; مع بداية شهر رمضان.. لا تختلفوا | مجلة المجتمع

العنوان مع بداية شهر رمضان.. لا تختلفوا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980

مشاهدات 77

نشر في العدد 488

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 08-يوليو-1980

  • الجمهور على أن رؤية بلد هي رؤية لجميع أهل البلاد
  • العمل في رؤية الهلال لا يعتمد على الحاسب 

وحدة الصوم والفطر أحد أهم مظاهر الوحدة الإسلامية

رسالة بعثتها إلى أخ أحبه بعد أن أفطر العام الماضي من أول أيام رمضان ظنًا منه أنه مصيب في فطره بعد أن نظر في حسابات الفلك، وكان بعثي إليه بعد فوات الصيام وإني اليوم أبعثها إلى كل من نحبهم في الله، ونرجوا لهم الصواب وفيها أقول:

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، وجعله تبيانًا لكل شيء، وذكرى لأولي الألباب، وأمرنا بالاعتصام به إذ هو حبله الذي هو أثبت الأسباب، وهدانا به إلى سبل الهدى ومناهج الصواب، وأخبر فيه أنه: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ (يونس:5).

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرباب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بجوامع الكلم، والحكمة وفصل الخطاب، صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة باقية بعده إلى يوم المآب.

 أما بعد: فإن الله قد أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينًا وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم، ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر، التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات التي أنزلها الله على موسى في التوراة، وإن كانت الكلمات التي أنزلت علينا أكمل وأبلغ، ولهذا قال الربيع ابن خثيم: من سره أن يقرأ كتاب محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يفض خاتمه بعده، فليقرأ آخر سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ (الأنعام:151) الآيات.«1»

إخواني حفظكم الله اعلموا أنه إذا كان هناك من هو خارج عن استقامة الصف لا يقال بأن فلانًا خارج من الصف، بل يقال الصف أعوج، واذكروا أن خمسة متراصين متعاونين متفقين متناصحين خير من ألف مختلفين متباغضين متجادلين متناجشين.

 «واعلموا» أن على الدعاة تجاه دعوة الله أمرين الأمر الأول هو بناء الدعوة والأمر الثاني حماية هذا البناء، ومثل من يبني البناء يترك الحماية كمثل الرجل الذي شيد قصرًا وأجمل في بنائه وحسن في نقوشه ثم تركه بعد ذلك تعصف به الريح وتعمل به عوامل التعرية فلا يلبث إلا حطامًا وإطلالًا.

عباد الله بكم يبنى البناء وبكم يحمى البناء، وذلك كله بعد عون الله وتوفيقه وإذا علمتم ذلك فتبينوا خطاكم وأحصوا كلامكم وراجعوا خطراتكم وأذكروا ما علمتم. 

فعن ابن مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال إني لأترك الأضحية وإني لموسر كراهية أن يرى جيراني وأهلي أنه عليَّ حتم (البيهقي في كتاب المعرفة) وفي الموطأ عن نافع إنه سمع سالم مولى عمر بحديث عن عمر -رضي الله عنهما- أن عمر -رضي الله عنه- رأى على طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- ثوبًا مصبوغًا وهو محرم فقال ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة فقال طلحة، يا أمير المؤمنين إنما هو «مدر»، فقال عمر إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم فلو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب لقال إن طلحة بن عبيد الله قد كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام فلا تلبسوها أيها الرهط (المدر كما جاء في كتب اللغة أنه الذي لا يخالطه شيء من رمل يعني فكأنه كان مصبوغًا ولم يكن مصبوغًا بما لا يجوز في الإحرام) والله الموفق.

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا رأيتموه» أي الهلال «فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم» بضم الغين المعجمة وتشديد الميم: أي حال بينكم وبينه غيم «عليكم فاقدروا له».. متفق عليه.

الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله وإفطار أول يوم من شوال لرؤية هلاله وظاهره اشتراط رؤية الجميع له من المخاطبين لكن قام الإجماع على عدم وجوب ذلك، بل المراد ما يثبت به الحكم الشرعي من إخبار الواحد العدل أو الاثنين على خلاف في ذلك، فمعنى إذا رأيتموه أي إذا وُجدت فيما بينكم الرؤية، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع أهل البلاد فيلزم الحكم. (۳)

كما أننا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم، أو الحج، أو العدة، أو الإيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال - لا يعتمد على الحاسب في أنه يرى أولا يرى والنصوص المستفيضة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلًا، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله أحد. ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (البقرة:189) فأخبر أنها مواقيت للناس، وهذا عام في جميع أمورهم، وخص الحج بالذكر تمييزًا له، ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم. 

ولأنه يكون في آخر شهور الحول، فيكون علمًا على الحول، كما أن الهلال علم على الشهر، ولهذا يسمون الحول حجة، فيقولون له سبعون حجة، وأقمنا خمس حجج فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع ابتداء أو سببًا من العبادة وللأحكام التي تثبت بشروط العبد. فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له.

وهذا يدخل فيه الصيام والحج، ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة وهذه الخمسة في القرآن قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ (البقرة:185) وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ (البقرة:197) وقال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ (البقرة:226) وقال تعالى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ (المجادلة:4) وكذلك قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (التوبة:2). وكذلك صوم النذر وغيره، وكذلك الشروط من الأعمال المتعلقة بالثمن، ودين السلم والزكاة، والجزية والعقل، والخيار والإيمان وأجل الصداق ونجوم الكتابة، والصلح عن القصاص، وسائر ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما. «4»

وأوضح من ذلك ما قاله ابن تيمية: عن رجل رأى الهلال وحده، وتحقق الرؤية فهل له أن يفطر وحده؟ أو يصوم وحده؟ أو مع الجمهور؟

-إنه - على ثلاثة أقوال ثم قال والراجح - أن يصوم مع الناس ويفطر مع الناس لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» قال الترمذي حديث حسن غريب ثم قال: - وفسر - بعض أهل العلم هذا الحديث: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة، وعظم الناس.

فإن قال سائل: هل هلال رمضان كهلال ذي الحجة: فالصحيح هو أن هلال رمضان كهلال ذي الحجة، وعلى هذا يتبين أن التنازع في أن الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء، وإن لم يعلم به الناس؟ وبه يدخل الشهر، أو الهلال اسم لما يستهل به الناس، والشهر لما اشتهر بينهم؟ فالراجح - كونه هلالًا وشهرًا شهرته بين الناس، واستهلال الناس به، حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به كان حكمهم حكم سائر المسلمين فكما - لا – يقفون، ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين، فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين. 

ولهذا قال أحمد: يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحور الغيم. «5» 

كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث ابن عمر أنه قال:

«لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه» فنهى عن الصوم قبل رؤيته وعن الفطر قبل رؤيته. ولا يخلو النهي: إما أن يكون عامًا في الصوم فرضًا، ونفلًا، ونذرًا، وقضاء. أو يكون المراد فلا تصوموا رمضان حتى تروه. وعلى التقديرين فقد نهى أن يصام رمضان قبل الرؤية والرؤية الإحساس والأبصار به فمتى لم يره المسلمون كيف يجوز أن يقال: قد أخبر مخبر أنه يرى، وإذا رؤي كيف يجوز أن يقال: أخبر مخبر أنه لا يرى وقد علم أن قوله: «فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه» ليس المراد به أنه لا يصومه أحد حتى يراه بنفسه، بل لا يصومه أحد حتى يراه أو يراه غيره.

وفي الجملة فهو من باب عموم النفي لا نفي العموم: أي لا يصومه أحد حتى يرى، أو حتى يعلم أنه قد رؤي، أو ثبت أنه قد رؤي، ولهذا لما اختلف السلف ومن بعدهم في صوم يوم الشك من رمضان، فصامه بعضهم مطلقًا في الصحو والغيم احتياطًا، وبعضهم كره صومه مطلقًا في الصحو والغيم، كراهة الزيادة في الشهر وفرق بعضهم بين الصحو والغيم لظهور العدم في الصحو دون الغيم. كان الذي صاموه احتياطًا إنما صاموه لإمكان أن يكون قد رآه غيرهم، فينقصونه فيما بعد، وأما لو علموا لم يره أحد لم يكن أحد من الأمة يستجيز أن يصومه لكون الحساب قد دل على أنه يطلع. «6»

ثم إن أردت أخذ الأدلة على عدم الاعتماد على الحساب «بالعقل» فارجع إلى الفتاوي م ٢٥ ص ١٨٣

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم أبو معاذ

وهذا هو الذي أفتى به الشيخ عبد العزيز بن باز ونقلته «مجلة الدعوة السعودية في عدد شوال» كما أنه حفظه الله نقل ما قالته هيئة كبار العلماء بالأكثرية المضمونة أن الأرجح قول من قال أن لكل أهل بلد رؤيته وعليهم، وعليهم أن يرجعوا إلى علمائهم في ذلك عملًا بما رواه مسلم في صحيحه من حديث كريب عن ابن عباس - ونصه -عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان، وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته فقلت نعم وراه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: ولكنا رأينا ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه فقلت: أولًا تكتفي برؤية معاوية فقال لا هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشك يحيى بن يحيى حتى تكتفي أو نكتفي أ. هـ «8»

وقد قال ابن رشد في البداية ص ١٩٤ ح ٢: أجمع العلماء على أن الشهر العربي يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين، وعلى أن الاعتبار في تحديد شهر رمضان إنما هو الرؤية لقوله عليه السلام «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وعني بالرؤية أول ظهور الفجر بعد السواد. أ. هـ وقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة ص ٢٠٥ ح ٢ والذي أقول به أن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمفارقة القمر للشمس على ما يراه المنجمون من تقدم بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين لسبب لم يشرعه الله تعالى. أ. هـ

 

الرابط المختصر :