العنوان معركة «الأمعاء الخاوية» في سجون أبو غريب الصهيونية
الكاتب مصطفى صبري
تاريخ النشر الجمعة 27-أغسطس-2004
مشاهدات 90
نشر في العدد 1615
نشر في الصفحة 28
الجمعة 27-أغسطس-2004
الأسرى يتحدثون لـ المجتمع:
محمد عصيدة قضى ثلاثة عشر عامًا في الأسر: الإضراب ضروري لرد هجمة الإدارة العنصرية واسترجاع كافة الحقوق
جمال علقم: تلجأ الإدارة لضرب معنويات الأسرى لكن عزيمتهم أقوى من كل وسائل الإحباط
أكرم منصور أقدم أسير فلسطيني.. قضى أكثر من خمسة وعشرين عامًا ومازال خلف القضبان
أصحاب التجربة دائمًا أكثر الناس دراية بتفاصيلها وحلوها ومرها، فقبل أسبوع بدأ أسرى فلسطين «4 آلاف في السجون و3 آلاف في مراكز الاعتقال» إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، تحت شعار معركة «الأمعاء الخاوية» لاسترداد العزة والكرامة، بعد أن سلبتها السلطات الصهيونية وعادت الأوضاع باعتراف إدارة السجون داخل السجون إلى نقطة الصفر وحرم آلاف الأسرى من حقوقهم التي انتزعوها بدمهم.
المجتمع التقت العديد من الأسرى وذويهم في جولة تسلط من خلالها الضوء على إنجازات الحركة الأسيرة ومعاناتها عبر السنوات الماضية.
أبو علي شريم «50» عامًا قضى في سجون الاحتلال ثمانية عشر عامًا منها ستة عشر عامًا متواصلة، وعامين في الاعتقال الإداري، يتحدث عن هذه المحطة المهمة في حياة الأسير الفلسطيني ويصفها بالضرورية والمهمة لاسترجاع ما نهب وسرق من إنجازات.
يقول أبو علي مستذكرًا أول إضراب ناجح نظمته الحركة الأسيرة الوليدة وقتها وهو إضراب عام 1970 الذي استشهد فيه أول شهداء الحركة الأسيرة وهو الشهيد عبد القادر أبو فحم، وكان هذا الإضراب بمثابة الصاعقة على إدارة السجن العنصرية التي لم تتوقعه من الحركة الأسيرة، باعتبار أن الاحتلال كان حديثًا وصفوف الأسرى لم تكن بدرجة عالية من التنظيم والتنسيق، وكان هذا الإضراب كما يقول أبو علي: احتجاجًا على الأوضاع القاسية في سجن عسقلان واستمر لمدة أسبوع.
وفي عام 1973 كان هناك إضراب ثان في سجن عسقلان، لكنه عن الزيارات إلا أنه توقف بسبب حرب عام 1973م، فالإضراب – كما يقول أبو علي – يحتاج إلى ظرف سياسي داعم لهذه الخطوة الصعبة على حياة كل أسير.
ويستذكر أبو علي أطول إضراب في عام 1976 الذي استمر خمسة وأربعين يومًا بشكل متواصل، وبعد أسبوع من تعليق الإضراب عاد الأسرى وواصلوا الإضراب لمدة أسبوعين، بعد أن تنكرت الإدارة الصهيونية لمطالبهم، فكان لابد من الإصرار على مواصلة الإضراب، وكان هذا الإضراب كما يصفه أبو علي بالناجح، لأنه حقق إنجازات عديدة منها إدخال الفرشات والأبراش «البرش في عرف الأسرى هو السرير، وهو قطعة خشبية» لاحقًا وإدخال الكتب والمجلات والسماح بالالتحاق بالجامعات.
ويواصل أبو علي وهو الذي دخل السجن ابن العشرين عامًا شابًا يافعًا وخرج منه، وهو ابن السادسة والثلاثين في سجن نفحة الصحراوي، والذي يشهد الآن حركة تنقلات رهيبة من قبل إدارة السجن الصهيونية لإفشال الإضراب الحالي: نفذ الأسرى إضراباً في عام 1981م. استشهد فيه الأسيران الشهيدان راسم حلاوة وعلي الجعفري، وفي عام 1984م كان هناك إضراب في سجن جنيد في مدينة نابلس، وهو بداية افتتاح هذا السجن واستمر أحد عشر يومًا، وكان من نتائجه إدخال الراديو والتلفاز لاحقًا.
في عملية التبادل مع منظمة أحمد جبريل خرج أبو علي من السجن عام 1985م، إلا أن ذاكرته ما زالت حية بمواقف مميزة للعديد من الأسرى يقول: كنا عندما نخوض الإضراب نستثني المرضى وكبار السن والأشبال إلا أنهم كانوا يصرون على البقاء معنا حتى آخر رمق، وكان هذا الجو يساعد على رفع المعنويات.
ويشير إلى الاضطراب الحالي قائلًا: نجاح أي إضراب يحتاج إلى ظروف هادئة واستقرار في الخارج يتم الاهتمام به إلا أن عدم وجود أي انفراج في المدى القريب للظروف القاسية في السجون أدى إلى خوض ذلك الإضراب لإفهام إدارة السجن أن أسرى فلسطين أصحاب قضية نبيلة، ويجب أن يعاملوا باحترام.
الأسير محمد عصيدة أيضًا من قدامى الأسرى الذين أمضوا في السجن قرابة ثلاثة عشر عامًا وخرج منه في إفراجات عام 2000م،
يقول: لابد من الإضراب حتى يتم رد هجمة الإدارة العنصرية واسترجاع كافة الحقوق، ويؤكد أن عناصر الإضراب الناجح موجودة وأولها الشباب الواعي.
أما الأسير جمال علقم من بيت لحم الذي قضى في السجن اثني عشر عامًا، حيث دخل السجن عام 1992م وهو ابن العشرين عامًا وخرج منه في شهر مايو الماضي فيقول: في السنوات الأربع الأخيرة منعت من الزيارة، ولم تحصل والدتي على تصريح زيارة، وكنت أخشى أن تلقى الله دون مشاهدتها، إلا أن إرادة الله كانت أن أكمل محكوميتي الطويلة وأخرج إلى الحرية لأعانق والدتي وأشعر بحنانها.
واستعرض علقم الإضرابات التي شارك فيها داخل السجون الصهيونية قائلًا: لقد خضنا عام 1992م إضرابًا ناجحًا تم فيه تحقيق إنجازات كبيرة.
وفي أول مايو من عام 2000 م خاص أسرى سجن هداريم إضرابًا قاسيًا تبعهم بعد ذلك أسرى عسقلان ثم سجن نفحة واستمر قرابة الشهر، وأجبر السلطات على السماح بالزيارة للأسرى الممنوعين وإنهاء عزل عشرات الأسرى ودمجهم مع إخوانهم.
بيانات.. إحباط
ويشرح علقم بعضًا من أساليب الإدارة العنصرية مع المضربين قائلًا: تلجأ الإدارة إلى أسلوب الإحباط لمعنويات الأسرى من خلال توزیع بیانات على الغرف باللغة العربية تبين أخطار الإضراب على حياة الأسير نتيجة الجوع. حيث تتعرض العديد من أجهزة الجسم إلى التلف وتركز البيانات على أن مستقبل الأسير الصحي سيتدهور وتطالبه بوقف الإضراب، لكن هذه البيانات لا تؤثر على الأسرى لأن قناعاتهم أقوى من كل وسائل الإحباط.
وتتعامل إدارة السجون الصهيونية بحذر شديد مع الإضراب عن الطعام بكل مراحله.
فقبل الإضراب بأيام تستنفر إدارة السجون كافة قواها وسجانيها من أجل الاستعداد لأي طارئ فرهبة الإضراب والخوف منه تتسلل إلى المستويات العليا وتصل إلى أعلى المراتب في المؤسسة الأمنية وكان آخرها تصريحات الوزير الصهيوني هنغبي المسؤول عن الملف الأمني عندما طالب باجتماع للهيئة العليا الأمنية في الكيان الصهيوني لتدارس كيفية مواجهة الإضراب الحالي، ثم أعلن بعجرفة وعنصرية أنه لا يهمه لو مات جميع الأسرى في هذا الإضراب.
وتحاول إدارة السجن في البداية استخدام أسلوب الترهيب للأسرى من خلال عقد اجتماعات مع ممثلي الأسرى يطلق عليها لجنة الحوار وتضم كل الفصائل التي يتكون منها الجسم الاعتقالي.
الأسير عبد الرحمن جربوع من سجن النقب الإداري والذي عمل ممثلًا عدة مرات للأسرى في لجان الحوار يقول من داخل سجنه لـ المجتمع: في البداية تحاول الإدارة إظهار عدم الاكتراث بهذه الخطوة، وأن على الأسرى ترك هذه الوسيلة باعتبارها غير مجدية، وأن الإدارة لن تستجيب مسبقًا لمطالبهم بينما إذا تركوا الإضراب فإن الإدارة ستفكر في تحقيق بعض المطالب.
ويضيف: في تلك اللحظة نظهر لهم تصميمنا على خوض الإضراب حتى لو أدى الأمر إلى موتنا جميعًا دون استثناء، لأن الأسرى ملوا من وعود الإدارة في تحقيق المطالب التي مضى على عدم تحقيقها فترة طويلة من الزمن.
ويؤكد: تنفض الجلسة الأولى التي تكون بمثابة جس نبض وتجاذب قوة بين إدارة متغطرسة وبين تكتل اعتقالي يريد تحقيق إنجازات، وبعد فترة قصيرة تطلب الإدارة عقد اجتماع يتلوه ،اجتماع، وتستمر الاجتماعات حتى لحظة الصفر، وهي إعلان موعد الشروع في الإضراب وخوض الأسرى هذه التجربة.
يستطرد أبو سياف الذي يمثل الآن الأسرى الإداريين في سجن النقب قوله: في أول يوم من الإضراب تنقطع جلسات الحوار، وتتبدل طريقة العلاقة بحيث تمتاز بالحدية والمصادمات الكلامية وإجراءات أمنية مشددة من قبل حراس السجن وضباط الاتصال مع الأسرى، وتلغى جميع زيارات الأقسام وتشاهد اسطوانات غاز الأعصاب وقنابل الغاز موجود بالقرب من الغرف في السجون المركزية وعلى أبواب الأقسام في المعتقلات، وتزداد دوريات الحراسة وتحاول الإدارة إظهار قوتها وجبروتها لتخويف الأسرى وثنيهم عن الاستمرار في الإضراب، وفي هذا الجو المشحون يكون الجسم الاعتقالي قد أعد برنامجًا مطولًا لإنجاح الإضراب، وبعد مرور يومين أو ثلاثة تغير إدارة السجن من أسلوبها المتعجرف، وتطلب من لجنة حوار الأسرى الحضور للتباحث، ويبدأ الحوار ..... ولا ندري أن كان ذلك سيتم في الإضراب الأخير أم أن هناك أسلوبًا آخر سيتبع؟
عائلات الأسرى.. والدعاء
لا تملك عائلات الأسرى سوى الدعاء للأبناء والآباء والأزواج الذين غيبوا وراء القضبان ولم تكتحل بهم عيونهم منذ زمن، عائلة الأسير أكرم منصور وهو أقدم أسير قضى أكثر من خمسة وعشرين عاماً وهو الآن في سجن بتر السبع تقول: انتظرنا طويلًا الإفراج عنه لكن الأمل لم يتحقق وتوفيت والدته ووالده دون أن يتمكن من رؤيتهما بسبب منع الزيارات له.
وخلال زيارة نادي الأسير في كل مدينة فلسطينية ترى العديد من الأمهات وهن يحملن صور أولادهن يبكين على فراق الأحبة، وتكون الأبصار شاخصة إلى السماء، والأكف تدعو لهم بالإفراج ولم الشمل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل