; مع البروفسير غلام أعظم أمير الجماعة الإسلامية.. بباكستان الشرقية | مجلة المجتمع

العنوان مع البروفسير غلام أعظم أمير الجماعة الإسلامية.. بباكستان الشرقية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

مشاهدات 8

نشر في العدد 174

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 06-نوفمبر-1973


·      
جاء البنغاليون بالشيخ مجيب من أجل الحرية والرفاهية فجاءهم الاحتلال الهندي والغلاء!

    ·       الفكرة الباكستانية انطلقت من التصور الإسلامي لكن الدولة الباكستانية لم تقم عليه فبحث الجيل الجديد عن قوميته في اللغة الإقليمية

    ·       رفع البنغاليون شعارات الإصلاح الإقليمي فاضطهد العسكر شعاراتهم باسم الباكستان

    ·       شكلت الجماعة الإسلامية منظمة «البدر» الفدائية لمحاربة «الموكتي باهيني» في الأحراش

مهما كثر الحديث عن قصة الانفصال والمتآمر في البنغال الإسلامية.. فإنه لا ينتهي ولا يخلق من كثرة الرد والتكرار، ذلك لأن مأساة الباكستان أصبحت معلمًا في تاريخ الإسلام الحديث مثلما كان مولد الباكستان.. وثمة حقيقتان أخريان دفعتا إلى تجديد الحديث هذا الأسبوع عن المسألة البنغالية.. الحقيقة الأولى هي تطور الأحداث والظروف في «بنغلاديش» وواقع الحال وإرهاصات المستقبل الحبلى. والحقيقة الثانية أن الحديث يختلف باختلاف المصدر.. وقد حظيت «المجتمع» بجلسة مطولة مع شخصية يمكن أن توصف بأنها أفضل من يتحدث في هذه القضية.. فقد كان البروفسير غلام أعظم أمير الجماعة الإسلامية في باكستان الشرقية في زيارة قصيرة للكويت وحملت إليه «المجتمع» كل انشغالات الخاطر المسلم وشغفه لاستطلاع الحقيقة، وتساؤلاته.. وكانت إجابات الأمير الإقليمي للجماعة الإسلامية قصة متكاملة، بقدر ما عبرت عن بشاعة المؤامرة في صدق ودقة ووعي وإلمام...بقدر ما ملأت القلب اعتزازًا وثقة وتحديًا.. لما وصفته من جهاد البنغاليين الصادق وانحيازهم الكامل إلى دين الإسلام وحبهم له.

ومحدثنا يعرف جيدًا ما يتحدث عنه.. فهو من أبناء داكا. كان زعيمًا طلابيًا أيام الدعوة إلى باكستان وسكرتيرًا عامًا لاتحاد طلاب جامعة داكا ومن المفارقات أنه كان يتزعم في تلك المرحلة حركة اللغة البنغالية وكان رئيسًا لأكبر تجمع للأدباء البنغاليين وقد دخل السجن أكثر من مرة بسبب دعوته تلك. أصبح أستاذًا للعلوم السياسية في كلية كارمايكل الجامعية. عمل في النشاط السياسي العام وانضم لجماعة التبليغ ثم التحق بالجماعة الإسلامية عام 1954م. وحصل على عضويتها عام 1955م عندما كان في سجن رانجبور.

تفرغ للعمل الإسلامي وشغل منصب السكرتير العام الإقليمي للجامعة في باكستان الشرقية من عام 57 وحتى عام 69 حيث عين أميرًا للجماعة هناك، وفي عام 1964 اعتقل في سجن لاهور مدة شهرين باعتباره عضوًا في مجلس الشورى المركزي للجماعة ثم أرسل إلى داكا حيث اعتقل من المطار وبقي في الاعتقال نصف عام وأطلق سراحه بعد اتصالات من بعض الهيئات الشعبية.

بالدرجة الأولى تعرض شخصية البروفسير غلام أعظم وتاريخه في العمل العام بأنه عبقرية حركية وتنظيمية، وإلى جانب ذلك هو مفكر يتسم فكره بالعمق والقوة ويجيد أربع لغات وله مؤلفات في الإسلام والعمل الإسلامي وهو متحدث بارع ومؤثر. ويأتي سحر منطقة وأسلوبه من الإيمان الشديد والتجرد الخالص لقضية الإسلام.

لقد تمكن من تنظيم 35,000 مقاتل في منظمتي «البدر» و«الشمس» تحت قيادته ودربهم على حمل السلاح وقادهم في الجهاد ضد حملات التخريب المعادية لباكستان التي كان يشنها جماعة «الموكتى باهيني» المزعومين.

وقبل أيام من اندلاع الحرب سافر لحضور اجتماعات الجماعة الإسلامية في باكستان الغربية وعاد مع بداية الحرب إلى داكا إلا أن طائرته هبطت في كولمبو نتيجة لإغلاق المطار.. وهكذا نجا من قبضة الجيش الهندي الذي اعتبره «المتعاون الأول» مع باكستان.

ثم طلب للمحاكمة وصودرت ممتلكاته.. وفي أبريل الماضي سحبت حكومة بنغلاديش جنسيته لأنه ما زال، في المنفى، يواصل نشاطه الإسلامي.

والبروفسير عزام انفصل من أسرته المكونة من 6 أبناء، 4 منهم من الطلاب كانوا في منظمة البدر اختفوا بعد الانفصال وتمكن اثنان منهم من الالتحاق به ولا تزال بقية الأسرة تنتظر الفرصة لمغادرة بنغلاديش.

س- إن البنغاليين أمة شديدة التعلق بالدين الإسلامي، وقد بدأت فكرة الوطن الباكستاني من هناك. مع ذلك فقد كان لرابطة عوامي وشعاراتها ولزعامة الشيخ مجيب شعبية واسعة في شرق البنغال قبيل الانفصال، كيف تفسرون ذلك، وهل كانت سياسات الجنرالات الباكستانيين عاملًا حقيقيًا.. كما قيل؟

ج- أولًا، قبل تقسيم الهند عام 1946 جرى استفتاء حول فكرة الباكستان، صوت البنغاليون بنسبة 97٪ في مصلحة باكستان في الوقت الذي لم تحصل فيه الفكرة على مجرد الأغلبية في باكستان الغربية.

وتكمن المأساة في أن أولئك الذين صوتوا لفكرة باكستان هم الآن خارج باكستان.. فكيف حدثت هذه المأساة ذلك سؤال كبير؟

• إذا تتبعنا هذه المأساة لا بد أن أبدأ من لحظة التفكير في باكستان نفسها عندما كانت الرابطة الإسلامية بقيادة محمد علي جناح قد نادت بتقسيم الهند على أساس نظرية الأمتين.. أي أن مسلمي الهند أمة مستقلة.. وأنهم غير مستعدين لأن يصبحوا أمة واحدة مع الهندوس. بعد 7 سنوات قسمت الهند يجدر هنا أن نذكر أن مولانا المودودي عندما كان يخاطب الناس في جامعة علي كرة الإسلامية قال إن هذه الحركة، على الرغم من أنها تثار باسم الإسلام، لكنها ليست حركة إسلامية، وطرح في خطبته نظرية العمل الإسلامي الصحيح وهو أن ننشر الإسلام أولًا حتى إذا ما انتصر الدين الإسلامي في أعماق الجماهير فإن هؤلاء المسلمين سيقيمون الإسلام في الهند كجزء من عقيدتهم.

وبما أن هذه الحركة لم تتبلور كحركة إسلامية فإن غالبية قادتها بعد قيام باكستان تنكروا لقضية الإسلام، وأصبحوا مجرد منافقين.

لقد قامت باكستان على تصور إسلامي، ولكن بعد تأسيسها لم يتجذر هذا التصور وبالتالي لم يترسخ في أعماق الجيل الجديد، لذلك حينما بحث هذا الجيل عن قوميته وجدت الإقليمية واللغة طريقها إلى تفكيره.

لقد تحققت فكرة باكستان من خلال أسلوب ديموقراطي، ولكن هذه الديموقراطية لم تتحقق في دولة باكستان لقد أجل تنفيذ الدستور، ولم تجر الانتخابات، وبعد كفاح شاق أنجز الدستور عام 1956 وكان من المفروض أن تجري الانتخابات على ضوئه في فبراير عام 1959، وساعتها قام القائد العام أيوب خان بالاستيلاء على السلطة بأسلوب غير ديموقراطي وحكم البلاد لمدة 10 سنوات.

وبما أن الأغلبية السكانية توجد في شرق باكستان فقد شعر الناس هناك أن الباكستانيين الغربيين وبعض قياداتهم قد اغتصبوا نصيبهم السياسي والاقتصادي.

هذا الشعور بين مسلمي البنغال، استغل بنجاح من جانب العلمانيين كرابطة عوامي. وبما أنهم دائمًا يتحدثون باسم باكستان الشرقية وحقوق شعبها، وكان أيوب خان يضطهد شعاراتهم باسم باكستان ووحدة باكستان، فقد بدأ الناس هناك يحسون بأنه ما لم يأت قائد بنغالي لقيادة شرق باكستان فإن أي زعيم آخر لا يمكن أن يتفهم مشاكلهم أو ينصفهم.

لذلك في انتخابات 1970 صوت الناس في جميع الدوائر الانتخابية للشيخ مجيب وحزبه وبالتالي تحولت القوة السياسية للبنغاليين الشرقيين. ونسبة لضعف حكومة يحيى خان وعدم وجود إدارة في شرق البنغال في هذه الفترة، فقد جرت الانتخابات في جو من الإرهاب خلقه الشيخ مجيب وأتباعه، لكن مع ذلك فقد كان صحيحًا أن الأغلبية ساندته، وهذا التأييد لم يكن للانفصال وإنما كان من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي، وفي كل أحاديثه وتصريحاته حرص الشيخ مجيب أن يؤكد أنه ليس ضد الإسلام ولا يدعو لأي شكل من أشكال الانفصال.

بعد الانتخابات حدث الآتي: أراد يحيى خان أن يعدل شيخ مجيب نقاطه الست ويقتسم الحكم مع السيد بوتو.

في نفس الوقت كان السيد بوتو يقود حركة في غرب باكستان ضد نقاط مجيب الستة -وبما أن شعب البنغال صوت لصالح نقاط مجيب الست فقد كان لموقف بوتو وتأخير عقد الجمعية الوطنية رد فعل في نفوسهم خلق نوعًا من الشكوك والريب في جدية يحيى خان واستعداده لتسليم السلطة. وحينما طلب بوتو عقد اجتماع الجمعية في الموعد المحدد، أجل يحيى خان الاجتماع إلى أجل غير مسمى ودون أن يستشير أحزاب الأغلبية وبالذات حزب الشيخ مجيب. وكانت عملية التأجيل تثير سخطًا متزايدًا في باكستان الشرقية، وكانت تجمعات العمال والطلبة قد هيأت الناس إلى الاعتقاد بضرورة استيلاء الشيخ مجيب للسلطة فورًا.

وكانت الأمور تسير في خط متواز مع اتجاهات السلطة الموجودة وبالتالي أصبحت هذه السلطة مشلولة تمامًا.

كان العيب الكبير في شيخ مجيب هو مقدرته على استثارة الجماهير دون القدرة على السيطرة عليها، وسرعان ما خرجت الأمور من يده، وكان الجيش في باكستان الشرقية عاجز عن متابعة الوضع. ثم سافر يحيى خان إلى داكا في محاولة للوصول إلى تسوية مع الشيخ مجيب، لكن في ذلك الوقت كان حوالي 10,000 جندي بنغالي وعدد مماثل من الشرطة المسلحين في حالة تمرد، ولو نجحت محادثات يحيى ومجيب لكنا تفادينا هذه المأساة.

والسؤال هو من المسؤول عن إخفاق هذه المحادثات؟

الحقائق تشير بأن هناك سببين لهذا الفشل، الذي كانت حركة الجيش نتاجًا طبيعيًا له:

1- مولانا باشاني زعيم حزب عوامي الوطني اليساري وزعيم يساري آخر ورئيس حزب الرابطة الوطنية، هؤلاء الزعماء الثلاثة وأحزابهم رفعوا شعار الانفصال وكان لهم مؤيدون بين الطلبة والعمال يشكلون مجموعات شبه عسكرية. وكانوا بالإضافة لرابطة الطلبة التابعة لرابطة عوامي يحرضون الشعب ضد باكستان ويطالبون بالانفصال أثناء سير المحادثات ويخلقون وضعًا جعل الشيخ مجيب مضطرًا لأن يضع شروطًا صعبة أمام يحيى لا يمكن قبولها.

2- كان مستشارو يحيى في هذه المحادثات هم زعماء الأحزاب الغربية الذين دخلوا البرلمان وكان غريبًا ألا يكون من بينهم أعضاء الجماعة الإسلامية الذين لم يدعوا لهذه المحادثات. قبل أن يعلن يحيى خان عن فشل المحادثات بسبب رفض القادة السياسيين لنقاط شيخ مجيب، كان قد أمر الجيش بالتحرك في 26 مارس. كانت حركة الجيش هي المجهود الوحيد وقد حاول يحيى خان بها أن يسند حكومته هناك بالقوة.

لقد استغرقت حركة الجيش شهرًا كاملًا… وخلال هذا الشهر كانت هنالك مذابح بشعة. وكان الجيش كلما وصل إلى مكان وجد جثث البيهاريين والبنغاليين المؤيدين للوحدة.

مات خلال هذه الفترة 200,000 في مختلف الأماكن وكرد فعل كان الجيش يقوم بعمليات انتقامية لم يكن لها داع.

بالطبع بالغت الدعاية الأجنبية في وصف عمليات الجيش كما كان هناك صمت عن المذابح التي تعرض لها البيهاريون من قبل رجال الموكتى باهيني المسلحين.

وكان المتمردون لا يواجهون الجيش، بل يعملون تقتيلًا في المدنيين وخصوصًا البنغاليين، وخلق ذلك نوعًا من رد الفعل العنصري بين جنود الجيش، وبما أن جنود الجيش ينتمون إلى باكستان الغربية فقد خلقت عملياتهم رد فعل مشابه لدى الناس.

هرب زعماء الانفصاليين إلى الهند وشكلوا حكومة منفى في كلكتا حيث ساعدتهم حكومة الهند بلا حدود.

وبدأوا تنظيم الناس ضد الجيش الباكستاني.

وبمساعدة الدعاية الخارجية أطلقوا الأكاذيب والمبالغات حول عمليات الجيش وضاعفوها 100 مرة بهدف خلق رأي عام معارض وضلعت في المؤامرة الإذاعة البريطانية بالذات.

وقد فشلت حركة الجيش للأسباب الآتية:

1- أجبرت حركة الجيش الهندوس على النزوح، وكان 80٪ من النازحين هم من الهندوس. واستغلت أنديرا غاندي ظروف اللاجئين بنجاح على المستوى الدولي.

2- اعتمد الجيش على القوة وحدها لإخماد التمرد ولم يشرك السياسيين الموالين لباكستان أو يستعن بهم لحفظ النظام. وكان الجيش مستعدًا لذلك لكنه مقيد بسياسة إسلام آباد التي لم تكن تضع في حسابها نفسية الجمهور.

3- كان الجيش لا يتحرك ضمن استراتيجية حربية ملائمة للظروف وإنما وفقًا لقرارات السياسيين في إسلام آباد. ولما اتجهت حكومة الهند إلى مساندة الموكتى باهيني «جيش التحرير البنغالي» ليستولي على قطعة أرض لإعلان الاستقلال فيها ثم تتدخل الهند بناء على طلب دولة مستقلة، أصدرت حكومة إسلام آباد أمرًا للجيش لمنع الموكتى باهيني من احتلال شبر واحد. وهكذا توزع الجيش على جميع الحدود وتبعثرت قواته مما جعل العاصمة والمواقع الرئيسية مكشوفة أمام الغزو الهندي حيث أنزلت الهند مظلييها خلف الحدود ولم يكن في وسع داكا أن تصمد طويلًا.

4- أعطت حكومة إسلام آباد انطباعًا خاطئًا للجيش بأن الهند لن تتدخل مباشرة وأنه لو حدث ذلك فإن الصين ستتدخل، ولم يكن ذلك صحيحًا.

ذيول الاحتلال المأساوية

لقد قتل حوالي 200,000 من غير البنغاليين بعد الانفصال، و100,000 من المسلمين البنغاليين بمن فيهم العلماء والطلبة والعاملون في الحقل الإسلامي ومؤيدو باكستان، و50,000 من مسلمي البنغال سجنوا، و100,000 اضطروا للاختفاء خوفًا من القتل أو الاعتقال، واعتقل 600,000 من غير البنغاليين في معسكرات اعتقال في أوضاع غير إنسانية مجردين من جميع الخدمات ومن حق العمل ومن الممتلكات بما في ذلك السكن.

دور الجماعة الإسلامية

س- ما الدور الإسلامي الوطني الذي اضطلعت به الجماعة الإسلامية كتنظيم، قبل وأثناء وبعد الحرب الانفصالية؟

ج- كانت الجماعة أكثر الأحزاب المساندة لباكستان تنظيمًا- وكانت العدو العقائدي الأول لرابطة عوامي، بل كانت منذ عام 1966 وإلى انتخابات 1970 تحارب بضراوة ضد اتجاهات عوامي العلمانية وضد ما يسمى بالقومية البنغالية وبرامج النقاط الست الذي اعتبرته خطوة في طريق الانفصال.

لم تكن الجماعة الإسلامية تنظيمًا جماهيريًا فقط، ولكن هناك تنظيمين طلابيين ومنظمة للعلماء في منتهى القوة، كانوا يعملون معًا للإسلام ونصرة الباكستان أثناء الانتخابات، كانت الجماعة تشغل 65 مقعدًا من مجموع 162 مقعدًا في الجمعية المركزية في شرق باكستان وحصلت على 1,300,000 صوت على الرغم من الأعاصير السياسية التي اكتسحت الإقليم، وكانت الأحزاب السبعة الأخرى قد حصلت مجتمعة على مجموع 800,000 صوت فقط وهكذا فإن الجماعة الإسلامية هي الحزب الثاني بعد رابطة عوامي من حيث القوة السياسية.

بعد الانتخابات كانت الجماعة تضغط بشدة من أجل تسليم السلطة لممثلي الشعب وانتقدت بوتو ويحيى خان لتكتيكاتهما الانتهازية. وكانت الجماعة ترى أن الشيخ مجيب لن يستطيع أن يحقق أحلامه الانفصالية ما دام الناس يرفضون الانفصال وأنه سيواجه الأزمة الاقتصادية بنفسه ويفشل في حلها، حينئذ يفقد شعبيته ويكون في استطاعة الوحدويين استعادة أراضيهم.

أثناء محادثات يحيى- مجيب، ذهبت شخصيًا للتحدث إلى زعماء عوامي كي أقنعهم بالتوصل إلى تسوية سياسية وتجنب استعمال القوة. بالطبع كانت علمانية مجيب وتعصبه العرقي لا يساعدانه على قبول اتحاد جزئي باكستان. وبالتالي إذا قبل أن يكون رئيسًا لوزراء باكستان لتعذر عليه أن يسعى للانفصال.

أنا شخصيًا، كنت واثقًا من أن الشيخ مجيب لا يريد الانفصال الفوري، فقد خطط لذلك تدريجيًا لكن سياسة يحيى خان الخاطئة ساعدت في تحقيق الانفصال بأبشع صوره.

بعد حركة الجيش كانت الجماعة في موقف سياسي حرج. فوض مولانا المودودي أمير الجماعة، قادة الجماعة في باكستان الشرقية باتخاذ الموقف المناسب حسب ما تقتضيه الظروف هناك. بعد مناقشة الموضوع لمدة أسبوع، قررت الجماعة، أن تعمل لأجل الوحدة الباكستانية. كانت هناك ثلاثة اقتراحات:

الأول- أن نؤيد حركة الانفصال ونهاجر للهند للتعاون مع زعماء الحركة، ولم يكن بإمكان الجماعة أن تؤيد القومية البنغالية والعلمانية ما دامت هذه الأفكار تتعارض مع إيمانها. وكان الرأي هو أنه ما دامت هذه الأفكار غير متزنة فقد كان صعبًا تحقيق الإسلام في باكستان فكيف يمكن ذلك في دولة تقوم على أسس معادية للإسلام ويمكن أن نجد الفرصة للدعوة.

الثاني- أن نبقى ساكتين ومحايدين، لكن الجماعة اعتبرت ذلك أمرًا غير ممكن تمامًا في الظروف الوطنية الراهنة. فالحزب المنظم الذي تسانده الملايين لا يمكن أن يبقى محايدًا في مثل تلك الظروف، فالجيش سيعتبرنا مؤيدين للانفصال والموكتى باهيني سيعتبروننا جواسيس لباكستان وسنقتل من الجانبين بدون أي ثواب من الله.

لم يكن أمامنا سوى خيار واحد: أن نساند قضية باكستان، فقد وجدنا أن الهند هي التي تقف وراء الانفصال.

لسوء الحظ فإن الحكومة العسكرية- لأسباب- لم تتقبل مقترحاتنا التي كان يمكن لو قبلت أن تحافظ على الوحدة، لقد تقبلت مساعدتنا وخدماتنا، ولكن السياسة لم تعدل حسب ما رأينا. كان موقف الجماعة هو أننا إذا وفقنا في حماية باكستان فإن الإسلام سيخرج منتصرًا، وإذا فشلنا فسنكون شهداء في سبيل الإسلام.

كان الناس يعرفون أن متطوعي الجماعة لم يتورطوا في الجرائم التي وقعت، بل كانوا يدعون الله ويطلبون عونه. وفي كثير من الأحيان حاولوا منع البوليس والجيش من ارتكاب الجرائم.

سوف يذكر الناس تضحيات الجماعة وخدماتها. لقد قتل 100,000 من أعضائها ومؤيديها ويوجد في السجون 7,000 عضو وحوالي 30,000 شردوا من منازلهم وبلدانهم. وقد كان أعضاء الجماعة هدف الموكتى باهيني بعد استسلام الجيش، وكانت الضربة قوية فعلًا لكن بعد تكشف نتائج الانفصال، ووضوح الاستعمار الهندي، استعادوا تنظيمهم. الذين في السجن معنوياتهم عالية خصوصًا حينما يجدون أن الناس يتألمون ويشكون من نتائج الانفصال أنهم لا يربون أنفسهم ويعبدون الله فحسب، بل يحرصون على إذكاء الروح الإسلامي بين المعتقلين الآخرين ونشر الوعي الديني بينهم، ويقيمون دروسًا منتظمة في القرآن والحديث.

في الوقت الحاضر هنالك فراغ في القيادة الإسلامية فإن معظم القادة في السجون والبعض الآخر هاجر لبلاد أخرى والبعض الآخر قتل، ومع ذلك فإن الروح الجهادي من أجل بعث الإسلام يشتعل في صدور أعضاء الجماعة.

إن أمامنا مشكلة الأسر المشردة التي فقدت من يعولها ومشكلة الطلاب الذين فقدوا فرص التعليم في الداخل.

س- بعد تجربة عامين تحت الانفصال كيف تسير الأحوال داخل بنغلاديش؟ وهل حقق حكام داكا الجدد الأحلام التي كانت مبررًا لتمزيق باكستان؟

ج- سياسيًا: بنغلاديش تحت الاستعمار الهندي. ومحاصرة بالنفوذ الهندي. السياسة الروسية تأتي أيضًا عبر الهند وتتسرب من خلال حزب سياسي بنغالي ومن خلال الخبراء الفنيين السوفيات وأصبح مجيب أسيرًا للسياسة الهندية ومخلب قط ضد الصين.

اقتصاديًا: يمكن القول بأن اقتصاد باكستان الشرقية قد تخرب تمامًا:

1- كان شطرا باكستان يقومان على اقتصاد موحد وكان إنتاج الواحد يستهلك في الإقليم الثاني.. بعد أن توقفت إمدادات باكستان أصبحت المواد البديلة تأتي من الهند-النوعية سيئة وأسعارها مرتفعة وبالعملة الصعبة.

الهند لا تأخذ شيئًا من بنغلاديش.. لأن المواد التي كانت تصدر إلى باكستان الغربية موجودة في الهند ولا تحتاجها.. بالتالي العملة الصعبة غير متوفرة.

الجوت هو مصدر النقد الوحيد الذي يدر عملة صعبة لكنه يهرب لدرجة أن مصانع الهند تعمل بكل طاقاتها في حين أن المصانع في بنغلاديش تقلص إنتاجها إلى النصف. الأرز والسمك الغذاء الرئيسي يهرب وأسعار الغذاء ارتفعت من 3 إلى 4 مرات من معدلها قبل الحرب- هناك فساد شنيع بين الإداريين لأن رابطة عوامي لا تقوم على تربية الأفراد. كذلك فإن طبقة جديدة من الأثرياء أخذت تنمو- الصناعة والتجارة التي يملكها غير البنغاليين أممت وسلمت إلى إداريين غير مجربين.

وهكذا فإن معدل الإنتاج انخفض إلى 50٪ وكذلك هناك خسارة كبيرة لأن الإداريين استغلوها لمنافعهم الخاصة.

ومهما كان العون الخارجي فإن استغلاله لا يمكن أن يكون عادلًا أو صحيحًا لانعدام النظام والقانون.

النظام والقانون:

بناء على الدعاية الأجنبية فإن هناك ما يزيد على 200,000 قطعة سلاح في أيدي أشخاص غير رسميين. من بين هؤلاء بعض المتمردين من الجيش والبوليس الذين لم يلتحقوا بالعمل الحكومي بعد الانفصال لأنهم وجدوا أن النهب أفضل من الاعتماد على رواتب الحكومة.. ثم الاشتراكيين والطلبة والعناصر الموالية للصين.. كذلك المجرمون الذين حرروا من السجون أثناء التمرد.. كلهم تحت زعم أنهم من قوات الموكتى باهينى يفعلون ما يحلو لهم.. في الريف لا أثر للقانون وحتى في المدينة هنالك جريمة منظمة وأحداث تقع في النهار كالسطو على البنوك والقتل والخطف واحتلال المنازل بالقوة كذلك الاغتصاب والابتزاز- عمليًا ليس هناك قانون أو نظام أو أمن.

نظام مجيب يعتمد في حفظ النظام والقانون على قوة دفاع تكونت من الموكتى باهيني الذين يثق بهم شخصيًا. وهذه الجماعة تسمى روكي باهيني وترتدي زيًا مشابهًا لحرس الحدود الهندي، ويقول زعماء المعارضة إن الشيخ مجيب يستخدم باسم الروكي باهيني حرس الحدود الهندي ليكبت المعارضة.

الجيش البنغالي عاجز تمامًا... والجيش الهندي بعد انسحابه أخذ معه جميع العتاد العسكري الباكستاني.. أما البوليس فقد فقد النظام والانضباط منذ التمرد على يحيى خان. وأصبح حتى لا يرد الاعتداء على مراكزه.

ثقافيًا: الدستور أعلن الدولة علمانية ومنع قيام أحزاب دينية، وتتهرب الحكومة من اتخاذ أي سياسة دينية.. وباسم الثقافة البنغالية يتبعون الثقافة الهندية. أصبح التعليم علمانيًا خالصًا.. ومعاهد التعليم الديني تتضاءل عدديًا باضطراد نسبة للكوارث الاقتصادية.

س- إن المراقب لاتجاهات السياسة الباكستانية.. يشعر بالقلق من أن الانفصال في شرق البنغال أصبح أمرًا واقعًا فرض الاستسلام على الذين قاوموه.. من خلال معرفتكم العميقة بالأمة البنغالية المسلمة وبالظروف الراهنة وطبيعة البنية السياسية والاجتماعية.. كيف ترون المستقبل؟

ج- تحت وطأة الظروف التي عرضتها في السؤال السابق فقد اجتاحت البلاد حركة قوية.. هي «حركة مسلمي البنغال».. وأريد أن أقول مقدمًا أن الشيخ مجيب لو نجح في حل مشاكل الجماهير الملحة وتم ذلك تحت حكمه فإنه حتمًا سيكون في موقف أقوى حتى من موقفه أيام الحكم الباكستاني.. وربما بجلته الجماهير هناك. لكن الذين صوتوا له من أجل مزيد من الحرية والرفاهية أصيبوا بخيبة أمل كبرى ووجدوا أنفسهم في وضع أسوأ. لذلك فإن شعبيته تقهقرت وأصبح اسمه مدعاة للسخرية.. ونسبة لحالة اليأس هذه فقد أصبح العداء للهند وللهندوسية شديدًا وبالغًا- أصبح شعار «البنغال المسلم» صيحة من أجل الأرض مراكز الشرطة تهاجم ويؤخذ منها السلاح تحت شعار «البنغال المسلم». صار مألوفًا أن يرتفع العلم الأخضر وعليه الهلال على المباني الحكومية.. ومع ذلك لم يكن ثمة أحزاب سياسية خلف الحركة من الممكن أن يكون بعض السجناء أو المشردين أو اللاجئين من الخارج خلف الحركة.. لكن الروح الإسلامية، التي كانت بلا شك المحرض الأول لمعارضة الاتحاد مع الهند والمحرض لمساندة الفكرة الباكستانية إسلامية جديدة.. معادية للهند.. ربما يحتاج ذلك إلى وقت ودعم مادي ومعنوي من العالم الإسلامي.

سيكولوجيًا... ليس من السهل على شعب باكستان الشرقية أن يتقبلوا هذا الوضع.. بما أنهم كانوا في وضع أفضل مع باكستان، وكانوا يتطلعون إلى الأحسن. لقد نعموا بالحرية مدة 25 سنة فكيف يمكن أن يتحملوا وضعًا أقل من ذلك.. كما هو الحال اليوم في دولة بنغلاديش التي تسيرها الهند.

هذه الأوضاع جعلتهم يقدمون تضحيات غالية... ولكن مسلمي البنغال- إن شاء الله- سيتخلصون من السيطرة الهندية، وسيعودون- كما كانوا- جزءًا من العالم الإسلامي، لأنهم ليسوا أقل تدينًا من أي جزء آخر من العالم. وتجدر الإشارة هنا إلى نشاط العناصر الموالية للصين.. فهم يخططون لخلق وضع ينتظم منطقة أسام- بنغلاديش- وبنغال الغربية. وهم أقوياء جدًا في غرب البنغال وكانوا يسيطرون على الحكومة الإقليمية هناك كما أن منطقة أسام هي «استراتيجيًا» خط المواجهة الوحيد بين الهند والصين- ونشاطهم يسبب إزعاجًا شديدًا للهند لأنه يهدد بتقسيم الهند ذاتها.

تكونت جماعة «بدر» من المجاهدين المسلمين، الذين تدربوا على حرب العصابات لمحاربة جيش الموكتى باهيني الذي يشن حرب الغوريلا ضد باكستان- وكانت مهمتها هي محاربة هذه العصابات في مواقعها حيث يتعذر على الجيش ملاحقتها في مخابئها وبين صفوف الشعب.. ولولا الدور الذي لعبه هؤلاء الفدائيون المسلمون لما تمكن الجيش الباكستاني من الصمود 9 أشهر في باكستان الشرقية.

الرابط المختصر :