارة وفي مجال الإعجاز الطبي والعلمي بما يكشف حقيقة العطاء الأصيل الذي تتطلع إليه البشرية ولا ترى له مصدرًا غير الإسلام.

والواقع اليوم أن هناك قوة إسلامية حقيقية، هي الثروة والطاقة والتقدم والنماء البشري، هذا فضلًا عن امتلاك أكبر مصادر البحرية العالمية من البواغيز والخلجان، وهي قوى من شأنها حين يمتلكها المسلمون أن تغير مسيرة التاريخ الإنساني والعالمي خلال أقل من مائة عام فعلى المسلمين تأصيل وجهة هذه الثروة.

وإن هناك صحوة إسلامية حقيقية تواجه بمؤامرات من الداخل والخارج رغبة في إجهاضها قبل أن تستوفي نضحها الحقيقي ولا بد من حمايتها وهناك واقع واضح حين غاضت الأرحام في الغرب وتعالت صيحة الفساد الخلقي والمخدرات والخمر في المجتمعات التي وصلت غاية الغني والترف، أما من ناحية الأيديولوجيات فقد:

1- سقط الفكر الماركسي في بلاده وفي كل بلد اعتنقه.

۲- وكذلك سقط الفكر القومي الوافد.

٣- وسقطت العنصرية.

٤- وسقطت العلمانية في بلاد الإسلام.

وقدم الإسلام مفاهيم جديدة تربط القوميات والوطنيات بالعقيدة الإسلامية، كما قدم المسلمون مفهومًا جامعًا بين الدين والمجتمع، كذلك فإن كل الانتصارات التي حققها الغرب والفكر الغربي الحديث إنما جاءت بعد خمسة عشر قرنًا من نزول القرآن وظهور الإسلام.

وقد استطاع الإسلام أن يحققها مجتمعة عن طريق الإيمان بالله تبارك وتعالى الواحد الأحد، أما الغرب فقد حققها مجتمعة بعد معارك دامية:

۱- نظرية حقوق الإنسان.

٢- إلغاء الرق أو تجارة العبيد.

٣- إلغاء تفوق العناصر.

٤- إعطاء المرأة حقوقها.

٥- إعلان أنه لا إكراه في الدين.

٦ - حقوق الأقليات.

فإذا أردنا أن نراجع خطوات الإسلام إلى المستقبل فإننا نجد الخريطة التالية:

أولًا: اتساع نطاق الإسلام بالرغم من حركة الاحتلال الغربي لمناطق لم يدخلها الإسلام من قبل.

ثانيًّا: القدرة على الثبات في وجه الأحداث والمقاومة للنفوذ الأجنبي على نحو لم يكن يتصوره الغرب.

ثالثًا: بعد سقوط الخلافة تجمع المسلمون من جديد تحت لواءات مختلفة وجرت دراسة لإقامة بدائل.

رابعًا: بالرغم من قيام رأس جسر صهيوني في قلب الأمة الإسلامية فقد واجهت هذه الحملة معارضة شديدة ومقاومة لم تتوقف، وأحس النفوذ الصهيوني بصمود المسلمين والعرب إزاء حقد اليهود وخطتهم في محاولة اجتياح أرض الإسلام.

خامسًا: تجددت الدعوة إلى الجهاد والاحتشاد في الثغور. 

سادسًا: تجددت الدعوة إلى فهم الإسلام على أصوله الحقيقية بوصفه منهج حياة ونظام مجتمع وقام العلماء على مدى أكثر من خمسين عامًا بتقنين الشريعة وحملت دساتير البلاد العربية والإسلامية مفهوم دين الدولة الإسلام والشريعة مصدر الحكم.

سابعًا: مقاومة الشيوعية مقاومة عامة في أفغانستان في حرب استمرت عشر سنوات أسقطت الشيوعية نفسها في بلادها وأسقطت الفكر الشيوعي حتى سقط تمامًا فأخلى الطريق أمامه للدين ليأخذ مكانه.

ثامنًا: ذهبت معالم الحضارة الغربية ومناهجها سواء منها العلمانية أو الليبرالية أو الماركسية أو الرأسمالية بما كشف عن عجز هذه المناهج عن العطاء.

تاسعًا: كانت تجربة البلاد العربية والإسلامية لمفاهيم الفكر الغربي سواء في أيديولوجية الرأسمالية أو الماركسية قد كشفت عن رفض الجسد الإسلامي للعضو الغريب وقد أثبتت التجربة عجز الرأسمالية والشيوعية جميعًا عن أن تجد لها مكانًا في بلاد الإسلام.

وبالجملة فإن هناك عدة حقائق لا بد من تقديرها في إلقاء الضوء على مستقبل الإسلام. 

أهم هذه الحقائق أن الحضارة الغربية ستكشف عن قصورها في العطاء الإنساني وستعلن البشرية حاجتها إلى الإسلام لتحقيق الأمن النفسي والعطاء القائم على العدل والرحمة والإخاء البشري.

وسوف يتبين بالأدلة والبراهين حقيقة الدور الذي قام به الإسلام في بناء الحضارة الإنسانية وبناء منهج العلم التجريبي.

ويتبين صدق العطاء القرآني من خلال الحقائق العلمية التي تتوالى والتي تكشف عن أن القرآن الكريم منذ خمسة عشر قرنًا قد أثبت خلق الأرض والإنسان والكون كله قبل أن يتاح ذلك لعلماء العصر.

كما ستنكشف حقيقة تنامي السكان في محيط الإسلام وقصوره وتخلفه في محيط الغرب. 

كما سيتبين عجز الأيديولوجيات عن العطاء وفشلها في تحقيق الأمن والأمان والسلام الاجتماعي للبشرية التي لن يتحقق لها ذلك إلا من خلال منهج الله تبارك وتعالى القادر على إخراجهم من الأزمات المحاصرة.

وأخيرًا ستسقط كل الدعوات الهدامة، والمناهج البشرية التي قامت على محاربة منهج الله تبارك وتعالى سوف تعجز جميعها عن امتلاك القدرة على السيطرة أو الحركة.

 كاتب ومفكر إسلامي ـ مصر 

إصدارات مختارة- الشيخ أحمد ياسين.. حياته وجهاده

صدر هذا الكتاب عام ۱۹۹۱م عن الجامعة الإسلامية بغزة، وقام بإعداده الدكتور عاطف محمد عدوان الذي يعمل أستاذًا للعلوم السياسية بالجامعة نفسها، ويمتد الكتاب على مساحة ٢١٥ صفحة من القطع المتوسط، ووزعه المؤلف على ثمانية فصول تتحدث عن نشأة الشيخ وحالته الصحية ودعوته وجهاده وتأسيسه لحركة حماس ومن ثم سجنه، بالإضافة إلى ثلاثة ملاحق متعلقة بموضوع الكتاب، وفيما يلي جولة استعراضية انتقائية في صفحات الكتاب:

في ليلة مباركة من عام ١٩٣٦م هبت نسائم المتوسط لتحمل بين ثناياها شذى أزاهير البرتقال والليمون، وفي جو عبق بين أشجار البرتقال في بيارة المختار «الأعظوي» إسماعيل الياسين وعلى بعد ٢ كم شمال قرية الجورة الفلسطينية أطلق الطفل أحمد صرخة الحياة الأولى، إذ ولدته أمه بمساعدة والده بدون مساعدة من أي قابلة، وأصرت والدته على تسميته أحمد لأنها رأت في منامها قبل ولادته رؤيا حسنة مفادها بأن الله سيرزقها بمولود ذكر وعليها أن تسميه أحمد. 

عاش الشيخ أحمد طفولته في ظل أسرة ميسورة الحال حيث كان يملك والده «المختار» إسماعيل أكثر من ٩٥ دونما منتشرة في منطقة عسقلان كلها مزروعة بالحمضيات وكروم العنب، وفي هذا الشأن يقول الأخ الأكبر للشيخ أحمد أبو نسيم «كانت حالتنا الاقتصادية ممتازة وكنا من أغنى أهل الجورة تقريبًا وكنا نبيع البرتقال في المجدل». 

في الثالثة من عمره فقد الشيخ والده وتحول ليعيش في ظل رعاية أخيه الأكبر «أبونسيم»، وفي هذه المرحلة أخذ الناس يكنون الشيخ بـ «أحمد سعدة»، نسبة لوالدته -سعدة عبد الله الهبيل- وتمييزًا له عن بقية الأحامد من عائلته. 

على إثر حرب الـ ١٩٤٨م هاجر الشيخ أحمد مع والدته وأخيه أبو على مشيًّا على الأقدام إلى غزة، ورغم صغر سنه آنذاك افتتح مطعمًا بسيطًا لتوفير لقمة العيش الكريمة، إلا أنه ترك ذلك ليلتحق بالدراسة من جديد فدرس المرحلتين الابتدائية والإعدادية في كل من مدرستي الكرمل والشافعي بغزة، ثم التحق بمدرسة فلسطين ليكمل دراسته الثانوية عام ١٩٥٨م.

عام ١٩٥٢م كان المفصل الحساس في حياة الشيخ إذ أصيب في هذا العام بشلل على إثر حركة جمباز تدريبية في إطار نشاط رياضي كان يقوم به الشباب المسلم آنذاك على شاطئ البحر. 

لم يتمكن الشيخ أحمد من إتمام تعليمه الجامعي بسبب حالته الصحية وضيق ذات يده، ولأجل ذلك توجه نحو لجنة وكالة الغوث التعليمية المعنية بتعيين المدرسين، فنصحه أحد محبيه بعدم الذهاب لتلك اللجنة بسبب سوء أعضاء تلك اللجنة وسوء حالته الصحية، فما كان منه إلا أن قال لصالحبه يا أخي وهل تتصور أنني ذاهب للجنة لكي أستعطفها لا والله فأنا مسلم واثق أن الله تعالى إذا أراد لي التعيين فلن يتمكن بشر من قطع رزقي، ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  (سورة الذاريات: 22)، وكانت النتيجة أن عين الشيخ مدرسًا لتعليم اللغة العربية في مدرسة الرمال الابتدائية.

وعن مكانة الشيخ بين الناس، يقول الشيخ أحمد بحر «إننا نفخر بأستاذنا الشيخ أحمد ياسين، فهو بلا شك أستاذ الجيل في فلسطين المحتلة، فهو رجل عاصرناه بتقواه وإخلاصه لله تعالى»، ويقول عنه الدكتور عبد العزيز الرنتيسي «إن لدى الشيخ قدرة على التأثير في الغير عجيبة إذ يأتي المرء أحيانًا ولديه مشكلة يعتقد أن حلها مستحيل، ولكن الشيخ يستطيع بعد مناقشة قصيرة أن يجعلها مبسطة». 

وعن حالته الصحية فهو يعاني من شلل رباعي كلي في الساقين والذراعين وعضلات الصدر والبطن، ولا يتحرك من الشيخ إلا رأسه، وقد أدى شلل عضلات الصدر إلى انتفاخ في الرئتين ثم إلى تهتك في الأغشية المبطنة للشعب الهوائية والتهاب مزمن فيها فهو لذلك دائم السعال، أما شلل عضلات البطن فسبب له إمساكًا شديدًا وبواسير ونزف دائم، بالإضافة إلى التهاب الأذنين والعينين، وتقول بعض التقارير الصحفية مؤخرًا بأنه قد فقد حاسة السمع تمامًا، وفي سجنه كان الشيخ يقبع في زنزانة مساحتها ۲۸۰×٢٦٠ والتي تضم ثلاثة أسرة، واحد له واثنان لمساعديه الاثنين مع دورة للمياه ومرحاض.

وعن صور التعذيب التي واجهها الشيخ فيقول في مذكرة الاتهام الموجهة إلى المحكمة بأن المحققين على إثر اعتقاله في ١٨/٥/١٩٨٩م وعندما أنكر التهمة المنسوبة إليه أخذوا بلطم وجهه ووجنتيه، وقرصه في بطنه ولي عروق الدم في رقبته، مما أدى إلى فقدان وعيه وشل كل حركته، وبقاء البقع الزرقاء على جلده وسائر بدنه وتورم قدميه وكل جسده، كذلك لم يسمح له بالنوم طيلة أربعة أيام مما أدى إلى سقوطه عن كرسي الإعاقة مغشيًّا عليه وفاقدًا لوعيه تمامًا.

قصة قصيرة

السرداب

بقلم: أسامة أحمد البدر

هل كان ما عشته في تلك الأيام سعادة حقيقية؟! هذا ما اعتقدته بعدما نجحت مساعي قريبي في تعييني في المؤسسة التي يعمل لديها أثناء الخدمة الإلزامية.. فسيارة «البيجو» التي وضعت تحت تصرفي، والحاجب الخاص، وبطاقة المؤسسة المذهبة التي تفتح كل الأبواب المغلقة.. كل هذا كان كفيلًا بأن يشعرني بأني مخلوق آخر.. يمشي ويتبعه أقزام وتابعون.

لكن ما حدث في تلك الليلة من صيف العام ثمانين هزَّ في أعماقي.. وطوح بكل أحاسيس النشوة.. وتركني في شبه دوار لا أدرك ركنًا ثابتًا أستند إليه أو فكرة مقنعة أتشبث بها -أمام نفسي حتى- تعيد إليَّ ذلك الشعور بالسيطرة الذي كنت أعيشه قبلها.

كانت الساعة متأخرة تلك الليلة حين استُدعيت لعلاج حالة من إحدى الحالات الكثيرة المركومة في «السرداب» الأسفل.. أمر مألوف.. قطن وشاش ومرهم.. والحالة تشفي نفسها بعد أيام أو..! أمر..! مألوف..! 

لكن «الحالة» المتكوِّمة التي صدمتني تلك الليلة كانت أمرًا مختلفًا تمامًا، لم أكن أتصور أن ألقاه على هذه الصورة.. لحم متورم ودم مسفوح، وأنفاس مترددة بالكاد.. ما أحسب منظره يبارحني ما حييت.. 

ومثلما تحدث الأشياء المفرطة في الغلو.. فقد وجدتني إزاء حالة أشعر إني مسؤول مباشرة عنها، وبأن شيئًا ما داخليًّا يجذبني نحوها ويدفعني لأن أبذل قصارى خبرتي في إنقاذها.. وذلك السر «المعجون» الذي كان -قبل ساعة ربما- أدميًّا مثلي.. 

سهرت ليالي متتابعة فوق رأسه متذرعًا بالرغبة «العليا» في أن يبقى حيًّا، ومدفوعًا بذلك الشعور الذي ينتابني لأول مرة.. ولما فتح عينيه صافحتني نظرة لست أعرف بالتحديد مغزاها!.. مزيجًا من ألم.. وصبر.. وعتاب..! هكذا حدثتني النظرة الأولى وشدتني وأنا أحقنه بكل ما أملك من مقويات، وأريده أن يقول شيئًا.. أن يحدثني عن عالمه المحاط بالغموض، عن ملامحه المجهدة وسبب إجهادها.. وعن عينيه الصافيتين العاتبتين وفيم عتابهما.. 

ولما أنست منه قدرة على الكلام بادرته مهاجمًا لأستحثه على الكلام: 

أرأيت يا.. «دكتور» القاتل يُقتل ولو بعد حين!..

التفت إليَّ فجأة ثم ابتسم وقال في هدوء: 

لم نقتل.. نحن نستعيد حقنا المغصوب.. 


زدت هجومًا وقلت: ضحاياكم الأبرياء دليل دمويتكم وكينونتكم الإرهابية.. 

قال: اضمن لي أن نحكم وفق عقيدتنا وفطرتنا.. عقيدة الأغلبية وفطرتها.. أضمن لك انسحابنا.. أما الدموية في نظر جدران هذا «السرداب» فتعرف من ابتدعها.. 

قلت متشبثًا: حجة مكرورة.. وأنتم قليل ورصيدكم متهافت.. ومن تراهم يجرون خلفكم الآن إنما شدتهم المبادرة ورغبة التشفي.. وعندما يأتيكم «الرد الثوري» لن تجد منهم أحدًا..

ابتسم مغضبًا وقال: دعك من هذا يا «أخي».. وتفكر في موازين القوى عبر مسيرتها الكونية الكبرى.. لا تنخدع بدخان اللحظة الراهنة، وتذكر قولة صدق قالها مغلوب قبلي: «دولة الباطل ساعة.. ودولة الحق إلى قيام الساعة».. 

