العنوان معركة السودان هل بدأت أم انتهت؟
الكاتب مصطفى الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1990
مشاهدات 93
نشر في العدد 968
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 29-مايو-1990
إذا كان
هنالك ميزة أساسية يمتاز بها النظام السياسي السوداني فهي بعده النسبي عن العنف
والدموية، وقد كانت أول عملية إعدام سياسية في السودان المستقل هي تلك التي تمت في
العالم 1959؛ حيث أعدمت حكومة الفريق إبراهيم عبود خمسة ضباط شباب اشتركوا في
محاولة انقلابية، كان الرأس المدبر لها المحامي الرشيد الطاهر بكر، زعيم الإخوان
المسلمين آنذاك، وقد صدم الرأي العام السوداني حينذاك بعنف لهذا الإجراء القاسي.
القاذفات تدك معقل الأنصار سنة 1970
ولكن
تغييرًا نوعيًّا طرأ على الخارطة السياسية السودانية بعد انقلاب 25 أيار (مايو)
1969 بقيادة جعفر النميري، فقد كانت العناصر اليسارية، وراء الانقلاب تسعى إلى
إجراء تغيير جذري في بنية المجتمع السوداني، مما دفعها إلى شن هجمة عنيفة على
معاقل القوى التقليدية، وفي آذار (مارس) 1970 دكت قاذفات القنابل معقل الأنصار في جزيرة
أبا، وقتلت الآلاف من أنصار زعيم الحركة المهدية الهادي المهدي الذي لقي حتفه
أيضًا في تلك الأحداث، وفي العام التالي حدث انشقاق بين التحالف الحاكم؛ حيث انقلب
الحزب الشيوعي ضد حلفائه من القوميين العرب المتعاطفين وقتذاك مع مصر وليبيا،
وشهدت البلاد أحداث عنف دموية لم يسبق لها مثيل خلال أسبوعين من تموز (يوليو) 1971،
فخلال ثلاثة أيام استولى فيها الشيوعيون على الحكم أعدم 39 ضابطًا أثناء اعتقالهم،
ورد النميري بعد عودته إلى الحكم بإعدام قادة الحزب الشيوعي والضباط الذين قادوا
الانقلاب.
وفي العام
1975 تمت حملة إعدامات أخرى بعد انقلاب فاشل في «سبتمبر» كما قتل وأعدم المئات في
تموز (يوليو) 1976 بعد محاولة انقلابية فاشلة.
ولكن
التوازن القديم عاد بعد المصالحة الوطنية في تموز (يوليو) 1977، قبل أن يختل مرة
أخرى في حزيران (يونيو) 1983 بعد اندلاع الحرب الأهلية في الجنوب إثر تمرد كتيبة
رفضت نقلها إلى الشمال.
وقد ظلت
الحرب الأهلية بعيدة بعض الشيء عن مركز السياسة السودانية حتى جاءت انتفاضة نيسان (إبريل)
1985 التي أطاحت بالنميري، ففي أعقاب تلك الانتفاضة نشطت العناصر اليسارية التي
أصبحت تعتبر الجيش الشعبي بزعامة جون قرنق حليفًا طبيعيًّا ضد الجبهة الإسلامية
القومية والأحزاب التقليدية التي تستند إلى الإسلام. فالأحزاب اليسارية والعلمانية
ضعيفة انتخابيًّا، لهذا جعلت استراتيجيتها الارتكاز على التمرد ومطالبة لإثبات أن
التوجهات الإسلامية للأحزاب الكبرى ثمنها الحرب الأهلية حتى وإن أيدتها الأغلبية.
وفي أيلول
(سبتمبر) 1985 تم إحباط محاولة انقلابية قادتها عناصر جنوبية، وثبت في التحقيق أن
العقل المدبر لها كان محاضرًا في العلوم السياسية يدعى لام أكول بالتعاون مع فيليب
عباس غبوش أحد زعماء قبائل النوبة، ولكن اعتقال المحاضر لام أكول إثر عاصفة من
الاحتجاجات بين القوى اليسارية دفع الحكومة لإطلاق سراحه، ولكن الرجل ذهب بعد أيام
وانضم إلى حركة التمرد، وأصبح الرجل الثاني فيها.
مذكرة الجيش في فبراير 1989
ومنذ ذلك
الوقت بدأ ينمو في أوساط الجيش شعور بالمرارة والإحباط لكون مناصرة التمرد أصبحت
مقبولة في الأوساط السياسية، في الوقت الذي يضحي فيه الجنود بحياتهم كل يوم
لمقاومة حركة التمرد، فكل الأحزاب السياسية من دون استثناء كانت تلعب لعبتين، فهي
مع التمرد إذا كان خصومها السياسيون ضده، وضده إذا كان العكس، وكانت ثمرة هذه
العملية مذكرة للجيش الشهيرة في شباط (فبراير) 1989 التي مهدت للانقلاب في حزيران (يونيو)
الماضي.
وتنطلق
المحاولة الانقلابية الأخيرة والإجراءات العنيفة القاسية التي ووجهت بها، من هذه
الخلفية، وتكشف نفاذ صبر الجيش من اللعبة السياسية التقليدية، ويبدو أن التيار
الداعي إلى وضع حد للحصانة التي ظل يتمتع بها أنصار التمرد قد أصبح هو المتغلب..
وقد يكون من العوامل الحاسمة في هذا الصدد الأسئلة التي ثارت حول قيام الانقلابيين
باحتلال المطار الذي تزامن مع استنفار شامل بين قوات الجيش الشعبي المتمرد.
وقد أثار
هذا شبهة ضلوع قوى إقليمية في محاولة لنقل قوات من الجيش الشعبي عبر مطار الخرطوم
لدعم الانقلابيين، مما كان سيعني تصعيدًا لم يسبق له مثيل في الصراع السياسي.
وقد كشفت
المحاولة أيضًا قوة الدعم الذي تتمتع به الحكومة داخل الجيش، فأكثر قادة الانقلاب
من الضباط المتقاعدين، ولم يستطع هؤلاء الحصول على أكثر من دبابة واحدة بعد أن
أعلنوا نيتهم للقيام بمهمة عادية، وقد أدت محاولة ضابط آخر للاستيلاء على دبابة
أخرى إلى اعتقاله من قبل طاقم الدبابة، وقد ورد أيضًا أن احتلال المطار تم
بالاستعانة بأفراد من شرطة مكافحة الشغب، وكان كل أفراد القوة التي احتلت المطار
يستقلون عربة مدرعة واحدة.
ومن
الواضح أن العلمية الانقلابية لم تكن تشكل تهديدًا خطيرًا للحكومة الحالية التي
تتمتع بسند قوي في الجيش، ولكن الإجراءات القاسية يبدو أنه كان المقصود بها توجيه
رسالة حاسمة لقوى المعارضة، فالحكومة تسعى لإعطاء انطباع بالاستقرار كجزء من
محاولتها لجذب الاستثمار العربي وإنعاش الاقتصاد.. وقد بلغ من حرص الفريق البشير
على الاستقرار أنه ظل يتحاشى إجراء أي تعديل في وزارته رغم الانتقادات الكثيرة على
أداء بعض الوزراء، وحتى حينما جاء التعديل أخيرًا كان محدودًا.
ومثلت
المحاولة الانقلابية وذيولها تحولًا مهمًّا في سياسة الحكومة تجاه المعارضة، فقبيل
الكشف عن المحاولة السابقة كانت الحكومة تتجه إلى إطلاق سراح كل المعتقلين
السياسيين، وإشراك بعض المعارضين السابقين في الحكم، ولكنها الآن أرادت على ما
يبدو إثبات أنها أيضًا لها أنياب.. وربما تكون استفادت في هذا من تجربة الاضطرابات
النقابية في العام الماضي، حينما أدى موقفها المتشدد تجاه المعارضة النقابية إلى
دعوة الاستقرار على جبهة النقابات، وإذا أمكن القياس على تلك التجربة؛ فيمكن أن
نقول: إن السودان لن يشهد محاولة انقلابية في القريب العاجل.
ولا شك أن
أحد العوامل الحاسمة التي شجعت المحاولة الأخيرة كانت الاعتقاد بسهولة إسقاط
الحكومة الحالية وضعف الدعم لها داخل الجيش، وهو اعتقاد ثبت عدم صحته، ولم تكشف
الحكومة عن الهوية الحزبية للعناصر الانقلابية، ولكن يبدو أنهم ينتمون إلى أحزاب
عدة، وقد يكون بينهم عدد غير قليل من المغامرين الذين أغراهم الاعتقاد بسهولة
الاستيلاء على السلطة.
ولا صحة
على ما يبدو لبعض المزاعم بأن هناك عناصر موالية للرئيس السابق نميري وسط
الانقلابيين.. أولًا لأن النميري لم يعد له أنصار في الجيش أو الشارع، وثانيًا لأن
نميري غير مقبول من التمرد المتحالف مع الانقلابيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل