; دعوى علمانية الكويت وعدم دستورية العقوبات الشرعية.. معركة الشريعة تتجدد | مجلة المجتمع

العنوان دعوى علمانية الكويت وعدم دستورية العقوبات الشرعية.. معركة الشريعة تتجدد

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001

مشاهدات 69

نشر في العدد 1461

نشر في الصفحة 34

السبت 28-يوليو-2001

• كل دولة ينص دستورها على أن دينها الرسمي الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع .. دولة إسلامية

• الواقع الاجتماعي أثبت فشل العقوبات الوضعية في منع السرقة فالسرقات في ازدياد والإحصاءات الرسمية تثبت ذلك

• وجوب الحدود أمر محسوم لدى كل مسلم فقد نفى الله الإيمان عمن لم يحتكم إلى الشريعة

تظل قضية تطبيق الشريعة الإسلامية أملًا يرنو إلى تحقيقه المسلمون في مختلف بلاد العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه يثير الحديث عنها حفيظة المعارضين لتطبيقها، مما أدى إلى بروز مواجهات فكرية شهدتها بلدان عديدة في هذا الصدد.

وبعد أن خفتت هذه المواجهات في بلاد كمصر وباكستان وغيرهما.. لكنها عادت لتنطلق مرة أخرى من الكويت بعد قيام النائبين وليد الطبطبائي ومخلد العازمي بتقديم مشروع قانون عن الحدود للجنة التشريعية بمجلس الأمة الكويتي؛ إذ انطلقت أقلام تعترض على ذلك بدعاوى عدة.

والدراسة التي ننشرها هنا دراسة علمية متخصصة تتناول مزايا الشريعة الإسلامية، وحتمية تطبيقها وتقارن بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ونرد على مزاعم وتخوفات بل وتهويلات أولئك الذين يعارضون.

إن عدم تحفظ رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الأمة على قانون العقوبات الشرعية اعتبره أحد الكتاب خوفًا من تعرض القانون للاستهزاء والسخرية، ويمثل هذا السكوت اعترافًا واضحًا بطفولية وسذاجة من تبني هذا القانون (القبس 11/7/2001م) وقد سلم الكاتب أن أغلبية مجلس الأمة مع هذا القانون.

وفي تأصيل هذا الاعتراض على العقوبات الشرعية كتب آخر في الوطن يوم 15/7/2001م: أن الكويت دولة علمانية لأن المرجعية فيها لدستور وضعي، وإن أقر الإسلام دينًا للدولة والشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع.

فإنه مع هذا تظل قانونًا - الدولة علمانية؛ لأن مجلس الأمة، وإن كان سيد قراره، إلا أن ذلك بشرط أن تكون هذه القرارات دستورية، فلا تخالف الدستور الذي ظن الكاتب أنه علماني وأنه تبطل قرارات مجلس الأمة إذا خالفت العلمانية.

وكانت هذه الكتابات صادرة عن أخوين مسلمين، فإن الواجب يقتضي أن نضع أمام الجميع الحقائق التالية:

أولًا: دعوى علمانية الكويت

العلمانية كما وردت في القوانين هي كل ما لا علاقة له بالدين لهذا فالدولة لا تسمى علمانية إلا إذا نص دستورها على ذلك صراحة كما فعلت تركيا.

وطالما أن: الدستور الكويتي قد نص على أن دين الدولة الإسلام.

فلا يملك أحد أن يقول: إن الكويت دولة علمانية، ومن الشرف للكويت والكويتيين أن أزال سمو أمير دولة الكويت هذا اللبس في كلمته في افتتاح مجلس الأمة عام 1416هـ - 1996م، حيث قال: «إن العقائد والعبادات والأعراف والتقاليد والعادات مواريث حضارية وثقافية تمثل لدى كل شعب قوة دافعة وقوة صامدة وعلامة على الذات إذا فقدت لم يبق إلا الهامشية والتبعية، فلتكن قضية بناء الإنسان الكويتي القادر على الالتحام بعصرنا هذا على أسس من دينه وعروبته وتقاليده، هي القضية المركزية التي تدور حولها -انطلاقًا منها وعودًا إليها- جميع القضايا الأساسية الأخرى».

كما لا يملك أحد أن يدعي أن الكويت دولة علمانية وقد نصت المادة الثانية من الدستور الكويتي على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع.

فكلمة «رئيس» تعني المهيمن؛ فالشريعة الإسلامية ونص الدستور الكويتي هي التي تهيمن على جميع القوانين.

فالمصادر الأخرى التي قد يلجأ إليها مجلس الأمة لاقتباس بعض القوانين يجب أن تكون غير رئيسة أو غير مهيمنة على الشريعة الإسلامية، أي لا تتعارض معها.

وفي هذا قضت محكمة النقض المصرية أن كلمة «رئيس» الواردة في الدستور المصري لا تعني عدم صدور قوانين أو قرارات تتعارض مع الشريعة الإسلامية فإن صدرت مثل هذه القوانين والقرارات فهي باطلة، وعلى القضاء الحكم بهذا البطلان من تلقاء نفسه ودون طلب من أحد الخصوم.

كما أن صياغة الدستور والقانون بمعرفة المختصين من الناس ودون أن تتوافق جميع مواده مع الشريعة، لا يضفي عليه صفة العلمانية لسببين الأول أنه لا يعد الدستور علمانيًّا إلا إذا نص على ذلك صراحة أو تعارض مع الأحكام القطعية الدلالة في الإسلام.

والثاني أنه ليس مطلوبًا في الإسلام أن تتوافق جميع مواد الدستور أو القانون مع -نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، فالمطلوب هو عدم تعارض الدستور والقانون مع الشريعة ذلك أن كل ما كان أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد فهو من مقاصد الشريعة الإسلامية حسبما أوضحه الإمام ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية ص 13.

وفي دولة الكويت، أصدر صاحب السمو الأمير المرسوم رقم 139/1991م بإنشاء اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وكلفها بمراجعة القوانين التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية ورفع مذكرة إليه بشأنها لاتخاذ الإجراءات القانونية لتعديلها.

وتأكيدًا من سموه على هذه الغاية النبيلة قال في كلمته في العشر الأواخر من رمضان 14/4/1994م:

«.... وبهذه المناسبة، فإننا -بعون الله- ماضون في طريقنا نحو ما نراه الأمثل في سبيل رفعة الكويت، ومن أهم سبلنا إلى ذلك: حياطة حياتنا بشريعة خالقنا سبحانه وتعالى، وإن اللجنة التي عهد إليها أن تهيئ الأجواء لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية تعمل بكل جهد وإخلاص وأناة، للقيام بمسؤولياتها على أكمل وجه: فهي تجمع وتراجع التجارب المماثلة السابقة، وتتحرى أفضل السبل لتأصيل قواعد السلوك، وأنجح الأساليب التي تؤدي إلى تعميق أساسيات العقائد والآداب والأحكام التي نص عليها القرآن الكريم، وبينتها السنة النبوية واجتهد العلماء - على مر العصور وفي بيئات العالم الإسلامي المتباينة - ليبينوا تفصيلاتها».

ثانيًا: دعوى عدم دستورية العقوبات الشرعية

إعمالًا لنصوص الدستور الكويتي سالفة الذكر وأهمها النص على أن دين الدولة الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع.

فإنه -كما ورد في المذكرة الإيضاحية لهذا الدستور- يجب أن تصدر القوانين طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، ما وسع ذلك المشروع الكويتي.

لهذا أصدر سمو أمير دولة الكويت المرسوم بقانون رقم 139/1991م للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية؛ ولذلك فإن العقوبات الشرعية هي التي تتفق مع الدستور الكويتي وإهدار مجلس الأمة -إن وجد- يكون فيه مخالفة دستورية.

أما ما يردده البعض من أن الدستور الكويتي قد نص في المادة 32 على عدم تعريض الإنسان للتعذيب أو الحط من كرامته.

فالمخاطب بذلك السلطة التنفيذية وليس مجلس الأمة كسلطة تشريعية، فلا يجوز تعريض المتهم للتعذيب والحط من كرامته لأن القاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فإذا حكم القضاء على شخص بالقتل أو السجن مع الأشغال الشاقة، وأصبح هذا الحكم نهائيًّا -أي أيدته جميع درجات القضاء- فلا يقبل من أحد أن يدعي أن هذا الحكم يخالف الدستور الذي نص على عدم تعرض الإنسان للتعذيب أو الحط من كرامته.

وكذلك إذا أصدر مجلس الأمة قانونًا بالعقوبات الشرعية -ومنها العقوبات البدنية- فلا يقال: إن هذا القانون يخالف الدستور.

ثالثًا: التخلف في العقوبات البدنية

لقد أورد القرآن الكريم عقوبات بدنية منها القصاص في القتل وما دونه والجلد للزاني وقطع يد السارق... وقد نفى الله الإيمان عمن لم يحتكم إلى شريعة الله فقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44).

ولهذا فهذه المسألة محسومة عند كل مسلم أما غير المسلم فنضع أمامه الحقائق التالية:

تطبيق الحدود على غير المسلمين

لقد أرسل الله الرسل إلى الناس بالتشريع الذي يصلح الفرد والمجتمع، ذلك أن الله هو خالق هذا الإنسان.

فقد أوكل الله الإنسان إلى نفسه وتجاوبه في الأمور التي تخضع للتجارب، وفي هذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ﴾ (العنكبوت: 20)، وقال النبي ﷺ: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، وأما الأمور التي لا تخضع لسلطان العقل والحواس ولا يدركها الإنسان بالتجارب     -وهي أمور الحلال والحرام، وما يصلح غرائز الإنسان- فقد أرسل الله الرسل بالتشريع لهذه الأمور قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ﴾ (الجديد: 25). وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ (المائدة: 44)، وقال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: 47-48).

فشريعة الإسلام فيما يتعلق بالعقوبات على الجرائم وبالمعاملات أنزلها الله للناس كافة وليست للمسلمين وحدهم، وهذه العقوبات كانت في التوراة وعنها قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (المائدة: 43).

فغير المسلم لا يلزم باعتناق الإسلام كدين وعقيدة، ولكنه ملزم بتشريع الإسلام كقانون للحياة المدنية، والسبب في ذلك أنه لا يوجد لدى اليهود والنصارى تشريعات أخرى للعقوبات والمعاملات فالتوراة والإنجيل ليس فيها تشريعات مفصلة للأمور الدنيوية، والسبب الآخر أن التشريعات الإسلامية لا تعارض حكمًا دينيًّا لدى اليهود والنصارى، كما أنها تتضمن أصول الشرائع التي جاءت بها جميع الأديان.

وهذا ما صرح به علماء من أهل الكتاب ولكن آخرين -ومنهم أصحاب السلطان الديني وأصحاب المصلحة في التحزب- أبعدوا أتباعهم عن الإسلام بكل الوسائل والسبل حتى لا يقارنوا بين شرائعه وما لديهم.

فقد أنكر هؤلاء هذه المسلمات ورفضوا التسليم بها، فانحسر نطاق تطبيق الشريعة الإسلامية على البلاد التي توجد بها أغلبية مسلمة، فأصبحت شريعة إقليمية بينما هي شريعة عالمية ويخضع غير المسلم لها في البلاد الإسلامية طبقًا لقاعدة إقليمية القوانين المطلقة في جميع دول العالم.

والجرائم الحدية تسري على جميع الدول الإسلامية فهي تتسم بالإقليمية الإسلامية التي لا تميز بين دولة إسلامية وأخرى، لا فرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم، وقد ثار الخلاف بشأن تحريم الخمر على غير المسلم في الدولة الإسلامية، فذهب الشافعي إلى أن التحريم يسري على غير المسلم بناء على قاعدة: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، ولأن حدود الله       -ومنها حد الشرب- هي من النظام العام في المجتمع الإسلامي، أما أبو حنيفة فقد فرّق بين المسلم وغير المسلم، فأباح لغير المسلم أن يشرب الخمر؛ لأن هذا الشرب ليس جريمة عند الذميين، ويرى الجمهور الأخذ برأي الشافعي وهذا هو ما أخذ به المشرع المصري والكويتي، فغير المسلم عضو في المجتمع الإسلامي، فيجب أن يخضع لنظامه العام، وفضلًا عن ذلك، فإن الغالب أن المسيحية تحرم السكر، كما أن الامتناع عن شرب الخمر يتفق مع ما هو مطلوب من الرقي بالمجتمع بكل مواطنيه، ورعايتهم باعتبارهم أعضاء في مجتمع واحد.

ولكن سريان التشريع الإسلامي على الأقليات غير الإسلامية ليس مطلقًا، بل وضعت له الشريعة الإسلامية تنظيمًا وقيودًا.

1- ففيما يتعلق بالحدود والقصاص، فهذه العقوبات تعتبر من النظام العام لا تفرق بين المسلم وغير المسلم، ولا إقليم دون آخر من الأقاليم الإسلامية.

2- وبالنسبة للعقوبات التعزيرية -وهي ما عدا الحدود والقصاص- فهذه تركها الإسلام لظروف الزمان والمكان فيختار أهل الحل والعقد العقوبة المناسبة، وبالتالي يجوز أن يختص كل إقليم بعقوبات مناسبة.

3- وبالنسبة للمعاملات من بيوع وإيجار وإعارة وغيرها، فهذه تسري على غير المسلمين ما لم يكن في دينهم حكمًا يخالف التشريع الإسلامي. ففي هذه الحالة لا يكرههم الإسلام على تحريم ما أحله له دينهم ولو كان محرمًا في الإسلام، وذلك إذا تراضى هؤلاء على هذا الحكم ولم يحتكموا للتشريع الإسلامي، أما إذا احتكم أحدهما إلى قانون الدولة الإسلامية التي يسكن فيها، فقانونها هو الذي يطبق.

فلحم الخنزير محرم في شريعة الإسلام وتبيحه الديانة اليهودية والنصرانية، لهذا لا يجبر هؤلاء على تحريم الخنزير ويعتبر مالًا ذا قيمة يخضع للبيع والشراء والإجارة فيما بينهم، وإن كان مالًا مهدراً في شريعة الإسلام ولدى المسلمين ويبطل البيع فيه وسائر المعاملات.

4- ما يتعلق بالأمور الشخصية من زواج وطلاق ووصية وميراث لا يلزمون فيه بالإسلام، أما ما كان محرمًا في جميع الديانات وأحله بعض أهل الكتاب من اليهود أو النصارى مثل الزنى والخمر، فلا يقبل انحرافهم عن دينهم ويلزمون في ذلك بتشريع الإسلام باعتبار أن هذا من النظام العام وإباحته تفسد المجتمعات كلها.

لهذا فإن من يعترض من النصارى على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الحدود والمعاملات، لا يفعل ذلك لتعارضها مع دياناتهم بل الدوافع سياسية ومصالح خاصة لأنه لا يوجد في الديانة المسيحية أحكام في الحدود والمعاملات، بل لا يوجد بها نظام للمواريث وهي من الأحوال الشخصية التي يتبع فيها كل شخص ديانته، ولهذا أجمع المسؤولون عن الكنيسة المصرية باختيار أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية لتطبق في المجالس الملية للنصارى.

إنه طبقًا للقواعد التي يعملها المثقفون -ومنهم من يدرسون القانون- أن مبدأ إقليمية القوانين المعمول بها في جميع الدول، يوجب خضوع جميع رعايا الدولة والمقيمين بها -ولو موقتًا- لقوانين هذه الدولة سواء في الحدود أو قانون العقوبات أو في المعاملات أو القوانين التجارية والمدنية، ولا يستثنى أحد من الخضوع لقوانين الدولة التي تقيم فيها إلا طبقًا لقواعد الإسناد التي يتضمنها القانون الدولي الخاص والذي يستثنى قوانين الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق، والوصايا والميراث، فيسري في شأنها الأحكام الخاصة بديانة الزوجين إن اتحدا في الديانة، وبديانة الزوج إن اختلفا في الدين.

وخلاصة ذلك أن سريان أحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين في الحدود والمعاملات أمر تقره جميع قوانين العالم المتحضر حتى لو كان لدى الأقليات غير المسلمة تشريعات وقوانين خاصة بهم فلا يجوز أن ينبذوا قانون الدولة ويختاروا قانونًا آخر إلا في مسائل الأحوال الشخصية فقط.

ولكن الإمام أبا حنيفة خرج على رأي الجمهور فيما يتعلق بالخمر، واعتبر أن تحريمها من أصل التدين، وقد أمرنا الله ألا نكره غير المسلم على مخالفة ديانته وبالتالي لا يخاطب في ذلك بحكم الإسلام(1)، وعلى النقيض من ذلك فإن قوانين أوروبا تطبق على المسلمين في الأحوال الشخصية طالما لجأوا إلى المحاكم الغربية.

نصارى مصر وتطبيق الشريعة

إن العلماء من أهل الكتاب يصرحون بأن الإسلام دين شامل لأمور الدنيا كلها وأنه أصلح الشرائع والقوانين.

فقي العدد الثاني من مجلة الدعوة الصادرة في القاهرة في شعبان 1396هـ - أغسطس 1976م، نقلت ما نشرته صحف القاهرة للكاتب النصراني الأستاذ سامي داود، فقال ردًّا على وزير العدل المستشار أحمد سميح طلعت إن تصريح وزير العدل بأن إقامة الحدود ستكون قاصرة على المسلمين، أما المسيحيون فسيطبق عليهم القانون الوضعي، يفصم الوحدة القانونية التي تحفظ وحدة المسلمين والمسيحيين على مر العصور، وبأي ضمير يحكم القاضي على المسلم إذا سرق بقطع يده، بينما يحكم على المسيحي إذا سرق بالحبس بضعة أشهر، ثم قال: إن ما يتضمنه القانون المدني من مواد تستند إلى الشريعة الإسلامية ومنها ما يتعلق بالمواريث وهو أهم وأخطر على علاقات الأسر، يطبق على الجميع، فهل شكا أحد من ذلك؟

وفي العدد التاسع من المجلة نفسها الصادرة في غرة ربيع الأول سنة 1397هـ - فبراير 1977م، نشرت تحقيقًا تضمن رأي علماء المسيحيين في مصر عن تطبيق الشريعة الإسلامية، فنقلت قول الكاردينال اصطفانوس بطريرك الأقباط الكاثوليك «أن تطبيق حدود الشريعة الإسلامية ضروري على الشخص وعلى المجتمع حتى تستقيم الأمور، وينصلح حال الناس، وليس في تطبيقها أبدًا، ما يمس حقوق المسيحيين أو يضايقهم، والذي يحترم الشريعة الإسلامية يحترم جميع الأديان»، ونقلت المجلة عن الأنبا جريجريوس ممثل الأقباط الأرثوذكس قوله: «إن تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر أمر لا شك فيه، ولا اعتراض عليه -وقال: على الرغم من أن الديانة المسيحية ليس في نصوصها قطع يد السارق إلا أن المسيحيين لا يعارضون تطبيق حدود الشريعة الإسلامية» (2).

ونقلت مثل ذلك لبرسوم شحاتة وكيل الطائفة الإنجيلية بمصر.

العقوبات بين الشريعة والقانون

قد تضمن الكتاب الذهبي للمحاكم المختلطة التي فرضها الاحتلال الإنجليزي والفرنسي على مصر، أنه قد اختير المحامي مانوري لدراسة مشروعات القانون المصري وإصلاحه، وكان سكرتير اللجنة الدولية المكلفة بدراسة مشروعات الحكومة المصرية لإنشاء المحاكم المختلطة، فأتم المهمة في وقت أقل مما يستغرقه وضع كتاب صغير جدًّا (3)، كما أن اللجنة التي شكلها مجلس النظار (الوزراء) في 27/7/1880م لإعداد قوانين تحكم بها المحاكم الأهلية -أي الوطنية- كانت لجنة من خمسة أشخاص كلهم غير مسلمين وأكثرهم من الأجانب، ثم شكلت لجنة أخرى في 7/11/1881م، ضمت في عضويتها أربعة من أعضاء اللجنة الأولى، ولم تقم بمهمتها بسبب احتلال بريطانيا لمصر في 9/9/1881م، وهذا الاحتلال هو السبب الذي استند إليه ناظر الحقانية وزير العدل في مذكرته المؤرخة 27/12/1882، في عدم وضع قانون يطابق الشريعة الإسلامية، فكان أن التزمت المحاكم الوطنية المسماة بالمحاكم بالأهلية بالقوانين المعمول بها أمام المحاكم المختلطة ما عدا قانون العقوبات وتحقيق الجنايات، فقد قيل إنه سيتم تعديلها بما يلائم حالة البلاد، أي بما يلائم خضوعها لسيادة الاحتلال البريطاني فكان قانون العقوبات المصري المستمد من القانون الغربي ثم كان قانون العقوبات التجريبي مستمدًا من المصري، ثم كان القانون الكويتي مستمدًا من التجريبي، أي كلهم من أوروبا فالقانون الأوروبي فرض على المصريين في ظل الاحتلال البريطاني وتحت حرابه (4)، ثم انتقل إلى الدول العربية.

لقد احتلت إنجلترا مصر سنة 1882م وأكرهت شعبها على قانون العقوبات الفرنسي بدعوى أن أوروبا قد اختارته لعدالته والضمانات الواردة به.

وهذه عدالة نسبية وضمانات بالمقياس الأوروبي، حيث كان المتهم يصلب حتى يموت في ألمانيا، أما في فرنسا فكان المتهم يربط من رجليه ويديه في أربعة خيول ويجري كل منهما في اتجاه معاكس، فيتمزق جسد المتهم ويقطع إربًا.

ولقد عرف القضاء الفرنسي نظامًا يسمى دولاب الموت يحث يوضع المتهم في دولاب ويدور به حيث يقطع رجليه ويديه إلى أن يموت.

لهذا طالب مونتسكيو في كتابه «روح الشرائع» بالعدول عن هذه العقوبات البدنية للمتهمين والتخفيف عليهم من روح الانتقام.

فكان قانون العقوبات الفرنسي الذي تتباهى به أوروبا ويتباهى به أتباع الحضارة الأوروبية وخدامها.

لقد تجاهل هؤلاء أن العقوبات الإسلامية قد نزل بها القرآن الكريم في سنة 610م أي في القرن السابع الميلادي، حيث كانت أوروبا تعيش قرونها المظلمة.

ولقد ألغى الإسلام المظالم سالفة الذكر واختار للعقاب طريقين هما الزجر والوقاية.

الزجر بالعقوبات البدنية والتي وضع لها شروطًا لا تنطبق إلا على العتاة من معتادي الإجرام.

والوقاية بالتوبة والعدول عن الاعتراف كسبيل لإسقاط العقوبة والعفو عن الجاني.

وفيما يلي أمثلة لمزايا العقوبات الشرعية وانحطاط القانون الوضعي.

تحطيم الشريفات وابتزازهن

لقد أسفر التطبيق الفعلي لقوانين العقوبات في البلاد العربية، أن هذا القانون يمكن السفهاء من الأزواج ومن غيرهم بابتزاز الشرفاء من الرجال أو تشويه سمعتهم وابتزاز الشريفات من النساء أو تشويه سمعتهن؛ فالجريمة في القانون الوضعي تثبت باقتناع القاضي ولو لم يشهد أحد فيكفي بلاغ المجني عليه إذا ادعى بعدم وجود شهود، وبهذا يمكن القانون الوضعي الأراذل والفاسقين من ابتزاز الشرفاء.

فيمكن لأي فاسق أن يتقدم ببلاغ إلى سلطة التحقيق أنه كانت معه في مسكنه امرأة يختار اسمها، وأنه بعد أن قضت حاجتها معه وغادرت المسكن اكتشف أنها اختلست نقوده أو مجوهرات من بيته وذلك لتضطر لدفع أموال له حتى يعدل عن أقواله واتهامه.

ويستطيع الفاسق من الأزواج -والذي يريد طلاق زوجته دون أن يدفع مؤخر الصداق ونفقة العدة ونفقة المتعة- أن يقدم زوجته إلى المحاكمة متهمًا إياها أنها استضافت رجلاً خلال سفر هذا الزوج، ويستطيع أن يسخر أحد السفهاء ليدعي أنه على علاقة بهذه الزوجة وأنها اختلست أموالاً منه فمثل هذا البلاغ ضد إحدى سيدات المجتمع في الحالة الأولى وضد زوجة الفاسق في الحالة الثانية، وأي بلاغ من أي فاسق ضد أي رجل متهمًا إياها بسرقته أو بهتك عرض زوجته مثل هذه الاتهامات والبلاغات تؤدي إلى إلقاء القبض على هؤلاء المتهمين زورًا، بل يمكن حبس هذا المتهم ثلاثة أسابيع عن طريق وزارة الداخلية، ثم حبسه مددًا أخرى تصل إلى ستة أشهر بناء على طلب من المحقق وموافقة رئيس المحكمة المختصة.

وتستطيع المحكمة أن تجدد الحبس لمدة ثلاثين يومًا كل مرة.

والمادة (69) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي والمعدلة بالقانون رقم 27/1965م، تنص على أنه إذا رؤي أن مصلحة التحقيق تستوجب حبس المتهم احتياطيًّا لمنعه من الهروب أو من التأثير في سير التحقيق جاز حبسه احتياطًا لمدة لا تزيد على ثلاثة أسابيع من تاريخ القبض عليه، هذا الحبس تتولاه جهة التحقيق ويجدد حبس المتهم بأمر من رئيس المحكمة في حدود خمسة عشر يومًا في كل مرة لمدة ستة أشهر، ثم يعرض على المحكمة المختصة بنظر الدعوى بناء على طلب المحقق وللمحكمة أن تأمر بتجديد الحبس لمدة ثلاثين يومًا كل مرة (مادة 70).

إثبات الزنى في الشريعة الإسلامية

إن التشريع الإسلامي الذي يشنع عليه الجاهلون والخصوم يحمي المرأة والأسرة والمجتمع من الاتهام الكاذب ومن محاولات الابتزاز.

وفيما يلي أهم الفوارق بين الشريعة والقانون الوضعي فيما يتعلق بجريمة الزنى:

1- القانون الوضعي يثبت الزنى بوجود رسائل أو أي أدوات أخرى تدل على وجود علاقة غرامية بين اثنين أو مجرد وجود الرجل في المكان المخصص للنساء (5)، فالقاضي له حرية الاقتناع لتحديد جريمة الزنى (6).

2- الزنى في الشريعة الإسلامية له تعريف ضيق جدًّا غير معمول به في التشريع الوضعي فالزنى الموجب للحد الشرعي هو إيلاج الرجل ذكره في فرج امرأة محرمة عليه لذاتها، من غير شبهة... والشبهة التي تمنع توقيع عقوبة الزني في الإسلام منها:

أ– الشك في طريق إثبات الجريمة.

ب- خفاء حكم الزنى عند من يثبت في حقه العذر بالجهل.

3- القانون الوضعي يحمي الزوج فقط، فإذا رضي بزنى زوجته فلا عقوبة حتى لو صدر ضدها الحكم، والشريعة تحمي الشرفاء، فلا تثبت حد الزنى إلا بالإقرار وشهادة أربعة رجال عدول، شاهدوا ذات الفعل كالقلم في المحبرة وأي شك في الشهادة أو لعدم اكتمال الأربعة يجلد كل شاهد ثمانين جلدة لحماية المرأة والأسرة من الاتهام الناقص والباطل.

4- القانون الوضعي لا يحمي الأسرة أو المجتمع، بل يحمي العلاقة الزوجية فقط بشرط أن يطلب الزوج هذه الحماية فتنص قوانين العقوبات على أنه لا تقام الدعوى الجزائية على الزاني -رجلًا كان أو امرأة أو على شريكه في الزنى- إلا بناء على طلب الزوج المجني عليه، ولهذا الزوج أن يوقف سير الإجراءات في أي حالة كانت عليها كما أن له وقف تنفيذ الحكم النهائي برضائه استمرار الحياة الزوجية، وإذا لم يطلب الزوج المجني عليه إقامة الدعوى الجزائية أو وقف سير الإجراءات أو وقف تنفيذ الحكم النهائي لا تسري أحكام القانون (7).

5- الشريعة الإسلامية لا تعتبر الزني حقًّا شخصيًّا للزوج أو الزوجة، بل تعتبره جريمة في حق الفرد والمجتمع وتجعله من حقوق الله التي لا يمكن التنازل عنها فلا يملك المجني عليه ذلك ولا يملك الحاكم العفو عن العقوبة.

6- تضع الشريعة شروطًا خاصة لإثبات الزنى ففيها يثبت الزنى الموجب للحد بالإقرار أو البيئة، والإقرار أن يعترف الجاني على نفسه في مجلس القضاء بارتكاب الزنى باللفظ الصريح.

أما البينة فشهادة أربعة رجال مقبولي الشهادة في مجلس القضاء بمعاينة الجريمة معاينة كاملة في وقت واحد.

ويشترط في الإقرار أن يكون قاطعا في ارتكاب الجريمة منتجًا في تحديد نوعها، وأن يكون المقر بالغًا عاقلًا غير مضطر ولا مكره وقت صدور الإقرار وأن يظل مصرًا عليه.

ويشترط في الشهود على الزنى الموجب للحد أن يكون كل منهم مسلمًا عاقلًا بالغًا عدلًا غير متهم في شهادته، وغير مضطر ولا مكره ومبصرًا وقت تحمل الشهادة قادرًا على التعبير عنها قولاً أو كتابة وقت الأداء.

7- يثبت الزنى في القانون الوضعي بالشهادة والقرائن كما ذكرنا من قبل، والشهادة في هذا القانون تتحقق بما رآه الشخص أو سمعه بنفسه أو أدركه بحواسه (8).

بل يجوز للمحكمة الاستغناء عن سماع الشهود في بعض الأحوال الاستثنائية التي نص عليها هذا القانون منها حالة اعتراف المتهم وكذلك حالة غياب المتهم، سواء أمام محكمة الجنح أو محكمة الجنايات حسب ما ورد في المادة 238 إجراءات، وإذا امتنع الشاهد عن أداء الشهادة أجازت شهادته من واقع محضر التحقيق الابتدائي أو في محضر جمع الاستدلالات أو أمام الخبير ولا يوجد مانع من الأخذ بشهادة المجني عليه نفسه (9).

8- يوجب الإسلام قبول عدول الشاهد في أي مرحلة حتى بعد صدور الحكم وقبل تنفيذه، كما يوجب قبول رجوع الشخص في اعترافه في أي مرحلة قبل التنفيذ ولهذا يسقط حد الزنى ولو قبل تمامه بما يأتي:

أ– عدول الشهود أو أحدهم عن الشهادة إن قل عدد الباقي عن أربعة أو موت أحدهم أو جنونه قبل تمام التنفيذ.

ب– رجوع المقر عن إقراره قبل تمام التنفيذ إذا كان الزنى ثابتًا بالإقرار دون غيره.

ج– زواج الزاني بمن زنى بها.

أما القوانين الوضعية فالأمر بيد القاضي الذي يحاكم المتهم أمامه، فالرجوع عن الاعتراف لا يقبل في حد ذاته، بل إذا اقتنع به القاضي واستقر قضاء محكمة النقض المصرية أن من حق قاضي الموضوع الأخذ باعتراف المتهم الصادر منه في أي مرحلة من مراحل التحقيق وإن عدل عنه بعد ذلك، بل من حق القاضي الأخذ بأقوال متهم على متهم آخر ولو وردت في محضر الشرطة وعدل عنها، ولم تثبت في تحقيق النيابة العامة (10).

فالأصل طبقًا لنص المادة (302) إجراءات أن يحكم القاضي حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، وبالتالي فلا يجوز إلزامه بالأخذ بدليل معين، فله مطلق الحرية أن يقرر بنفسه الحقيقة التي يقتنع بها استمدادًا من الأدلة المقدمة إليه، فله أن يأخذ بقول شاهد في التحقيق الابتدائي ويطرح قول شاهد آخر شهد أمام المحكمة، وأن يأخذ ببعض الشهادة ويطرح بعضها؛ إذ ملاك الأمر كله يرجع إلى وجدانه ما دام الظاهر أنه أقام قضاءه على أسباب تحمله على ذلك.

وقد أثبت التطبيق العملي للحدود في عصرنا أن نسبة قطع اليد ضئيلة جدًّا، فقد ثبت من الإحصاءات أن المملكة العربية السعودية والتي يفد إليها الملايين من أنحاء العالم في موسم الحج، لم يقطع فيها سوى ست عشرة يدًا خلال أربعة وعشرين عامًا منذ تأسيس المملكة، أي أقل من يد واحدة في العام الواحد في المتوسط والقوانين الوضعية التي يزعم سدنتها أنها أصلح للمجتمع، قد أدت إلى زيادة الجرائم، ذلك أنها تعاقب على السرقة بالحبس أو الغرامة أو كليهما معًا، والحبس حدده القانون الكويتي في المادة 219 بما لا يزيد على ألفين روبية أي عن مائة وخمسين دينارًا، وهو الحد الأقصى للغرامة وهذه الغرامة في القانون المصري لا تتجاوز خمسمائة جنيه.

والواقع الاجتماعي قد أثبت فشل تلك العقوبات في منع جريمة السرقة؛ فالسرقات تزداد عامًا بعد عام، والإحصاءات في الدول التي تطبق هذه العقوبات تدل على ذلك، ففي أمريكا نشرت إحصائية عن السرقات في تلك البلد جاء فيها:

- تقع كل ساعة 330 جريمة سرقة صغرى وكبرى.

الضمانات الإسلامية

يكتفي القانون الوضعي في إثبات الجرائم بشاهد واحد، وقد يكون هذا الشاهد هو المجني عليه، وإذا لم يوجد شاهد فيمكن الاعتماد على القرائن لإثبات الجريمة وتوقيع العقوبة، ذلك أن هذا القانون يطلق الحرية الكاملة للقاضي في الإثبات بناء على اقتناعه.

لهذا تثور الخشية من إعدام شخص يثبت بعد ذلك أنه كان بريئًا أو كانت هناك شبهة تدرأ القتل. وهذا التخوف لا مجال له في قواعد إثبات الجرائم طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.

ذلك أن أول ضمان في الشريعة أن جعلت لإثبات الجريمة طرقًا استثنائية فلا تركن في ذلك إلى ضمير القاضي وقناعته، ولا يقبل الإثبات بالقرائن ولا بشاهد واحد بل ولا تقبل من الشهود إلا من توفرت فيه شروط القبول وهي أن يكون الشاهد عدلًا أمينًا ثقةً ضابطًا ولا يكون قريبًا أو عدوًا، كما تضع الشريعة شروطًا خاصة لجناية القتل وشروطًا في الجاني القاتل وفي الإثبات وشروطًا في المجني عليه ويترتب على ذلك ضمانات للمتهم بالقتل أهمها:

1- لا تحرك الإجراءات الجنائية ضد المتهم إلا بطلب من أولياء المقتول، لأن هذا حق شخصي وليس حقًّا عامًا تنفرد به النيابة العامة باسم المجتمع، فإذا لم يتقدم أولياء المقتول بطلب اتخاذ الإجراءات ضد المتهم بالقتل لا تنتفي الجريمة بل يتعدل وصفها فتصبح جريمة تعزيرية للمجتمع فيها حق تمثله النيابة العامة، ولكن الجريمة التعزيرية عقوباتها مخفضة لا تصل إلى القتل.

2- الإثبات في القتل يشترط فيه إثبات قصد القتل وليس مجرد العدوان الذي يؤدي إلى القتل، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ (النساء: 93).

ويشترط أيضًا أن يكون الإثبات بالطرق الشرعية، وهي:

أ– الشهادة وأقلها شهادة رجلين من العدول

الذين يشهدون برؤية القاتل وهو يقتل.

ب- الإقرار ويشترط أن ينصب على واقعة القتل بعناصرها المكونة للجريمة وأن يكون قاطعًا لا يحتمل التأويل وألا يكون الهدف حماية القاتل الحقيقي من العقاب.

3- ويشترط لعقوبة القتل أن يجمع جميع أولياء الدم، وهم ورثة القتيل على طلب القصاص وهو قتل القاتل، فإذا تخلف أحدهم عن هذا الطلب لا يقتل القاتل؛ لأن القصاص حق مشترك لا يقبل التبعيض.

4- كما يشترط أن يكون جميع أولياء الدم أهلًا لطلب القصاص، أي بالغين عاقلين، فإذا كان فيهم صغير أو معتوه فلا يقتل القاتل.

5- كما يشترط حضور جميع ورثة المقتول عند التنفيذ، فإن كان أحدهم غائبًا فلا يملك الحاضر منهم أن يستوفي القصاص حتى يحضر الغائب سواء أكانت غيبته بعيدة أو قريبة أو كانت معلومة أو مجهولة لأنه قد يعفو أحدهم وهذا حق له.

6- كما يشترط لاستيفاء القصاص أن يجمع ورثة المقتول على تفويض من هو أهل منهم لاستيفاء القصاص بأن يأذن الباقون له في ذلك.

الضمانات العامة

إن الهدف من العقوبة في الشريعة هو حماية الفرد والأسرة والمجتمع، والمتهم هو لبنة من لبنات المجتمع ومن ثم تشتمله هذه الحماية والتي تتمثل في مبادئ أهمها:

1- احترام إنسانية المتهم فمن حقه أن يتمتع بالتكريم الذي منحه له خالقه في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70).

2- تقييد حرية القاضي في الإثبات وفي العقوبة، وذلك في الجرائم ذات العقوبات الجسيمة: وهي جرائم القتل والزنى والسرقة والحرابة -أي قطع الطريق- والسكر والقذف.

3- لا تثبت هذه الجرائم إلا بشهادة رجلين ولا تقبل شهادة المرأة إلا عند وجودها على مسرح الجريمة دون الرجال، وذلك لاحتمال أن يكون لعاطفة المرأة أثر في شهادتها ما يضر بالمتهم.

4- تقرير عقوبة قاسية للشهود على جريمة الزنى إذا لم يكتمل نصاب الإثبات فيها، وهو حضور أربعة شهود يرون الفعل بأبصارهم فإذا شهد ثلاثة برؤية المواقعة ذاتها وشهد الرابع برؤية الرجل وهو يزني بالمرأة ولكنه لم يشاهد طريقة المواقعة، يجلد كل شاهد ثمانين جلدة، وفي ذلك حماية للمتهمين بهذه الجريمة من أن يشهد عليهم الشهود بشبهة الفعل دون أن يكون قد اكتملت المواقعة الجنسية.

5- لا يؤخذ باعتراف المتهم إلا إذا أصر عليه عدة مرات وتترك له الفرصة في العدول إن شاء ذلك.

6- توجب الشريعة الستر على الجاني حتى يتوب ولا يجاهر بالمعاصي، وفي هذا قال النبي ﷺ: «أيها الناس قد أن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله».

7- جعل الإسلام الأصل في الأشياء الإباحة، وبالتالي لا جريمة ولا عقوبة إلا بموجب نص من القرآن أو السنة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15).

8- لا عقاب إلا على الجرائم التي تقع بعد النص بالتحريم فلا يسري القانون على الماضي قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ (المائدة: 95).

وقال تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (البقرة : 275).

9- من الضمانات في الشريعة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ويجب أن يعامل خلال إجراءات الاتهام والمحاكمة، بموجب هذا الأصل قال النبي ﷺ: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن البيئة على المدعي واليمين على من أنكر» (صحيح مسلم وسنن البيهقي).

10- الشك في الإثبات يسقط الجريمة والعقوبة قال النبي ﷺ: ادرؤوا الحدود بالشبهات فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة (رواه الحاكم).

11- قرر الإسلام شخصية العقوبة وأبطل ما كان سائدًا من معاقبة العبد بدلًا من سيده أو المرأة بدلًا من زوجها أو الجماعة بأحد السادة قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ﴾ (البقرة: 178)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء: 15).

12- كفل الإسلام للمتهم حق الرجوع في إقراره واعترافه بالجريمة وذلك في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة، بل وبعد صدور الحكم وعند التنفيذ.

ويترتب على العدول عن الاعتراف إسقاط جميع الإجراءات التي ترتبت على اعترافه وإقراره، ولقد زجر النبي ﷺ الذين نفذوا الحكم في المعترف بالجريمة، وذلك بعد أن حاول الهرب من التنفيذ فمنعوه وقال النبي قولته المشهورة هلا تركتموه.

المراجع:

(1) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج 7 ص 130، وموجز أحكام الشريعة الإسلامية للمستشار أحمد هبة، ص 50 –عالم الكتب– القاهرة 1985م.

(2) السنة المفترى عليها للمؤلف ص 257 - 259، دار البحوث العلمية بالكويت، ودار الوفاء بمصر – الطبعة الخامسة 1992م.

(3) الكتاب الذهبي للمحاكم المختلطة إصدار 1926م ص 83، وانظر الوسيط للدكتور عبد الرزاق السنهوري ج 2 ج 1 ص 12.

(4) د محمد سليم العوا - في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص 19، ج2.

(٦،٥) الإجراءات الجنائية في التشريع المصري للدكتور إدوار غالي – موسوعة القضاء والفقه ص 628 و629.

(۷) هذا هو نص المادة (197) من قانون الجزاء الكويتي وهذا النص مصدره قانون العقوبات المصري، وقد عدلت الكويت هذا النص بالقانون رقم 46/1960م للحفاظ على بعض الحماية للأسرة.

(۸) نقض مصري في 6/4/1978 م س 29 ق 25 ص 36، موسوعة أحكام الفقه والقضاء للدول العربية الإجراءات الجنائية للدكتور محمد أبو عامر ط 1984 م ص 959 السابق ص 980.

(۹) نقض 3/1/1977 م س 28 ق 5 جزء 3 والمرجع السابق ص 980.

(10) نقض س 24 ق 14 وق 25 ص 54 و 102، وس 30 ق 45 ص 226 وس 24 ق 1 ص1 موسوعة القضاء والفقه للدول العربية الإجراءات الجنائية للدكتور محمد زكي أبو عامر ط 1984 م ص 947 – 949.

حملة تتفق مع الرغبة الأمريكية

في مارس 1991م ظهرت الملامح الرئيسة للنظام الدولي الجديد التي أقرها مجلس الأمن القومي الأمريكي وضمنها في تقرير له.

التقرير حوى عددًا من السياسات التي تستهدف ضرب التوجه الإسلامي في العالم.. ومن بينها الحيلولة دون تحكيم الشريعة الإسلامية، وهكذا نجد أن المناهضين لحكم الشريعة إنما يسيرون وفق طلب مجلس الأمن القومي الأمريكي.. فهل يفعلون ذلك عن وعي منهم وارتباط بالسياسة الأمريكية؟

الرابط المختصر :