العنوان معنويات لا تُقهَر!
الكاتب الشيخ رائد صلاح
تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2005
مشاهدات 65
نشر في العدد 1671
نشر في الصفحة 42
السبت 01-أكتوبر-2005
■ خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رضائي الأقصى
■ السجناء كانوا يقولون لزبانية القهر إن تضحكوا منا فإنا نضحك منكم كما تضحكون!!
■ كنت أقول في نفسي متعجبً ومتمنيًا من أين لهم كل هذه المعنويات التي قهرت القهر؟! يا ليتني أملك بعض ما يملكون من هذه المعنويات العالية!!
■ يجرى التحقيق في قسم المخابرات الملحق بسجن «الجلمة» مع بعض السجناء السياسيين وكان يجري تمديد اعتقالهم فيه
من الصعب على الإنسان أن يعيش مقهورًا محرومًا من كل شيء، ولكن هناك من انتصر على هذا القهر بروح الإيمان التي في القلب، والتي تحدث السجان والزنازين وكل الوسائل التي تجعل القهر يهاجم من كل الجوانب.
غناء أناشيد شعر صيحات حوارات، كانت تقطع الوقت كي تمر الأيام والليالي المظلمة ترتفع روحك في السماء وتكون أسعد الناس عندما تجد كل من حولك يقهر هذا القهر.
في إحدى مراحل اعتقالنا تم نقلنا من قسم الشرطة في سجن الجلمة، إلى قسم مصلحة السجون في نفس السجن، وتحديدًا ثم نقلنا إلى غرفة رقم (۸)، وهي غرفة تتسع لستة أفراد وتقوم في نهاية ممر طويل من السجن. بمعنى أنك حتى تصل إليها لا بد أن تمر على كثير من غرف المعتقلين، ومن أجل فصلنا كليًّا عن بقية المعتقلين، فقد تم وضع بوابة حديدية كانت تفصل غرفتنا عن بقية الغرف وبذلك لم يكن أي معتقَل يملك القدرة أن يقف عند باب غرفتنا، ولكن كان بالإمكان أن ينادينا أي معتقَل من بعيد ويخبرنا عن اسمه وعنوان إقامته الحالي في أي سجن من هذه السجون الكثيرة بل ويخبرنا برقم غرفته التي يقيم فيها!!
بالإضافة إلى كل ذلك فقد لاصقت غرفتنا غرفة رقم (۷) حيث كان بينهما جدار فاصل فقط بالإضافة إلى الباب الحديدي الذي وضعوه لعزل غرفتنا، ولذلك كان من السهل جدًّا أن تسمع بوضوح حديث نزلاء هذه الغرفة كما لو كانوا في غرفتك تمامًا!
لقد كنا على علم مسبق بأن سجن الجلمة يضم قسمًا ثالثًا بالإضافة إلى قسم الشرطة وقسم مصلحة السجون الا وهو قسم المخابرات حيث كان يجري التحقيق مع بعض السجناء السياسيين وكان يجري تمديد اعتقالهم في هذا القسم! وكنا تعلم كذلك أنه كل من كانت المخابرات تنهي تحقيقها معه كانت تنقله إلى القسم الذي كنا فيه!! ولذلك كنا نسمع بين الفترة والأخرى معتقلًا بنادي زميله الموجود في غرفة أخرى أنا فلان من بلدة كذا لقد خرجت من الزنازين قبل ساعات وينقصني كذا.... وكنا نسمع معتقلًا آخر وثالثًا ورابعًا ينادون السجان فيصيح أحدهم يا سوهرا ينقصنا فراش للنوم لقد خرجنا من الزنازين قبل ساعة ... ينقصنا صابون... يا سوهر!!
نريد أن ننام أحضروا لنا الفراش
وهكذا كنا تعلم فورًا أن ضيفًا جديدًا قد حل على ديارنا في ذاك القسم!!
وفي بعض الأحيان كان المعتقلون ينقد صبرهم وهم يطالبون أساليب احتجاجية مختلفة!! وعلى سبيل المثال أذكر أن البعض منهم لما نفد صبرهم أخذ أحدهم يصيح بصوتٍ عالٍ: من أنتم؟!، فكان البقية يرددون خلفه ويصيحون سرايا القدس سرايا القدس.. سرايا القدس، ثم كان يعود ويصيح مرة بعد مرة: من أنتم؟!، فيعودون ويردون عليه مرة بعد مرة سرايا القدس.... سرايا القدس ... سرايا القدس .... وهكذا حتى
يتم تلبية طلبهم. وأذكر أن البعض عندما كان ينفد صبره كانوا يقومون بالضرب على باب غرفتهم، مما كان يتسبب بحدوث صوت مرتفع كان يضطر السجان كي يحضر!! وكان البعض يقومون بالنداء بصوت عال الواحد تلو الآخر بدون انقطاع حتى يحضر السجان، فكان ينادي الأول صارخًا: يا سوهر!!، ثم يتلوه الثاني ويصيح يا سوهر!،
وهكذا الرابع والخامس دون انقطاع حتى يتم تلبية طلبهم.
ولكن ما لفت انتباهي وغمرني بالدهشة من هؤلاء المعتقلين أن الواحد منهم عندما كان يعتقَل ثم يتم نقله إلى السجن كان يدخل السجن بلباسه فقط دون استعداد مُسبَق وعندما كانوا ينقلونه من قسم المخابرات إلى قسمنا كان يأتي إلينا ولا يملك إلا ملابسه التي كان يلبسها، وكما هو معروف فإن إدارة السجن
ما كانت تعطيه إلا فراشًا فقط!! لذلك فقد كان يجد نفسه في برد شتاء الجلمة، لا يملك إلا فراشًا عند النوم!! وما أدراك ما برد الشتاء هناك؟! هو برد قارس يكاد أن يذيب الحديد! فكيف إذا نام فيه السجين ليله الطويل بلا غطاء ولا وسادة؟ كيف إذا نام وهو يضع يده تحت رأسه كالوسادة لأنه لا يملك الوسادة؟! كيف إذا نام وقد الصق فخذيه ببطنه من شدة البرد مرتجفًا لأنه لا يملك لحافًا؟ كيف إذا نام وأسنانه تصطك خلال نومه والريح الباردة تزأر من حوله ولمع البرق وقعقعة الرعد تملأ عليه جوارحه؟! نعم هذا ما كان يحدث لأولئك السجناء الذين كان يتم نقلهم من قسم المخابرات وزنازينها إلى القسم الذي كان فيه!!
لذلك كنا نمر على غرفتهم عند خروجنا إلى المحكمة في الصباح الباكر فكنا نراهم على حال يُفتت الأكباد ويستبكي العيون!! كنا تراهم وقد ألقى أحدهم بجسده المطحون الذي أرهقته الهموم على الفراش في ذاك الجو البارد العاصف القاصف ومن يدرى لعله كان يعلم في المخيم المحاصر الذي تركه خلفه!! لعله كان يحلم بأمه المريضة التي تركها تحت الحصار تأكل الألم وتشرب الألم وتنام على الألم!! لعله كان يحلم بزوجه الحامل التي اقترب موعد ولادتها فهل ستلد في البيت الجائع أم ستلد عند حاجز عسكري نصبته قوات الاحتلال الصهيوني أم ستلد في سيارة أجرة ستسير الساعات الطويلة حتى تتحايل على كل الحواجز وتصل بها إلى المستشفى الذي أصبح مزار قوات الدفدفان الاحتلالية في الليل والنهار!!
لعله كان يحلم بأولاده الصغار وها هو العيد كاد أن يطل عليهم ولا طعام ولا ثياب ولا شراب ولا مُعيل! لعله كان يحلم بأرضه التي ابتلعها جدار الفصل العنصري وبزيتونه الذي لاكته أسنان جرافات الاحتلال!!
نعم لعله كان كذلك، ولكن مع عمق المأساة ومع مرارة القهر فقد كنت على يقين أنهم كانوا ينامون قريري العين مشروحي الصدور والقلوب!! ثم ماذا؟! إن مما لا شك فيه أن منظرهم الخارجي وهم نيام على ذاك الحال كان يدفع كل من يراهم أن يعطف عليهم رغم أنفه ولو كان يحمل في جوفه قلبًا من حجر.
ثم كنا نعود من المحكمة عند المساء عادة وبعد غروب الشمس وكنا نمر على غرفتهم التي تركناها صباحًا وهم نيام!! فعندما كانوا يروننا كانوا يمدون أيديهم وسط قضبان الحديد التي امتدت على طول وعرض باب غرفتهم!! فكنا نرى ست أيد أو أكثر تمتد في الهواء وسط تلك القضبان لتصافحنا!! وكنا تعلم أن إدارة السجن قد حذرتنا أكثر من مرة ومنعتنا من مصافحة أي معتقل أو الكلام معه!! ولكننا كنا نتجاهل تلك التحذيرات وكنا نصافحهم ونشد على أياديهم باشِّين هاشِّين في وجوههم!!
واذكر مرة أن ضابطًا يهوديًّا قد اعترض على ذلك وقال لي بأسلوب حاد وجاف شيخ رائد. إنك تعرض لقمة عيشي للخطر، إلا انني أكملت مصافحتي للمعتقلين وقلت له: وما علاقتي بلقمة طعامك أصلًا؟!
كنا ندخل غرفتنا رقم (۸) نصلي ونتناول طعامنا ثم بعد العشاء بقليل كانت غرفة أولئك المعتقلين «المفجوعة» تنقلب إلى منصة نشيد وحداء وخطابة وإلقاء شعر وحوار وتندر ببعض القصص الفكاهية اللطيفة فكنت أقول في نفسي: هنيئًا لهم على تلك المعنويات العالية رغم القهر الذي يتمطى كي يجثم على صدورهم، ولكن هيهات هيهات للقهر أن يحقق شهرة حقدهم فها هم ينشدون ويحدون كما لو كانوا في زفة عرس! وها هم يلقون الخطب والقصائد الشعرية النارية كما لو كانوا في أحد المهرجانات الحاشدة في إحدى جامعات الضفة الغربية وقطاع غزة وها هم يقهقهون ضاحكين وكأني بهم يقولون الزبانية الشهر إن تضحكوا منا فإنا نضحك منكم كما تضحكون، وكنت أقول في نفسي متعجبًا ومتمنيًا: من أين لهم كل هذه المعنويات التي قهرت القهرة من أين كل هذه المعنويات التي قهرت الطائرة والدبابة والشاباك ونحشون ودفدفان وجولاتي وشمشون ومتسادا؟! يا ليتني أملك بعض ما يملكون من هذه المعنويات العالية، ولأن هذا المشهد بهذه العظمة كان يتكرر كل أيام الشتاء فقد دفعني ذلك أن أكتب قصيدة شعرية طويلة حول هذا المشهد الرفيع كان مطلعها:
عجبت لحالهم فخرًا وأحنيت لهم رأسي
عجبت لهم وقد صنعوا شموخًا من لظى البؤس
وخاطوا ثوب عزتهم ببذل الروح والنفس