العنوان معركة طرابلس.. تأجيل أم إلغاء؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1983
مشاهدات 70
نشر في العدد 641
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 18-أكتوبر-1983
- المعركة بين الإسلاميين والشيوعيين حُسمت لصالح الإسلاميين في طرابلس.
- ما هي الأسباب التي أوقفت معركة طرابلس المنتظرة؟
- التحالف الخبيث بين أعداء الإسلام وأعداء فلسطين يقابله تحالف عفوي بين الإسلاميين وثوار فلسطين.
كل الدلائل كانت تشير في الأسبوع الماضي على أن الملاحقة السورية للفلسطينيين في لبنان وصلت إلى الحد الذي باتت فيه المواجهة العسكرية الحاسمة والنهائية على وشك الوقوع بين قوات النظام السوري وقوات ياسر عرفات ومن يساندهذه القوات أو تلك من اللبنانيين والفلسطينيين. فبينما كانت الحشود السورية تتوالى على طرابلس من الشرق والشمال كانت البواخر الإسرائيلية تحكم حصارها على الساحل الطرابلسي وتخطف كل باخرة يمكن أن تحمل مقاتلين أو أسلحة وربما ياسر عرفات نفسه فتقوم بتفتيشها بكل دقة.
فإذا علمنا أن الكتائبيين يرابطون في جنوب طرابلس أصبح الطوق كاملًا من الجهات الأربع ولم يبق إلا الانقضاض العسكري السريع.
ولكن حرب الأشهر الثلاثة بين الفدائيين واليهود وسط الحصار التام في غرب بيروت وقبل ذلك حرب صيدا مع السوريين يعني أن أمر هزيمةهؤلاء الفلسطينيين ليس بالأمر الهين فإذا علمنا أن لعبة شق منظمة التحرير الفلسطينية من الداخل لم تحسم حتى الآن لصالح المنشقين أدركنا كم هي المهمة صعبة تلك التي يقوم بها السوريون وهم يحاولون ضرب عرفات وقواته في آخر مواقعه في طرابلس، وليس خافيًا على أحد أن عودة عرفات إلى طرابلس حيرت المراقبين في كيفيتها رغم الحصار المضروب على المدينة من جميع جهاتها ولكن الأمر الذي بات معروفًا أيضًا أن عرفات لم يعد إلى طرابلس إلا بعد أن عادت معظم قواته من الخارج بكامل أسلحتها وتدريباتها الجديدة.
ثم أن القوات الفلسطينية التي طردتها القوات السورية من البقاع إلى الهرمل وحاولت أن تحاصرها لكي تستسلم وتسلم أسلحتها، استطاعت هذه القوات وعددها حوالي ۱۱۰۰ مقاتل من الوصول إلى منطقة طرابلس أيضًا مما أذهل السلطات السورية وجعلها تفتح ملفًا للتحقيق مع عدد من قادة القوات السورية التي اتهمت بالإهمال في أداء واجبها تجاه حصار الفلسطينيينوتجريدهم من أسلحتهم.
فإذا أضفنا إلى ذلك حدوث خلل لدى القوات الموالية لسوريا في منطقة طرابلس حيث استطاعت مجموعات من المنشقين على أحمد جبريل السيطرة على المعسكر والمكاتب التابعة للجبهة الشعبية «القيادة العامة» في طرابلس ومخيمي البداوي ونهر البارد.
كما أن النصيريين المتواجدين في بعل محسن في طرابلس وعددهم كما يقال عشرة آلاف من ٤٠٠ ألف نسمة مجموع سكان طرابلس وغالبيتهم العظمى من المسلمين السنة لم يعد لهم ذلك الوزن العسكري بعدما انسحبت القوات السورية من أجزاء من المدينة.
ثم أن الحزب الشيوعي الذي يقوده جورج حاوي والذي يعلن ولاءه للسوريين لم يستطع بالتعاون مع الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يرأسه أنعام رعد أن يقف في وجه المد الإسلامي المتعاظم في المدينة.
ولعل المعركة التي حسمت مؤخرًا لصالح الإسلاميين المتعاطفين مع المقاومة الفلسطينية وكانت الهزيمة فيها للشيوعيين الموالين لسوريا مؤشر جديد للأسباب التي حدت بسوريا إلى إعادة النظر في موضوع الهجوم على طرابلس وبالرغم من المحاولات التي قام بها عرفات شخصيًا والقوات التي تحت أمرته لإيقاف القتال بين الإسلاميين والشيوعيين في المدينة إلا أن الحزب الشيوعي اللبناني أعلن في بيان له يوم الجمعة الماضي عن مسؤولية ياسر عرفات عنالمصادمات التي اندلعت في المدينة.
على أن حركة التوحيد الإسلامي أعلنت يوم الجمعة كعطلة رسمية بدل يوم الأحد ودعت إلى نشر التعاليم الإسلامية ومحاربة الفسق والسكر والفجور، وتتواجد حركة التوحيد الإسلامي بكثافة في مناطق طرابلس التالية: التبانة وأبو سمر والزاهرية وباب الرمل والقبة والميناء والأسواق التجارية.
وفي الآونة الأخيرة أمرت حركة التوحيد الإسلامية بعض مكاتب الحركة الوطنية اللبنانية من غير الإسلاميين بالامتناع عن الظهور بسلاحها في شوارع المدينة وكذلك أمرت بعض فصائل المقاومة الفلسطينية مثل جبهة النضال الشعبي بإغلاق مكاتبها في المدينة ولكنها أبقت على مكاتب فتح التابعة لياسر عرفات وأعطتها حرية الحركة وبذلك فعرفات والإسلاميون يسيطرون سوية على مدينة طرابلس ومنطقة الشمال.
ولعل إهمال المناطق الإسلامية الفقيرة من خدمات السلطات الكتائبية وقيام حركة فتح في طرابلس «بإصلاح» الشوارع وحفر الآبار الأرتوازية وإيصال المياه وشراء محركات الكهرباء وتقديم الخدمات الصحية وتبني المستوصفات الطبية على طريقة مستشفيات الميدان كل ذلك جذب للشباب الإسلامي إلى الوقوف إلى جانب المقاومة الفلسطينية.
ولذلك يجد الإسلاميون في طرابلس أنفسهم رضوا أم أبوا في صف الفلسطينيين ويجد الفلسطينيون أنفسهم رضوا أم أبوا في صف الإسلاميين فالمعركة واحدة والمصير واحد والأعداء هم الأعداء.
وهكذا نعود إلى أسباب التراجع السوري عن الهجوم على طرابلس فنجده يرجع إلى الأسباب التالية:
أولًا: استطاع عرفات بعودته إلى طرابلس من إعادة تنظيم أنصاره داخل المدينة وفي المخيمات التابعة لها ومن إعادة قواته الموجودة بالخارج لتتجمع في المدينة الإسلامية التاريخية ذات الـ٤٠٠ ألف نسمة والتي تضم مخيمين فلسطينيين يبلغ عدد سكانها أكثر من ٤٠ ألف نسمة أيضًا. ثانيًا: في الوقت الذي كان فيه التسابق جاريًا داخل المدينة وفي مخيمي البداوي ونهر البارد للسيطرة عليهما عن طريق الأنصار حسم الأمر لصالح عرفات بهزيمة الشيوعيين والعلو بين وأنصار أحمد جبريل وأما جبهة الخلاص الوطني التي أنشأتها سوريا للخلاص من الفلسطينيينوالإسلاميين معًا فقد أثبتت أنها في جوهرها حركة درزية سورية دخلت ضمن لعبة شديدة التعقيد بعيدة كل البعد عن معاداة إسرائيل وإنما هي تنطلق وتتحرك ضمن حدود مرسومة دوليًا وعربيًا وإسرائيليًا وطائفيًا وتصب في نهاية المطاف لصالح هؤلاء جميعًا وضد فلسطين والمسلمين معًا.
ثالثًا: المنشقون من صفوف فتح والمتعاونون معهم من جماعة جبريل- أبو نضال لم يستطيعوا رغم المعونات العسكرية والبشرية والمالية المكثفة لهم ورغم الإعلام المضلل عن انضمامات متلاحقة لهم، لم يستطيعوا أن يحسموا الأمر لصالح هذه الأنظمة التي تحركهم وتبين للكثير منهم أنهم مخدوعون وإنهم يساقون للانتحار وبالتالي بدأ الكثير منهم في مراجعة أنفسهم ولم يعد مضمونًا زجهم مرة أخرى في قتال دموي مع إخوانهم سيما قوات جيش التحرير المتواجدة في سوريا والتي طلب منها عام ١٩٧٦م أن تقوم بدور مشابه ولكنها رفضت.
رابعًا: المراجعات التي بدأت تتسرب إلى داخل القوات السورية نفسها والتي كان من نتيجتها تقديم عدد من قادتها إلى المحاكمة بحجة الإهمال في تطويق القوات الفلسطينية وتجريدها من سلاحها.
خامسًا: يبدو أن الأسماء التي عرضت على بعض الجهات العربية كبديل لياسر عرفات من أمثال خالد الفاهوم ونمر صالح وياسر عبد ربه لم ترق لهم، كما أن رصيدها الشعبي الفلسطيني قد يكون معدومًا وذلك لماركسيتها وتبعيتها وتاريخهاالضحل في النضال من أجل فلسطين.
سادسًا: يبدو أن الولايات المتحدة التي أعطت لسوريا دورًا في حل مشكلة الشرق الأوسط لا تريد لهذا الدور أن يتعدى الحدود الحمراء المرسومة له وأنها لا تريد أن تتجاهل دور الأردن كذلك سيما وقد أعلن مؤخرًا عن النية في إعطاء الأردن دورًا في قوات «التدخل السريع».
سابعًا: ربما كان القضاء على الثورة الفلسطينية قضاءًا مبرمًا أو وضع قيادتها نهائيًا في يد أحد الأنظمة العربية يعني أن يقوم الشعب الفلسطيني من جديد بثورة واضحة الأيديولوجية واضحة الأهداف واضحة الأسلوب واضح الأصدقاء والاعتداء بعدما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وبعدما اتضح لكل ذي عقل وبصيرة أن الإسلاميين مع حركة الجهاد لتحرير فلسطين وأن غير الإسلاميين مع المتآمرين والمنشقين مهما تظاهر البعض منهم بالتمسك بالشرعية والحياد فنشراتهم وتعميماتهم السرية وما يقوله الصغار منهم يفضح العملية كلها.