لم أكن مكتفيًّا بما جرى.. حاولت أن يطول اللقاء ويتكرر.. لكن التوتر والاضطراب الذي عم المؤسسة كلها وتسارع الأحداث ووتيرة التحقيق معه، والعيون المبثوثة في كل مكان حالت بيني وبين ما أردت.. وأثرت بعدها أن أكون في منأى عن كل ما يُثار وما يدور، فقد كنت مشغولًا بذلك الخطاب الداخلي الذي أخذ حبيبه من الوعي الجديد يمتد في وينتشر.. والحوار تتتابع حلقاته -في نفسي- حتى تكتمل.. وكلما عييت دخلتُ عليه -مسجى أو مغمًا عليه أو بين يدي المحققين- ويبادرني السؤال ذاته: لو كان هذا باطلًا ففيم -إذًا- كل هذا الهم.. وهذا القلق.. والتوتر.. والتشنج.. والتشفي في محاربته؟!.. ولو كان هنيًّا بغير رصيد فلماذا تمتلئ المؤسسة بالرجال، وتزدحم الأدراج بالتقارير، وتصرخ الردهات بالأوامر والتعليمات تلقى أو تتلقى..

وشيئًا فشيئًا بدأت أشعر بذاتي تنتصب بعيدًا عن إيحاءات «البيجو»، والحاجب الخاص، والبطاقة المذهبة!، وفطنت فجأة إلى نفسي.. وعادت إليّ هويتي فأنا ابن هذه البلدة.. أجدادي هم الذين بنوا مساجدها.. أمي -أذكر- لم تكن تألو جهدًا حتى أحفظ شيئًا من كتاب الله.. أخواتي المحجبات ما زلن صامدات رغم الأشواك!

فكيف نسيت هذا كله وتوهمت أني أخرج من جلدي لأنخرط فيما سواه؟!.. 

واليوم.. أتذكره وأتعجب.. أي إشراقة روح أدركته من بين معاناته كي يناديني يا «أخي»؟ فتنقلب حياتي واتجاهات أفكاري وتجمعني به على البُعد تلك «الأخوة»، رغم أنني لم أره من يومها ولم أعرف ماذا فعلوا به، ولا إلى أين ألقوا به بعدها!!..

واحة الشعر

شعر: وليد جاسم القلاف

هُنالكَ

هُنالك 
بين نيران الجليد 
أنَخْتُ راحلتي 
وَرُحْتُ أَسائِلُ الآفاق 
عَنْ أحلامي العَذِّبَة 
وعَنْ فَجْرِ تَعَثَرَ ضَوْؤُهُ 
بغمائم الآلام 
والغُربة

***

هنالك 
لا تكون النَّفْسُ مُشرقة 
ولا الآمال مُورِقة 
ولا الأشياء مَرْئِية 
هُنالك 
عالم داج 
من الأوهام 
والسُّحُب الوبائية

***

هُنالك 
لا أرى غيري 
يسابقني 
إلى الإيمان والكفرِ 
ولا أدري 
أتجريني الدموع 
أم الدموع هي التي أجري؟

***

هنالك

تأكل الظُّلُمَاتُ مِنْ جَسَدِي 
لتحيا بين أضرحة الحيارى
عيشها الأبَدي 
فَاصْرُحُ رَغمَ إعيائي 
والطمُ وَجْهَ أرزائي 
لأحيا دون أدوائي 
ولكن المخاوف 
حَوْلَ وَحْيِ القلب مُلْتَمُةُ 
فَمِنْ خَوْفٌ إِلَى خَوْفٌ 
وَمِنْ ظُلْمَة 
إلى ظلمة

***

هنالك 
يَسْتَوِي الأحياء والموتى 
بِقَوْلِ يُشبِهُ الصمتا 
فلا صفة 
تُصَوِّرُ وَجْهَ أحزاني 
ولا نعتا

***

هنالك 
تَسْكُنُ الآلام 
في قلبي 
وتَرْسِمُ لَيْلَها الموبوء 
بَيْنَ العَيْنِ وَالهُدْبِ 
فلا أبصر.. 
ولا أثمر.. 
ولا أخبر.. 
سوى ربي 
فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ 
وَلَيْسَ بِغَيْرِ رَحْمَتِهِ
أرى دَرْبي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

301

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1114

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان