; معركة الواي فاي.. «فيس تايم» أردوغان ينتصر على «واتسآب» الانقلاب! | مجلة المجتمع

العنوان معركة الواي فاي.. «فيس تايم» أردوغان ينتصر على «واتسآب» الانقلاب!

الكاتب محمد سليمان الزواوي

تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016

مشاهدات 36

نشر في العدد 2098

نشر في الصفحة 17

الاثنين 01-أغسطس-2016

معركة الواي فاي.. «فيس تايم» أردوغان ينتصر على «واتسآب» الانقلاب!

تحركت جحافل الانقلابيين للسيطرة على القناة الرسمية للبلاد ودخلت في سباق محموم من أجل القبض على الرئيس وحكومته لكن كان لتطبيق إليكتروني بسيط رأي آخر

بينما ظهر أردوغان عبر «فيس تايم» على «سي إن إن» التركية سرعان ما تواصل الانقلابيون عبر “واتسآب” بين بعضهم البعض وإعطاء الأوامر بسرعة إغلاق قناة “سي إن إن” 

محمد سليمان الزواوي

في الساعات الأولى من المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، وبينما كانت جنازير الدبابات تسير على جسر البوسفور من أجل عزل شطري إسطنبول، وبينما كانت مقاتلات ومروحيات الانقلابيين تسيطر على السماء، كانت هناك معركة أخرى تدور رحاها على موجات الأثير وعبر موجات «الواي فاي»، لا تقل أهمية ولا خطورة عن المعارك البرية والبحرية والجوية، ألا وهي معركة الاتصال وتدفق المعلومات.

فمن أهم أهداف أي انقلاب عسكري هو السيطرة على وسائل الاتصال وعزل أطياف المجتمع، ووقف تدفق المعلومات إليه من أجل ردعه عن مقاومة الانقلاب وتفكيك وحدته وتماسكه وروحه المعنوية، بالإضافة إلى استخدام حظر التجوال والأحكام العرفية من أجل مزيد من الإرهاب، ومن ثم تحركت جحافل الانقلابيين للسيطرة على القناة الرسمية للبلاد، ودخلت في سباق محموم من أجل القبض على الرئيس وحكومته، ولكن هنا كان لتطبيق إليكتروني بسيط رأي آخر.

فمن خلال مكالمة فيديو على برنامج «فيس تايم» عبر هاتف آيفون، استطاع الرئيس التركي أن يصل إلى شعبه وأن يحثهم على النزول إلى الشوارع وأن يفك الحصار عن مطار أتاتورك لكي تتمكن طائرته من الهبوط. كانت هذه المكالمة حاسمة في إفشال الانقلاب الذي أعلن سيطرته على البلاد في نبأ متلفز، وهو ما أوحى في البداية أنه تم اعتقال الرئيس أو تصفيته، وهي الخطوة التي كان يمكن أن تكون رادعة للناس عن النزول وإصابتهم باليأس من أي محاولة لمواجهة الانقلاب المسلح، وكانت تلك خدعة سرعان ما تبددت تحت زخات موجات «الواي فاي» التي حملت وجه أردوغان الحاسم وكلماته النارية.

معركة الواي فاي

إلى جانب عدة أسباب أخرى، كان انتصار أردوغان في معركة تدفق المعلومات له نصيب كبير في حسم إفشال الانقلاب، بالرغم من أنه فشل في الوصول إلى رئيس استخباراته، في الوقت الذي كان هناك قصور كبير في رصد تحركات الانقلابيين الذين لم يستخدموا بدورهم منشآت الجيش أو أجهزة الإشارة للتواصل فيما بينهم، ولكن للمفارقة كان ذلك عبر تطبيق إليكتروني آخر هو «واتسآب» على أجهزة الهواتف الجوالة.

ففي ساعات الليل الأخيرة كانت موجات «الواي فاي» تشهد معركة بين «فيس تايم» أردوغان، و»واتسآب» الانقلابيين الذين كانوا يتابعون الموقف عن كثب ومن ثم يعطون التعليمات إلى جنودهم على الأرض، فبينما ظهر أردوغان عبر فيس تايم عبر «سي إن إن» التركية، سرعان ما تواصل الانقلابيون عبر «واتسآب» بين بعضهم البعض وإعطاء الأوامر بسرعة إغلاق قناة «سي إن إن» التركية، لتتحرك القوات ولكن بعد أن استطاع أردوغان أن يمرر رسالته، وخسر الانقلابيون تلك المعركة، لتهرع قوات الشرطة إلى مقار الفضائيات وتلقي القبض على الانقلابيين، وتجبر قائدهم على إلقاء السلاح والانسحاب.

وهنا سرعان ما انتقل أردوغان ورفاقه إلى نموذج آخر من حروب المعلومات، ألا وهو مآذن المساجد؛ فقد صدرت الأوامر إلى رئاسة الشؤون الدينية بالبلاد بنزول موظفيهم إلى المساجد ومناشدة المواطنين عبر مكبرات الصوت التي تصدح بها المآذن؛ لحث الناس على النزول إلى الميادين لمنع دبابات الانقلابيين من السيطرة على البلاد، وهي وسيلة أخرى من وسائل الاتصال غير المألوفة، والتي مثلت نقطة حاسمة أخرى في صالح إفشال الانقلاب.

وبعد ساعات من السيطرة على الوضع في الشارع سرعان ما انتقل أردوغان إلى الرسائل النصية على الهواتف الجوالة لشحن المواطنين وتوعيتهم في إيجاز شبه يومي لدفعهم إلى الساحات والميادين للحفاظ على الديموقراطية، والتأكيد على بقاء الناس في الشوارع لمدة أسبوع كامل، وأن الخطر لم ينته بعد، وكل ذلك كان عبر رسائل نصية أرسلت إلى أكثر من 66 مليون هاتف جوال يستخدمها الشعب التركي حسب الإحصاءات.

ففي الوقت الذي انقطعت فيه وسائل الاتصال بين الانقلابيين بعد السيطرة على قادتهم وأمرهم بسحب منتسبيهم ومنفذي الانقلاب على الأرض، كان في يد كل مواطن تركي جهاز استقبال على هيئة هاتف جوال، استطاع من خلاله التواصل مع القيادة والحصول على رسائل تطمينية تربط على قلبه، وتشد من أزره وتشحن معنوياته لاستمرار التقدم في تلك المعركة غير العادية في عصر المعلومات.

لقد كانت معركة الاتصال معركة حاسمة في إفشال الانقلاب العسكري، فقد بدا للوهلة الأولى – قبل ظهور أردوغان المحوري – أن الانقلاب ينتصر، وكانت تلك هي آراء معظم المحللين عبر شبكات التلفاز فور ورود الصور الأولى لنزول الدبابات إلى الشوارع وسيطرتها على المطار والجسور والقناة الرسمية وإذاعة بيان الانقلاب، وبدا أن معركة الصورة تنتصر في صالح الانقلاب الذي نشر دباباته عبر الجسور، حتى جاء صوت أردوغان وصورته عبر شبكة الإنترنت من خلال هاتف جوال لتتغير المعادلة تماماً في عكس صالح الانقلاب.

عوامل أخرى حاسمة

من أهم أسباب فشل الانقلاب كذلك هو عدم سيطرة العسكر على الإعلام كما في الحالة المصرية؛ فالإعلام التركي لا يتمركز في منطقة واحدة مثل مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية؛ فهو موزع على مقار القنوات داخل تركيا، ويُسمح لكل قناة بإنشاء أستوديوهاتها الخاصة، ومن ثم تعددت مواقع تلك القنوات في العاصمة التركية أنقرة على مساحات شاسعة، بالرغم من أن الانقلابيين تحركوا سريعًا باتجاه «سي إن إن» التركية فور ورود نداءات أردوغان من أجل منع إيصال صوته للمواطنين، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان، وفي المقابل تزامن تحرك الانقلابيين مع تحرك الشعب الذي بوعيه هرع هو الآخر باتجاه القنوات الإعلامية لحمايتها، فتحرك مواطنون إلى قناة «تي آر تي» الرسمية وأخرجوا الانقلابيين منها وحرروا المذيعة التي أذاعت بيان الانقلاب، فيما تحرك آخرون إلى محطة «سي إن إن» التركية في أنقرة لتحريرها هي الأخرى بعدما أذاعت القناة على الهواء مشاهد اقتحام الأستوديو من قبل الانقلابيين، لذلك كان تعدد مناطق البث من داخل تركيا، وإعطاء حكومة العدالة والتنمية مساحة أكبر للقنوات الخاصة بعيدًا عن سيطرة الدولة، من العوامل الحاسمة في إفشال ذلك الانقلاب.

ففي الحالة المصرية تقبع الاستوديوهات كلها داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، كما أن إشارة البث تقع في عهدة الأجهزة السيادية القادرة على تسويد الشاشات في أي لحظة، كما أن هناك قوات أمنية حاشدة تسيطر على مدينة الإنتاج الإعلامي وتحوطها من كل جانب خلف الأسوار العالية، وفي حالة الانقلاب المصري وصلت تلك القوات في غضون ثوان إلى مقار الأستوديوهات واعتقلت ضيوفها وأغلقت مقارها وسيطرت على المذيعين، وجعلت البث بكامله تحت إرادة قوات الجيش التي سيطرت على تدفق المعلومات.

الإعلام الخاص ومعركة الوعي

وفي تركيا لعب الإعلام الخاص دوراً كبيراً في توعية المواطنين بخطورة الانقلاب ولم ينحز إليه، بل ساهم في إيصال صورة المواطنين وهم يهاجمون الدبابات في مختلف أنحاء البلاد واحتشادهم في الميادين ضد الانقلاب، وهو ما أدى إلى تشجيع الأتراك على النزول إلى الشوارع بكثافة كبيرة، كما كانت التغطية في المجمل محايدة وتعمل لمصلحة الديموقراطية التي ازدهرت في عهد حزب العدالة والتنمية، كما سارعت أحزاب المعارضة عبر وسائل الإعلام المختلفة كذلك إلى إدانة الانقلاب فور حدوثه، وأن ذلك العهد قد ولى في تركيا إلى غير رجعة، وهو ما أدى إلى تقوية موقف مؤيدي الديموقراطية وظهرت تركيا في مجملها على قلب رجل واحد في مواجهة عنف ودموية دبابات الانقلابيين، بالرغم من قدرتهم على وقف وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب لعدة ساعات، وأوقفوا كذلك بث قناتي الجزيرة العربية والإنجليزية على القمر التركي إضافة إلى عدة قنوات أخرى.

لقد انتصر الشعب التركي في معركة الوعي في ساحات الحرب المعلوماتية في وجه الانقلاب، وكان قادراً على الفرز والتمييز لبيانات الانقلاب الذي زعم إنشاء «مجلس السلام في الوطن» لقيادة البلاد، وهو مسمى مخادع مستقى من أدبيات أتاتورك بشعار: «سلام في الوطن وسلام في العالم» إبان إنشاء الجمهورية التركية، وزعم في بيانه كذلك أنه يهدف إلى استعادة الديموقراطية، في الوقت الذي كان يقصف فيه مبنى برلمان الشعب بطائرات إف 16 أثناء انعقاد جلسات لنواب الشعب المنتخبين، وكان نقل تلك الصور كذلك حاسماً في وعي الشعب بالمخطط والمسار الذي ينتوي الانقلاب السير فيه بالقضاء على الديموقراطية.

لقد سطر الشعب التركي ملحمة عظيمة في وعي شعبه بمختلف طوائفه؛ فرجل الشرطة تمتع بالوعي الكافي ليقف أمام دبابات الانقلابيين وينزع سلاحهم، ونام المواطن أمام الدبابات ليمنع تقدمها، فيما أجبر الشعب التركي دبابات الانقلابيين على الانسحاب من مطار أتاتورك لتمهيد الطريق إلى زعيمهم للنزول بطائرته والالتحام بالشعب، وإدارة عملية إفشال الانقلاب عبر وسائل الإعلام التي خاطبها أردوغان فور نزوله من الطائرة، وظهر بثبات وعزم كانا كفيلين بشحن معنويات الشعب والانتصار في معركة الحرية والديموقراطية.>

الرابط المختصر :